ارشيف من : 2005-2008
الرئيس لحود : المواجهات في مخيم نهر البارد جزء من مؤامرة لتثبيت التوطين والحل بتحويل المعتدين الى العدالة
العماد اميل لحود ان الحل الوحيد للمواجهات بين الجيش اللبناني ومجموعة "فتح - الاسلام" هو "تحويل كل من قام باعتداء على الجيش اللبناني الى العدالة، ومن بينهم من كان مسجونا في السابق وخرج، ليصار إلى محاكمتهم"، مشيرا إلى ان عدم حصول ذلك يعني بداية نهاية الدولة.
ودعا الرئيس لحود إلى عدم تدخل شخصيات للافراج عن العناصر التي قد تسلم إلى القضاء، على غرار ما حصل في احداث الضنية وبعد جريمة "عين علق"، حيث جرت تدخلات للافراج عن المعتقلين والمشتبه بهم لمصالح شخصية.
وفي مقابلة اجراها معه مدير مكتب محطة "الجزيرة" في بيروت الزميل غسان بن جدو، شدد الرئيس لحود على وجوب ان يتولى الفلسطينيون المولجون بالامن داخل المخيمات مسؤولياتهم في ضبط الاوضاع، دون ان يعني ذلك تخلي الجيش عن مهماته لجهة تأمين حقوقه وحقوق الوطن، مع الحرص التام على عدم وقوع ضحايا بريئة في صفوف الفلسطينيين من ابناء مخيم نهر البارد.
ودعا اللبنانيين إلى التوحد والالتفاف حول جيشهم الوطني في هذا الوقت، داعيا إلى وقف هدر الدماء، معتبرا ان استشهاد عناصر الجيش يجب ان يكون في معارك ضد اسرائيل وليس في مواجهات داخلية.
ورد الرئيس لحود ما يحصل حاليا من مشاكل ومواجهات عسكرية إلى كونه جزءا من مؤامرة لتثبيت التوطين "الذي لا قدرة للبنانيين على حمله، وها نحن ندفع اليوم ثمن وجود بؤر امنية في المخيمات، وهذا امر غير مسموح". وتساءل عن التزامن بين هذه الاشتباكات والتفجيرات ومسألة توطين الفلسطينيين التي تبحث في اكثر من مكان.
واشار رئيس الجمهورية إلى وجود اجندة خارجية لدى البعض في لبنان، ناصحا هذا البعض برميها " لاننا في الوضع الراهن لا الاكثرية ولا الاقلية يمكن ان تربح، والجميع خاسر. فليتفضل الجميع إلى اللقاء والكلام حول كافة الامور العالقة، وليس فقط رئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة، بل الجميع".
وحث الجميع على تشكيل حكومة وحدة وطنية "تعمد إلى المشاركة في حل كافة المواضيع، فتتوقف الاعتصامات وينعم اللبنانيون بصيف هادىء تتم في نهايته انتخابات رئاسية طبيعية".
واستغرب الرئيس لحود رد البعض ممن يعملون وفق اجندة خارجية على المبادرة التي اطلقها اخيرا بأنه تأخر، معتبرا ان الشعب اللبناني كان مرتاحا لهذا الحل لانه شبع من الحروب ومن التساؤل عما سيحصل. وسأل:" الآن هناك من يعتدي على الجيش، فهل اكون تأخرت؟"، مذكرا بالدعوة إلى الحوار التي كان اطلقها فور التمديد له، دون ان يتجاوب احد معها.
وشدد الرئيس لحود على انه ليس مع فريق ضد آخر، وليس مع سوريا او ايران، بل هو مع قوة لبنان، فاذا نادت سوريا او ايران او الولايات المتحدة بقوة لبنان، فسيكون معها.
وتوجه إلى من يتهمه بعكس ذلك بالقول:" تعالوا انضموا جميعا إلى المقاومة فنقف في مواجهة اسرائيل وننتصر"، لكنه استطرد قائلا ان هؤلاء لا يقومون بهذه الخطوة لانهم يريدون مسايرة الولايات المتحدة الاميركية.
واشاد الرئيس لحود "بالمقاومة الوطنية التي تمكنت من تحقيق انتصار "سيذكره التاريخ " لان ما حصل هو بمثابة معجزة. وسيذكر اللبنانيون اهمية هذا الانجاز بعد حصول سلام في المنطقة، اذ تغلب لبنان الصغير بمساحته الجغرافية على اسرائيل وترسانتها الكبيرة من الاسلحة المدعومة اميركيا بفضل المقاومة ودعم الجيش".
ورأى ان ما يشاع من اجتياح اسرائيلي جديد للبنان، امر لا يمكن حصوله لان الاسرائيليين "يعلمون ان التوغل في لبنان ولو لمتر واحد سيكون مكلفا جدا".
ولفت الرئيس لحود إلى انه في ظل الانقسام السياسي الحاصل في لبنان، لا يمكن للرئيس ان يأخذ طرفا ويسير وفق مصالح شخصية، والا سيحصل ما حصل في الماضي من مشاكل خطيرة وقع فيها لبنان.
ورد على من يدعي انه يجمد الامور انه يسير وفق احكام الدستور، داعيا هؤلاء إلى ان يردوا عليه وفق القانون وليس بالشتائم، كما حصل حين قدم ملاحظاته القانونية على قضية انشاء المحكمة الدولية والتي تم درسها من قبل افضل القانونيين.
