ارشيف من : 2005-2008
التهدئة على طاولة البحث بين الفصائل والعدو بالمرصاد على حدود غزة
غزة ـ عماد عيد
عاش الفلسطينيون لأول مرة اللحظة الأصعب في تاريخهم خلال الأسبوعين الماضيين على أكثر من صعيد، لا سيما على الصعيد المعنوي، وذلك بسبب تقاطع المواجهات الدامية بين حركتي فتح وحماس مع التصعيد الدموي للعدو الصهيوني، وربما هي المرة الأولى التي يشعر الفلسطينيون فيها بمعنويات تكاد تكون مهزومة بسبب الاقتتال الداخلي، وهي المرة الأولى أيضا التي تصرح فيها قطاعات واسعة منهم بمحاسن العدوان الصهيوني إذا ما كان مقدمة لوقف الاقتتال الداخلي...
وهذا ما حصل نسبيا حتى الآن فاشتداد العدوان والغارات الصهيونية والحديث عن توسيع للعملية العسكرية الصهيونية في قطاع غزة كان لها أثر واضح في وقف هذه المواجهات وتراجعها بشكل واضح على الأرض، لكن ذلك لا يعني وقف المواجهات بين الأخوة بشكل نهائي إذ وقعت خلال العدوان مواجهات تركزت في مناطق بعينها وسقط فيها جرحى، ولكن سرعان ما كانت تتوقف بسبب غارات صهيونية، ولذلك فإن المراقبين يرون أن وقف هذه المواجهات هو بمثابة النار تحت الرماد إذا لم يفلح الكبار في الطرفين في نزع فتيل اشتعال هذه النار من جديد.
وبحسب كل المصادر الفلسطينية وشهود العيان فإن المكتب المشترك الذي يضم حركتي فتح وحماس وبإشراف من حركة الجهاد الإسلامي والوفد الأمني المصري أفلحوا في إزالة مظاهر التسلح والحواجز التي كانت تفرض ما يشبه حظر التجوال على كثير من المناطق، لكن هذه المصادر أجمعت أن المسلحين لم ينسحبوا بشكل كامل من هذه المناطق، وأنهم حافظوا على وجود يتوارى أحيانا ويظهر أحيانا أخرى في هذه المناطق، كما إن المسلحين رفضوا النزول حتى الآن عن بعض البنايات السكنية التي يرون فيها أنها إستراتيجية ويخشون السيطرة عليها من قبل المسلحين الآخرين، والحال ينطبق على المربعات الأمنية التي رسمها كل فريق من الفريقين على الأرض، وما زالت هي الأخرى قائمة ويخشون من فك طوق المسلحين بشكل نهائي عنها.
والتقدير لكل المراقبين أن انعدام الثقة بين الجانبين هو الذي يمنعهما من تنفيذ الاتفاقات والعودة إلى ما كانت عليه الأوضاع في السابق، على أن المراقبين يرون أن مجرد توقف أشكال المواجهة الشاملة التي كانت قائمة هو بمثابة الفرصة أمام الطرفين وكافة الفصائل للبناء على ذلك بالتوصل إلى اتفاق قد ينجح في منع نشوب اقتتال آخر خصوصا مع وصول الرئيس محمود عباس إلى قطاع غزة واجتماعه بالفصائل الفلسطينية وبرئيس الوزراء إسماعيل هنية وتناول العناوين ذات الصلة بهذه المواجهة، والتي تشكل أسباب التوتر الداخلي مثل وزير الداخلية والقوة التنفيذية والاعتراف بها، إضافة إلى القضية الأهم في هذه المرحلة وهي قضية الشراكة السياسية والدخول في منظمة التحرير الفلسطينية والشراكة في السفارات الفلسطينية والمحافظات، إلى جانب قضية الأجهزة الأمنية والسيطرة عليها ومجلس الأمن القومي.
