ارشيف من : 2005-2008

خربة حمصة : عندما يفصل جدار تراب بين الأب والابن

خربة حمصة : عندما يفصل جدار تراب بين الأب والابن

البقيعة الشرقية, يضيف الشاب مصطفى بشارات, صوتاً آخر إلى أصوات السكان الذين اضطروا إلى الانفصال عن أبنائهم بسبب هذه القسوة.‏

وقال الشاب الذي يعمل في تربية المواشي: إنه لم يرَ طفلته الصغيرة زينب البالغة من العمر أربع سنوات ونصف، منذ أربعة أشهر، بعد انفصالها عن العائلة للالتحاق برياض الأطفال.‏

وكانت آخر مرة التقى فيها الأب وابنته في يوم عيد الأضحى الأخير، الذي صادف نهاية العام الماضي لساعات قليلة، وانفصل كلاهما كل في مكان لا يبعد عن الآخر سوى بضعة كيلومترات.‏

وقال الأب بينما كان يسرد على مسامع باحث حقوقي قسوة الحياة في المنطقة: "كان يوم العيد آخر مرة التقينا، فلا يمكن التحرك بسهولة بين المضارب وبين البلدة المجاورة".‏

بشارات يسكن الآن في مضارب جميعها مبنية من الخيش وزينب في بلدة طمون المقابلة شمال الضفة الغربية,ويفصل بين المكانين سهل البقيعة الرحيب الذي قسم إلى قسمين بجدار من التراب قبل خمس سنوات.‏

فقد حلت السنوات الست الماضية على سكان المنطقة الشرقية من الضفة الغربية على غير ما يرام, فالحواجز والجدران جعلت من الحياة أكثر صعوبة مع مرور الوقت.‏

لكن الحال في منطقة البقيعة أكثر صعوبة واستثنائي. . وغالباً ما يقطع الصبية طريق طويلة بين المدرسة ومضاربهم مشياً على الإقدام، والسكان هنا لا يستطيعون التواصل مع أبنائهم الذين يلتحقون بالمدارس بسهولة ويسر, ومعظمهم فضل ترك أبنائه في بلدة مجاورة.‏

ويجد السكان صعوبة جمة في الانتقال بين مضاربهم الرعوية وبين البلدات المجاورة بسبب الجدار الترابي، الذي يفصل بين مناطق قريبة من بعضها.‏

يتساءل بشارات، الشاب في الثلاثينات من عمره، ويعمل ضمن أسرته الكبيرة في تربية المواشي: كيف تكون الحياة التي ينغصها سد طويل من التراب الأحمر؟.‏

ويردد المعنى نفسه رجال آخرون اجتمعوا لشرب الشاي في منزل محمد فهد الخيشي الذي يبعد عدة كيلو مترات عن منزل بشارات.‏

ولفهد ثلاثة أبناء انفصلوا عنه هم أيضاً، وما إن انتصف النهار حتى وصل إلى هذا المنزل أحدهم, الفتى خضر ( 13 عاماً) عائداً من المدرسة، بعد أن استغرقته الطريق عدة ساعات، وبالرغم من طرواة الطقس لا يمكن في هذه المنطقة تجاهل قسوة الحياة التي تعيشها العائلات الرعوية التي تنتشر في سهل رحيب، نهايته الشرقية تطل على نهر الأردن.‏

من على بعد يمكن متابعة الزوابع كيف تثور فجأة وتأخذ بالتكور مع اشتداد الرياح في فترة الظهيرة لتحجب الرؤية على المدى القريب.‏

لذلك واجهة بعض الصبية العائدين إلى منازل ذويهم في المضارب قادمين من البلدة المجاورة إحدى أكثر الزوابع سرعة., ويتعين على خضر عندما يعود من مدرسته أن يجتاز طرقاً ترابية تخترق سلسلة من السهول الواسعة التي أقيمت على أطرافها مستعمرات زراعية حجبت مضارب خربة حمصة.‏

وفي وسط السهل يوجد السد الترابي الذي يمتد مسافة عدة كيلومترات، حفره الجيش الإسرائيلي لمنع حركة سكان المنطقة.‏

وتملك عائلة خضر والعائلات الأخرى منازل أخرى في بلدة طمون المجاورة غالباً ما يلجأون إليها في فصل الصيف بسبب ارتفاع درجات الحرارة وخضر يعيش وأشقاؤه الذين انفصلوا عن العائلة في منزل من هذه المنازل.‏

كان الفتى يساعد والده على أخذ المواشي إلى مرعى قريب من المنزل، عندما ظهر صبيان وصبايا من بعيد قادمين إلى منازل عائلتهم التي تقع على بعد ثلاثة كيلومترات من خربة حمصة.‏

وإلى محاذاة هؤلاء هبت زوبعة تحركت في الاتجاه المعاكس لسيرهم لحسن حظهم، وهذه الحالة تتكرر طوال السنة, لكنها تكون أكثر قسوة في فصل الشتاء عندما يتحول السهل إلى بحر من الوحل، كما يقول علي محمد المفلح الذي يسكن في ذات المضارب.‏

وأحفاد المفلح الذين تتراوح أعمارهم بين 6 سنوات و 14 سنة يواجهون في طريقهم الكثير من المصاعب أشدها السد الترابي.‏

لذلك يقول السكان: إن كل المتنقلين بين المضارب والبلدات المجاورة يعملون جهدهم أن يتواروا عن أنظار الجيش الإسرائيلي أثناء اجتيازهم للسد.‏

والبعض من هؤلاء كما قال يضطر إلى استئجار مركبة عمومية لتنقله من بلدة طمون إلى المضارب عبر طريق طويلة "لكن ليس في كل المرات يمكن استئجار مركبة باجرة مرتفعة".‏

ويندر رؤية مركبات فلسطينية تتحرك في الشق الشرقي من السهل الرحيب, وإذا كانت ثمة واحدة فإنها ستكون بمثابة أن يجد العطشان ماءً عذباً في هجير الصحراء.‏

المصدر :وكالات ـ وفا‏

2007-05-04