واعتبر الرئيس لحود انه اذا ما ارادوا الوصول إلى الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، "يجب ان تقوم المحكمة على اسس صحيحة لا ان يتم انشاؤها كيفما اتفق". واضاف انهم كانوا يرغبون سابقا في انشاء محكمة ذات طابع دولي، اما اليوم فيريدون انشاءها تحت الفصل السابع، وهو امر تعتبره شريحة كبرى من اللبنانيين تسييسا للمحكمة.
وعن مسألة انتخابات رئاسة الجمهورية، اشار الرئيس لحود إلى ان "هناك من ينادي بالاتيان برئيس يرضى به الجميع، ولكن من الصعب ان نرضي فئة تقول بإزالة القوة الوحيدة التي نمتلك. وجدد القول بأنه اذا وصل إلى نهاية ولايته في ظل استمرار الازمة، "فسأقوم باتخاذ قراري وفقا لمقتضيات الدستور ولما يمليه علي ضميري" رغم انه ليس الحل الامثل الذي يكمن في تشكيل حكومة وحدة وطنية تعمل على اخراج البلاد من ازمتها وتمهد لاجراء انتخابات رئاسية في موعدها.
وتوجه الرئيس لحود إلى العالم كله من الولايات المتحدة إلى اوروبا إلى ايران والجميع بالقول:" حرام ان تدعوا هذا البلد الذي وقف بقوة متمسكا بحقه وقناعاته وتمكن من التغلب على اسرائيل، ان يذوب رويدا رويدا، فهذا الاستنزاف الحاصل ليس في مصلحة احد في العالم وفي لبنان. وعلى اللبنانيين ان يتعلموا من دروس الماضي فيقولوا لجميع المسؤولين بدءا مني: كفى نريد ان نعيش، نريد حقوقنا بحسب الدستور وان نمرر المرحلة الانتقالية الراهنة بخير لمصلحة الجميع".
واعتبر الرئيس لحود ان لبنان الذي يملك شبابا يتحدون الخطر والصعوبات لتحرير وطنهم على غرار ما حصل في ارنون عام 2000، لا يمكنه ان يموت، "وستثبت الايام المقبلة انه سيخرج اقوى".
ووجه الرئيس لحود تحية اكبار وتقدير إلى امير دولة قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الذي اصر في ظل المعمعة التي حصلت ابان حرب تموز الماضي، على المجيء إلى لبنان بطائرته التي خرقت الحصار الاسرائيلي وحطت في المطار. كما حرص خلال الزيارة على تفقد الضاحية الجنوبية لبيروت التي تعرضت لقصف مركز وعنيف بمختلف انواع الاسلحة والقنابل، ثم ارسل مساعدات عمل القطريون شخصيا على ايصالها إلى الجنوبيين على اختلاف انتمائهم الطائفي.
نص الحديث
وفي ما يلي وقائع المقابلة التي اجراها السيد بن جدو مع الرئيس لحود:
سئل: هناك مشكلة جدية مع تنظيم "فتح الإسلام" والجيش اللبناني، كيف يرى الرئيس اللبناني هذا الأمر؟
أجاب: هذا الوضع خطر على لبنان، وخصوصا في ضوء ما يحصل إقليميا. بالنسبة إلى "فتح الإسلام" أود توضيح ما يلي، في آخر يوم من العام 1999 وبداية العام 2000 ، تلقيت خبر التعدي على ستة جنود كانوا يقومون بدورية في منطقة الضنية. أيقنت على الفور أن هناك مؤامرة خلف هذه العملية، لأنهم نفذوها ليلة الدخول في قرن جديد، وليس فقط في سنة جديدة. فمحطات التلفزة كانت منشغلة بنقل الاحتفالات بدءا من أستراليا وسنغافورة، ويفترض أن يصل النقل إلى لبنان، فيظهر أن المشاكل عادت إليه.
أوعزت وقتها إلى قيادة الجيش بأن تكون في جهوزية سريعة وتامة. حتى ولو كنا نحتفل برأس السنة، ومن دون أن يؤثروا على الاحتفالات التي تجري في البلاد. فلم يطلع أحد على ما جرى. وعند الرابعة من فجر اليوم التالي، بدأ الجيش بالقتال ومواجهة إحدى المجموعات، واستشهد منه عدد من العسكريين والضباط، إضافة إلى مقتل عدد كبير من الذين اعتدوا على الجيش، فيما وضع القسم الآخر في السجون.
بعد أيام، جاء إلى لبنان مساعد المدعي العام الأميركي، وطلب مقابلتي ومقابلة المدعي العام العسكري، لأن رئيس المجموعة الذي قتل في العمليات، يحمل جواز سفر أميركيا، وهو طبعا لبناني. فاحتج على مقتله بإسم حقوق الإنسان...
سئل: هو جاء مباشرة من أميركا؟
أجاب: نعم، وكان برفقته السفير الأميركي في لبنان. فأوضحت له أن هذه المجموعة هاجمت عسكريين ليلة رأس السنة، وبدون أي سبب. وهذه مؤامرة ليظهروا من خلالها أن لبنان عاد كما كان في السابق. فيما كان الجيش يدافع عن نفسه.
بعد فترة، وقعت أحداث 11 أيلول في أميركا، فعاد المسؤولون نفسهم إلى لبنان، وبدأوا بالاستقصاء عن هذه المجموعة بعدما تبين أنهم كانوا في ألمانيا يتعاطون في تجارة قطع غيار للسيارات، تماما كبعض المشاركين في عملية 11 أيلول، وبينهم لبنانيون. وطلبوا معرفة ما لدينا من معلومات عنهم، أوضحنا لهم أن الإرهاب لا يرحم أحدا، فلا يجوز التلطي يوما خلف حقوق الإنسان، وفي اليوم التالي تقررون مكافحة هؤلاء.