والاعتقاد السائد أن استمرار العدوان الصهيوني الذي حصد حتى الآن أكثر من ثلاثين شهيدا خلال أسبوع واحد والتهديد بتوسيع الغارات والعملية العسكرية واغتيال قادة سياسيين من حماس والجهاد الإسلامي يمكن أن يساهم في إنجاح هذا التوجه، ولكن المراقبين يرون أيضا أن لا إمكانية للتوصل إلى هذا الاتفاق إلا بالحديث أولا عن اتفاق فصائلي حول التهدئة مع العدو الصهيوني، وهو ما يحاول أن ينتزعه الرئيس عباس من الفصائل الخمسة الأساسية في اجتماعه معها تمهيدا لتسويق هذا الاتفاق إلى الأطراف الإقليمية واخذ موافقة عليه من الكيان الصهيوني، ومن ثم يشكل ذلك مظلة للخوض في حديث حول بقية الملفات الداخلية التي حصد الخلاف بسببها أكثر من ستين قتيلا وعشرات الجرحى خلال أسبوع واحد فقط من هذا الاقتتال.
والأخطر من ذلك كله أن هذه المواجهة تجاوزت في فصولها خطوطا حمراء أكثر من تلك التي تجاوزتها في المواجهة السابقة بحيث وقع خلالها إعدامات ميدانية بحق بعض الأشخاص. وبحسب بعض المصادر فإن بعض الإعدامات تمت على بطاقة الهوية لمن هو عامل في الأجهزة الأمنية التي تقود الاشتباكات مع حماس، أو على اللحية أو للاشتباه بأنه من حركة حماس، كما أن المواجهات اتخذت شكلا اعنف من الأول ووصل الحد إلى تضرر عدد كبير من المدنيين بحيث لم يعد من خط أمان لهؤلاء المواطنين خصوصا في الأبراج السكنية التي اتخذ المسلحون من سطوحها وكذلك بعض شققها مراكز وقواعد عسكرية..
ومع تراجع أعمال المواجهة ينصب التركيز الآن على المواجهة مع العدو الصهيوني، وقد وجهت عدة فصائل نداء بضرورة تشكيل غرفة عمليات مشتركة أو جبهة مقاومة موحدة لمواجهة هذه الحملة الصهيونية، والبعض الآخر دعا إلى المس بالمصالح الصهيونية في الداخل والشتات بواسطة العمليات الاستشهادية داخل الكيان الصهيوني، وكذلك بعمليات ضد المصالح الصهيونية في الخارج، كل ذلك في محاولة لاستغلال أجواء الهدوء النسبي على الجبهة الداخلية من اجل مزيد من الهدوء وصولا إلى الاتفاق، ويقول بعض القادة الميدانيين في فصائل المقاومة انهم أصبحوا في جاهزية عالية من اجل مواجهة العدو، وان أي تقدم سوف يواجه بالعبوات والاستشهاديين والاستشهاديات اللاتي عرضوا بعضهن في مؤتمر صحفي في غزة، وقالوا ان كافة المناطق الشرقية والشمالية مراقبة من قبل المقاومة، وإنهم سوف ينتظرون العدو حتى يلتحم بالمناطق السكنية ويفاجئونه بوسائل قتالية لم يتعود عليها بعد أن تم تأمين مناطق من الشريط الحدودي الشمالي والشرقي.
وأضافت هذه المصادر أن المقاومة تشدد على أن إطلاق الصواريخ لن يتوقف ما دام العدو مستمرا في عدوانه وغاراته وتهديداته بالمس بقادة من فصائل المقاومة الفلسطينية، وهددت بأن الأيام المقبلة ربما تشهد الكشف عن بعض القدرات في المجال الصاروخي، في حين ما زال العدو يسرب أنباء عن توسيع العملية في غزة خصوصا في الغارات ضد القادة والمنشآت، وان هذه العملية يمكن أن تستمر على هذا النحو أشهرا عديدة .. لكن هذا ليس بالضرورة صحيحا وإنما قد يستهدف الضغط على قادة حماس وعلى السلطة والفصائل لانتزاع وقف تام للصواريخ، وان أمكن عزل الضفة عن قطاع غزة في التهدئة، وهو ما لا تقبله الفصائل، أي أن الموقف على الأرض سيراوح مكانه.
الانتقاد/ العدد 1216 ـ 25 ايار/مايو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018