ولكن للأسف، في فترة الانتخابات النيابية الأخيرة، ولأسباب سياسية صدر عفو عام من مجلس النواب عن معتقلي مجموعة الضنية".
سئل: ماذا يعني لأسباب سياسية؟
أجاب: "كانوا يريدون أن يربحوا أصواتهم في الانتخابات".
سئل: من؟
أجاب:" أحد الفرقاء، ولا أريد أن أدخل هنا في الأسماء، فلبنان كله يعرف من هم. وهذا الطرف، استفاد فعلا في الانتخابات، لكننا نبهناهم وقتها من مغبة ما سيحصدون.
اليوم، تبين أن البعض من مجموعة الضنية يشاركون في القتال مع "فتح الإسلام" ضد الجيش.
أرجو أن نتعلم درسا من ذلك. فالإرهاب لا يرحم أحدا، فلا يمكنك أن "تربيه" لتستميله إليك بحجة أنه يمكن أن يساعدك لأنه سينقلب حتما عليك. والكارثة أنه في هذا الوقت بالتحديد، حيث نحن بأشد الحاجة إلى وحدة اللبنانيين، ووفقا لمعلومات مؤكدة، يجري البحث في ملف لبنان وفقا للمبادرة العربية التي تتضمن بندا مهما لم يكن اساسا مدرجا في صلبها عندما جرى تقديمها في قمة بيروت العربية، وقد أضفناه إلى المبادرة، وهو بند حق العودة.
إسرائيل تعلن للجميع عن استعدادها في السير في المبادرة العربية شرط إسقاط هذا البند منها".
اسرائيل والاصولية المتطرفة
سئل: أكثر من مرة اتصلنا بعناصر مجموعة الضنية، وقد نفوا لنا تماما أي علاقة لهم بفتح الإسلام، ويقولون أن هذه الاتهامات باطلة وظالمة، وفتح الإسلام مختلفة عنهم، فمجموعة الضنية لبنانية قامت بعمل ما، وتتحمل مسؤولية ما حصل، ولكن لا علاقة لها بفتح الإسلام. وفتح الإسلام متهمة الآن بأنها صنيعة المخابرات السورية، فهل لديكم معلومات حول هذه النقطة؟
أجاب: "في التحقيقات التي حصلت، وخصوصا بعد جريمة عين علق، تبين أن بعض عناصر مجموعة الضنية على علاقة بما حصل. وتبين أيضا أن عناصر فتح الإسلام في طرابلس استأجروا الشقق في المبنى الذي تمت المواجهات فيه من أحد عناصر مجموعة الضنية. فبدل بث ما يرغبون به في الإعلام، عليهم أن ينظروا إلى الحقائق. يتهمون سوريا بالوقوف وراء فتح الاسلام. ولكن، ليس في معرض الدفاع عن سوريا، وردت معلومات منذ شهر عن مواجهة حصلت بين القوات السورية وعدد من عناصر هذا التنظيم، أدى إلى مقتل شخص مقرب جدا من المسؤول عن التنظيم، كما تكبد الجيش السوري خسائر في الأرواح أيضا بين ضابط وجندي، فلماذا طرح هذه الاتهامات ضد سوريا إذا؟ علينا أن نسأل عن المستفيد من الاعتداء على الجيش اللبناني. وفتح الإسلام ومن حيث لا تدري ربما، تخدم إسرائيل، فهذه الاعتداءات ضد الجيش تضعف لبنان خصوصا وأن هذا الجيش قد تم بناؤه على أسس وطنية وهو لجميع اللبنانيين، وهو يتصرف على هذا الأساس، ولا يجب أن يسقط شهداؤه في قتال داخلي، إنما في مواجهة إسرائيل".
سئل: بالنسبة إلى عناصر هذا التنظيم، هل لديكم معلومات حول جنسية أعضائه؟ هل هو تنظيم فلسطيني أم لبناني أم عربي؟
أجاب:" قسم من هؤلاء لبنانيون، وقسم آخر من جنسيات خليجية وسعودية وهناك سوريون أيضا، هذه المجموعات يقولون بأن لديهم ارتباطات أبعد من ذلك تتعلق بالأصولية المتطرفة، وعلى هذا الأساس كنا حذرنا في السابق من هذه المعطيات ولكنهم كانوا يقولون أن كلامي في معرض التهويل والتخويف. وعندما حصلت عملية اغتيال الرئيس الحريري، سئلت من قبل محطة LCI الفرنسية ما إذا كان لبنانيون أو سوريا وراء الاغتيال فكان جوابي أنه يجب البحث عن المستفيد من هذه الجريمة، فسألني الصحافيون الفرنسيون: من هو المستفيد برأيك؟ فأجبت: إثنان إسرائيل والأصولية المتطرفة لأن لبنان لديه مشاكل مع هذين الطرفين، ولكن أحدا لم يهتم، إلا أنه يظهر تباعا صحة ما قلت ".
سئل: تفضلت وقلت أن الجيش ينبغي أن يقاتل إسرائيل وعلى شهدائه أن يسقطوا في المعركة معها. لماذا إذا حصلت هذه المواجهات؟ هل الجيش هو من اختار ذلك أم أنه وقع في كمين أم أنها مسألة مدبرة؟
أجاب:" من المؤكد أن أحدا لا يستطيع أن يلقي اللوم على الجيش اللبناني، لأن عناصر هذا التنظيم دخلوا بشكل مفاجىء إلى مواقع الجيش وذبحوا الجنود وهم نائمون، مستغلين الإجراءات العادية وغير الاستثنائية للحراسة في ظل الوضع العادي الذي كان مسيطرا، ويمكن في وقت لاحق إجراء تحقيق لمعرفة كل الملابسات.
أما اليوم، فالأهم أن يتوحد اللبنانيون ويلتفوا جميعا حول هذا الجيش الوطني، وألا يستنزف الجيش، كما أننا حريصون في الوقت نفسه على عدم وقوع ضحايا بريئة في صفوف الفلسطينيين الذين يقطنون في المخيم من نساء وأطفال وشيوخ. لهذا السبب، علينا الوصول إلى حل في اسرع وقت ممكن، وهذا لا يمكن أن يحصل إلا إذا كان اللبنانيون موحدين ".
ما هو الحل؟
سئل: ما هو الحل برأيكم فخامة الرئيس؟
أجاب:"الحل الوحيد هو تحويل كل من قام بهذه الاعتداءات إلى العدالة، ومنهم من كان مسجونا في السابق وخرج من السجن، ليصار إلى محاكمتهم. من الضروري جدا حصول هذا الأمر، وإلا تكون عندها بداية نهاية الدولة. الأمر الثاني هو إيقاف هدر الدماء في أسرع وقت ممكن مهما كان السبب لأن العنف لا يفيد أحدا، فالمجرمون الإرهابيون محصنون ويقومون بأعمالهم الإرهابية وما نشهده حاليا هو نوع من الكلام دون أفعال. وعلى هذا الاساس، يجب الوصول إلى حل بسرعة وذلك من خلال تحمل الفلسطينيين المولجين بالأمن في المخيمات، مسؤولياتهم في ضبط الأوضاع، ثم تسليم المجرمين إلى العدالة، وإجراء تحقيق لعدم تكرار مثل هذه الحوادث. في غضون ذلك، يجب أن نتوصل إلى ما هو أهم على صعيد الوطن لتوحيده".
سئل: فخامة الرئيس، هل أنتم مع اقتحام الجيش لمخيم نهر البارد من أجل القضاء على فتح الإسلام إذا لم يقبل بتسليم عناصره للعدالة؟
أجاب: "أنا لا أتدخل في الأمور العسكرية البحتة التي أتركها لقائد الجيش الذي يعود إليه تقدير الأوضاع وتقديم الاقتراحات ولكن سأتحدث بعد الخبرة التي اكتسبتها كقائد سابق للجيش وما عايشناه من حروب دامية في لبنان حيث كان يقال أنه إذا حصلت حرب على المخيمات فستمتد لسنوات وسيخسر الجميع من جرائها. لذلك، فإن الحل الأمثل بنظري يكمن في معالجة الأمور من داخل المخيم، وهذا لا يعني أبدا تخلي الجيش عن مهماته لجهة تأمين حقه وحقوق الوطن".
سئل: تطالبون الفصائل الفلسطينية بأخذ زمام المبادرة والمساهمة في وضع حل جدي في المخيمات وبالتحديد في مخيم نهر البارد.
أجاب: "بالطبع".
سئل: فهمنا أنكم التقيتم شخصيات فلسطينية بعيدا عن الإعلام ومنها السيد عباس زكي. هل هذا الأمر صحيح ودقيق؟
أجاب: "نعم لقد أتى السيد زكي وسألني عن إمكانية وضع آليات لحل المسألة، وكان ردي واضحا بوجوب حل هذه المسألة داخل المخيمات وتسليم كل من اعتدى على الجيش ليصار إلى محاكمته وإنزال أشد العقوبات به ليكون عبرة لغيره.
ولكن يجب ألا يحصل ما حصل سابقا لجهة التدخلات السياسية للافراج عن المسجونين، وهو ما شهدناه منذ فترة، خصوصا بعد جريمة عين علق، فقد تحرك نواب وشخصيات بهدف التوسط للافراج عن عدد من المشتبه بهم، وهذا أمر لا يجوز لأنه يزعزع الأمن، وكان لبنان توصل إلى احتلال المرتبة الأولى في العالم لجهة الاستقرار الأمني وفق شهادة الإنتربول قبل جريمة اغتيال الرئيس الحريري، وسبب هذا الانجاز كان لأننا منعنا تدخل السياسة بالأمن، وسمحنا بكل شيء حتى تعرضنا للشتائم، ولكننا لم نسمح المس بالأمن كونه مقدسا ".
عقيدة الجيش
سئل: تحدثتم عن الجيش اللبناني انه وطني وعليه مقاتلة إسرائيل. ما هي عقيدة هذا الجيش كي لا يكون هناك شبهة حول مقاتلته الجيش لمجموعة فلسطينية؟
أجاب: "اليوم هو عيد التحرير، وهذه المناسبة أعتبرها الأهم في لبنان، وسيدخل هذا الإنجاز في التاريخ لأن ما حصل في لبنان هو أشبه بمعجزة. وسيذكر اللبنانيون أهمية هذا الانتصار بعد حصول سلام في المنطقة، فلبنان هذا البلد الصغير بمساحته الجغرافية تمكن من التغلب على إسرائيل وترسانتها الكبيرة من الأسلحة المدعومة أميركيا، بفضل المقاومة ودعم الجيش. وبالمناسبة ما نسمعه من حين إلى آخر عن اجتياح إسرائيلي جديد للبنان هو أمر لا يمكن حصوله لأن الإسرائيليين يعلمون أن التوغل في الأراضي اللبنانية ولو لمتر واحد، سيكون مكلفا جدا. كيف حصل بناء الجيش الوطني؟ كان الجيش مقسما إلى ألوية طائفية، وعندما تسلمت مهامي كقائد للجيش لم يرغب أحد في دمج هذه الالوية أي أن يتألف كل لواء من طوائف مختلفة. وقالوا لي أنهم لا يقبلون بهذا الأمر، فأجبت: عليكم إذا البحث عن شخص آخر لقيادة الجيش، لأنه لا يمكنني بناء جيش قوي إن لم يكن وطنيا. وقد أزعج هذا الكلام المسؤولين في حينه، واقترحت إقالتي أن لم أنجح في مهمتي. وعندما بدأ بناء الجيش الوطني، بدأت المشاكل تعترضنا، إذ قررنا الدخول إلى كل المناطق اللبنانية والتي كانت خاضعة لسيطرة الميليشيات، فتجاوب البعض مع هذا القرار فيما لم يتجاوب البعض الآخر. وتلقيت أمرا بوجوب دخول كل المناطق خلال 48 ساعة بخلفية إظهار أن المسؤولين السياسيين قاموا بدورهم ولكن الجيش لم يستطع تنفيذ المهمة. وما حصل أننا فور تلقينا الأمر، بدأنا بالتنفيذ ودخلنا أولا إلى منطقة الكرنتينا وأذكر أنني تلقيت اتصالات تتخوف من حصول مجازر إستنادا إلى ما كان يحصل لجهة انتقام الطرف المنتصر من الطرف الآخر، فأجبت أننا لسنا قتلة ولا يمكن أن نقوم بهذه الممارسات. وهذا ما اعترضني عند الدخول إلى كل منطقة ومنها بيت الدين، ورفضت استثناء أي منطقة رغم الوساطات التي أجريت والمساعي لثنيي عن ذلك، وكانت النتيجة انتشار الجيش في المناطق اللبنانية. ولكن، بعد أسبوع على ذلك، أعاد المسؤولون إلى زعماء الميليشيات بعض الأماكن ومنها بيت الدين والمكتبة وقصر الأمير الأمين.
خلاصة هذا الأمر أنه عندما يكون الجيش لا طائفيا، يمكنه تنفيذ كل المهمات، وحين تلقينا الأمر بالذهاب إلى الجنوب طلبوا مني العودة بحجة عدم حصول مشاكل فرفضت وبعد مواجهات لمدة ثلاثة أيام، وصل الجيش إلى الجنوب. ومنعا لأي التباس اصدرت الأوامر إلى الجيش بعدم التعرض لأفراد المقاومة لدى قيامهم بعمليات لتحرير الأراضي في أماكن لا يستطيع الجيش الوصول إليها، أما في أماكن تواجد الجيش، فلا يمكن للمقاومة أن تأخذ مكانه. وتوجهت الى قادة الألوية بالقول: عدونا هو إسرائيل، والعرب حلفاء لنا وسوريا دعم لنا. وعلى هذا الاساس قويت المقاومة وأصبح الجيش أيضا قويا، حصل التحرير، وبات لبنان البلد الأكثر أمنا في العالم ".
سئل: هل تعتبرون ما يحصل مجرد خطأ أم أمر مدبر؟
أجاب:"من المؤكد وجود أجندة خارجية محضرة لنا لإلهائنا مرة بإسرائيل ومرة أخرى بالمتطرفين، لهذا قلت أنهما من أعدائنا ولبنان هو الخاسر".
سئل: لماذا في هذا الوقت؟
اجاب: "لأن مسألة المبادرة العربية تدرس الآن في أروقة الأمم المتحدة، والدول العربية والموضوع الأهم هو حق العودة. وهناك الكثير من الدول العربية بمقدورها استيعاب توطين الفلسطينيين الموجودين على أراضيها، لكن لبنان هو البلد الوحيد الذي لا يمكنه تحمل موضوع التوطين. وهذا ما ينص عليه الدستور اللبناني الذي يرفض التوطين لأنه يعني تقسيم لبنان، فيفقد بالتالي خاصته وميزته وعلة وجوده ".
سئل: إذا ما يحصل في لبنان هو جزء من مؤامرة لتثبيت التوطين؟
اجاب:" بالتأكيد رغم نفي الجميع لهذا الأمر بدليل التصريحات التي أدلت بها وزيرة خارجية إسرائيل ورئيس الوزراء والتي ركزت على رفض حق العودة. وهذا هو السبب الأهم لمقاطعتي من قبل البعض لأنني أنادي بحق العودة منذ تسلمي مهامي كرئيس للجمهورية بعد أن تناساه البعض وقيل أنه تم شراء قطعة أرض لتجهيزها للتوطين. أما أنا فطالبت بحق الفلسطينيين في العودة إلى أرضهم، وفي الوقت نفسه حق اللبنانيين في العيش دون هم التوطين الذي لا قدرة لهم على حمله. وها نحن ندفع اليوم ثمن وجود بؤر أمنية في المخيمات. هذا أمر غير مسموح".
سئل: من المتورط في هذه المؤامرة الحالية؟ فتح الإسلام أم جهات داخلية أم جزء من الجيش أم دول عربية؟
اجاب:" في الحقل الاستخباراتي، من يقوم بالعمل لا يعلم السبب الحقيقي لعمله، لذا يجب معرفة من المستفيد. واقول لك ان اسرائيل هي المستفيد من التوطين، وهناك قنوات اتصال غير مباشرة مع الاصولية المتطرفة لان مصادر التمويل لهذه الجماعات ولاسرائيل مشتركة. لهذا السبب، وبمجرد معرفتي بالمشاكل التي اثارتها فتح - الاسلام، اعربت عن تخوفي من زعزعة الوضع الامني في المناطق اللبنانية، وهذا ما حصل بالفعل في اليوم التالي للمواجهات حيث انفجرت عبوة ناسفة في الاشرفية، تلتها اخرى في فردان واخرى في عاليه، وآمل الا تليها عبوات في مناطق اخرى بإذن الله".
سئل: هل هذه العمليات مترابطة؟
اجاب:" نعم، فقد حصلت بشكل متتال، ووجهت اصابع الاتهام فورا إلى منظمة فتح - الاسلام. اما رأيي الشخصي في هذا الشق بالذات فمغاير. ففي العام 1982، تذرعت اسرائيل بمقتل احد مسؤوليها في لندن لشن هجوم على لبنان، وفي العام الفائت كانوا يتحينون الفرصة التي ينتظرونها منذ العام 2000 لشن هجوم جديد، فأتت مسألة اسر الجنود ليوهم الاسرائيليون الجميع بأن هذا هو السبب للحرب، بينما اعترفوا لاحقا ان التحضير لها كان منذ اشهر.
واليوم ايضا، كانوا على علم بحصول مواجهة بين المتطرفين واللبنانيين، لذا بدأ الاسرائيليون بزرع هذه العبوات في المناطق لانهم يستفيدون من اثارة المشاكل في لبنان".
سئل: انتم تتهمون جهات اسرائيلية او تعمل مع اسرائيل بالوقوف وراء هذه التفجيرات الاخيرة؟
اجاب:" لا يمكنني ان اجزم، اذ لا املك معلومات. ولكن هذا هو تقديري الشخصي. والخطأ الذي سيظهر بعد التحقيقات، عدم الاستماع إلى تنبيهاتنا من خطر الاصولية المتطرفة والاسرائيليين ونيتهما بإضعاف لبنان، وقد ظهرت صحة هذه المخاوف والتحذيرات".
سئل: هناك من يقول بأن احد اهداف ما يحصل اليوم هو توريط مؤسسة الجيش، خصوصا وانها مؤسسة لا تزال جامعة، وسيكون لها دور ما وحتى لقائدها، في المرحلة المقبلة. هل تتفقون مع هذه القراءة؟
اجاب:" كل شيء معقول. ولكن اكثر ما يلفت النظر ان هذه التطورات الميدانية والامنية حصلت بالتزامن مع بحث مسألة التوطين ".
سئل: من يبحث في المسألة الآن؟
اجاب:" حصلت اجتماعات عدة وتم الحديث عن هذه المسألة في دول عربية عدة. وقلت قبل سنة في نيويورك، ان اسرائيل ايقنت عدم قدرتها على فرض التوطين بالقوة فكان بحث عن مدريد، غير ان شرط اسرائيل هو التخلي عن حق العودة، ولا يزال البحث جار في المسألة".
سئل: طالبتم بمحاكمة عناصر فتح - الاسلام. هل المحاكمة هي لمن قام بالعمليات ام للمنظمة ككل؟
اجاب:" يجب اولا تسليم المعتدين على الجيش، وبعد التحقيق معهم يمكن معرفة من اعطاهم الاوامر، ويجب ايضا معرفة من يقف وراءهم ".
سئل: لو كان هناك اشخاص من جنسية غير لبنانية متورطين في الجرائم، هل تحاكمونهم في لبنان ام تسلمونهم لدولهم؟
اجاب:" هذا امر يمكن الاتفاق عليه. اما الاهم فهو وجوب محاكمتهم. ولكن في العادة، عندما تحصل جريمة ما، يحاكم مرتكبها في الدولة التي حصلت فيها الجريمة".
سئل: لاختم هذا الملف. ذكرتم قضية المقاومة، واللافت في هذا الصالون وجود صورة رئيسية فيه تمثل مواطنين من ارنون. امس كان عيد التحرير، ولكن كيف تنظرون لهذا العيد في ظل هذه الظروف المحلية وبعد الحرب التي شنتها اسرائيل على لبنان، ووسط تعقيدات اقليمية؟
اجاب:" في ما خص اللوحة، فإني اعتبرها الاهم بين اللوحات، لذلك وضعتها في اهم قاعة في القصر الجمهوري، وهي ترمز إلى تحدي اللبنانيين - بالفعل وليس فقط بالقول - التحذيرات الاسرائيلية بوجود الغام والشريط الشائك حول قلعة ارنون. فأزال المواطنون الشريط وساروا غير عابئين بالخطر، وقد شارك في هذا الامر تلامذة كانوا في طريق العودة من المدرسة.
هذا يعني انه في ظل وجود هذه الفئة من الشباب، لا يمكن للبنان ان يموت. واقول ان ما يحصل الآن، ومهما حاولوا القيام به في لبنان، سأظل متفائلا وستثبت الايام المقبلة ان لبنان سيخرج اقوى.
ان التحرير لا يعطى قيمته الحقيقية، فما حصل هنا لم يحصل في أي مكان في العالم. واؤكد انه منذ العام 1991، اتخذت قراراتي الداعمة للمقاومة حتى دون أي اتصال معها او مع قادتها، فأول لقاء لي مع السيد حسن نصر الله كان لدى تقديمي التعازي باستشهاد نجله. عندها كنت اتخذت قراراتي بالاستناد إلى الدستور، وبحسب ما يمليه علي ضميري، وعلى هذا الاساس كنت أردد: غدا سترون النتيجة. وكما تعرفون فإنه في العام 1993 صدر أمر، لدي نسخة عنه، يقضي بأن يذهب الجيش إلى الجنوب للقضاء على عناصر المقاومة بحجة أنهم يورطوننا في مشاكل عدة، ولن يتمكنوا من إنجاز أي أمر.
وقد أظهرت الايام لاحقا اننا كنا على حق وكان الانتصار. فردوا علينا أن الإسرائيليين انسحبوا لأنهم كانوا يريدون الانسحاب، وليس بسبب المقاومة. وهذا غير صحيح، والبرهان أنهم في عدوانهم الأخير قالوا أنهم يريدون الوصول إلى نهر الليطاني، ولكنهم لم يتمكنوا من تحقيق ما أعلنوا عنه".
التحرير لم يأخذ حقه
سئل: برأيكم، لماذا لم يأخذ التحرير حقه هنا؟
أجاب:" للأسف، لأنهم ينظرون إلى الأمر مذهبيا. واليوم أقول للبنانيين بجميع فئاتهم: موارنة، سنة، كاثوليك... ادخلوا جميعا إلى المقاومة. أنا ماروني، وأسأل إذا كنت أمتلك قوة وأمامي عدو كإسرائيل، فهل أتنازل عنها، أدع إسرائيل تعاود ما قامت به في العام 1982؟ بالطبع لا، أنا لست مع هذا المذهب أو ذاك. ومعروف عني أني عندما توليت قيادة الجيش، عمدت إلى دمج الألوية. ومن هنا، فمن المصادفة أن تكون المقاومة من طائفة واحدة. وعندما جرى الحديث عن التحضير لاعتصامات، ادعى البعض أن المعتصمين سيقومون بثورة لأنهم سينزلون باسلحتهم، قلت أن هذا غير صحيح، إذ لا يمكنهم أن يطلقوا النار على لبناني، إن أسلحة المقاومة متجهة نحو إسرائيل".
المبادرة الرئاسية
سئل: لقد أطلقتم مبادرة وطالبتم باجتماع الرئيسين بري والسنيورة معكم والاتفاق على إمكانية إيجاد حل. هل تلقيتم ردود أفعال معينة، وكيف تقرأون ما قيل حول مبادرتكم؟
اجاب:"أعني ما قلته حرفيا. في السابق، كانت هناك اعتصامات وكانت هناك أحاديث عن حصول أضرار وغيرها... ولكن عندما يتعرض الجيش للاعتداء، في مرحلة نقبل فيها على أيام صعبة من كافة النواحي، فالاقتصاد تعطل وكل الأمور باتت معطلة. لذلك، عندها قلت: كفى! إذا كان لدى أي كان أجندة خارجية فليرمها، لأننا في الوضع الراهن لا الأكثرية ولا الأقلية يمكن أن تربح. الجميع خاسر. فليتفضل الجميع للقاء والكلام على كافة الأمور العالقة، ليس فقط رئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة، بل الجميع. بادروا إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، تعمد إلى المشاركة في حل الأمور كافة. ولتتوقف الاعتصامات، وينعم اللبنانيون بصيف هادىء، وتتم في نهايته انتخابات رئاسية طبيعية. للأسف، فإن الفئة التي لديها اجندة ردت بأنني تأخرت. هل تأخرت؟ الآن هناك من يعتدي على الجيش، فهل أكون تأخرت؟ لقد سبق لي ودعوت الجميع للقاء والحوار، والسير معا، وذلك عند حصول التمديد بالذات. وكان ذلك قبل اغتيال الرئيس الحريري، يومها أيضا كانت لديهم أجندة أخرى".
سئل: أي أجندة؟
أجاب:" أجندة خارجية، إذ ليس من مصلحة إسرائيل أن يعود لبنان قويا ومستقرا وآمنا، بإمكانه أن يقف في مواجهتها".
سئل: ولكن هذا اتهام خطير، وكأنك تصور أطرافا خارجية تتدخل لمصلحة إسرائيل...
أجاب:" لا، لا، ولكن مثلما حصل مع غيرهم ومن حيث لا يدرون. ماذا تفعل إسرائيل؟ لقد حاولت في البدء المستحيل كي تجد طريقة لمعاودة السعي إلى تحقيق أهدافها في لبنان بعد التحرير. وعندما لم تجد سبيلا لذلك عمدت إلى العدوان، ولكنها لم تحقق أهدافها. بعد ذلك، بقيت جانبا مستفيدة مما يجري على الساحة الداخلية اللبنانية، حيث أن فريقا من اللبنانيين يسير وفق الأجندة الأميركية. هل يمكن أن تصدق مثلا أن السيد ولش سيضع لبنان في المنزلة نفسها مع إسرائيل؟ لا يمكن. من هنا، فإنه بإسم الديمقراطية والحريات وكل الشعارات الأخرى، نجد فريقا يذهب ويعود من وإلى الولايات المتحدة، وقبل ذلك فرنسا، وربما في المستقبل أيضا لا ندري، سننتظر لنرى الأجواء الفرنسية الجديدة، وفي الوقت عينه يقومون باتهام فريق آخر بتحالفه مع سوريا وإيران. دعنا نرى طروحات الجهتين. ولماذا أقول ذلك؟ لأنهم يتهمونني أيضا بأنني مع فريق، أنا لست لا مع سوريا ولا مع إيران بل مع قوة لبنان. وأقول لهم: تعالوا انضموا جميعا إلى المقاومة فنقف في مواجهة إسرائيل ونربح. إلا أن الفريق الآخر لا يريد ذلك لأنه يريد مسايرة من يحمي إسرائيل. إن مشاهدة الإتيان بكل الأسلحة من الولايات المتحدة إلى إسرائيل عند الهجوم على لبنان، أمر مستغرب. ليس معنى ذلك أن الفريق اللبناني الواقف إلى جانب الولايات المتحدة هو مع إسرائيل. فالبعض من هذا الفريق يقول أنه مع الديمقراطية والولايات المتحدة".
سئل: هم لا يسايرون الولايات المتحدة من أجل إسرائيل. هم مضطرون لذلك مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بما فيه أميركا وفرنسا وبريطانيا لأنهم يقولون بشكل صريح أن سوريا لا تزال تتدخل في الشؤون الداخلية في لبنان، وهي تقف وراء الاغتيالات والتفجيرات، وتحاول تعطيل المحكمة ذات الطابع الدولي، ويقولون أن الطرف الآخر يريد إعاقة ثورة الأرز وانتفاضة الأرز... وعلى هذا الأساس يقولون لكم أنكم طرف في هذه المعركة ولستم كرئيس للجمهورية حكما... فما رأيكم؟
اجاب:" لقد مر اكثر من سنتين على اغتيال الرئيس الحريري. وكان من المفروض أن تظهر نتيجة ما بخصوص التحقيقات. فهل يمكن أن يصدروا حكمهم قبل المحكمة. نحن كنا من أول المطالبين بإنشاء المحكمة، ولكن على قاعدة أن يكون هدفها فعلا إحقاق العدل وليس تنفيذ سياسة دولية. عندها يكتشف المجرم وتعلق له المشانق. أما أن نتهم جزافا ونستخدم المحكمة لأهداف سياسية إقليمية فهذا أمر مرفوض. أنا لا أتهم أحدا، بل اسأل: من استفاد من كل ما جرى؟ أكيد ليس نحن".
تجميد الوضع
سئل: في الوضع الحالي، فخامة الرئيس، أنتم متهمون أنكم طرف تعمدون إلى تجميد الوضع. والدكتور سمير جعجع قال أن على رئيس الجمهورية ألا يبقى جامدا ومجمدا معه الأوضاع والمؤسسات...
أجاب:" إن رئيس الجمهورية، وفق أحكام الدستور يسهر على تطبيق أحكامه. فهل إذا تمسك بحقه بتطبيق المادة 52 مثلا التي تقضي بإضطلاعه بمهام معينة ومحددة قبل إحالة الأمور إلى مجلس الوزراء، يكون ذلك تجميدا؟ أكيد لا. هل هناك تجميد للوضع عندما نتمسك باحترام مقدمة الدستور التي تنص في الفقرة ي على أن لا شرعية لأي مؤسسة إذا لم تتمثل فيها كل الطوائف؟ هذه ادعاءات يمكن أن يمرروها في الإعلام العالمي، مدعين أن رئيس الوزراء شرعي ومنبثق من انتخابات هو من بعث برسالة إلى الأمم المتحدة للمطالبة بما يطلبه. ويستندون إلى رئيس الوزراء الشرعي المنبثق من انتخابات شرعية في لبنان... لكنهم لا يقرأون الدستور اللبناني الذي يختلف عن الدساتير في الولايات المتحدة وفرنسا، حيث هناك أكثرية وأقلية والأكثرية تحكم ولو بفرق صوت واحد. إن ديمقراطيتنا في لبنان توافقية تتمثل فيها جميع الأطراف. وعندما تكون هناك شريحة كبرى خارج الحكومة، تصبح الحكومة غير شرعية وغير دستورية وغير ميثاقية. إذا ماذا يفعل الرئيس؟ على عكس ما يزعمون، فهو يهدىء الأمور، فإذا ما سار وفق ما يريدون، تكون النتيجة كما حصل في الماضي، حين اتخذ الرئيس طرفا وسار وفق مصالح شخصية وغيرها، عندها حصلت مشاكل خطيرة في لبنان. ولماذا برأيكم نص اتفاق الطائف على تمثيل الطوائف كافة ؟ لأنهم وجدوا أن شريحة كانت تتحكم بباقي الطوائف، فتم وضع هذه الفقرة تفاديا لوضع من هذا النوع. من هنا، لا يمكنهم أن يدعوا أنني أجمد الأمور حين ألتزم أحكام الدستور. فليردوا علي وفق القانون. فعلى سبيل المثال، عندما ارسلت ملاحظاتي حول المحكمة، كانت الملاحظات كلها قانونية ومدروسة من قبل أفضل القانونيين، وحتى الآن لم يرد أحد وفق القانون. بل كانوا يجيبون بالشتائم.
إذا ما أردتم الوصول إلى الحقيقة، يجب أن تقوم المحكمة على أسس صحيحة، لا أن يتم إنشاؤها كيفما اتفق. في السابق، كان جميع اللبنانيين يريدون محكمة ذات طابع دولي، أما اليوم فإذا تم إقرارها وفق الفصل السابع، فإن شريحة كبرى من اللبنانيين ستقول أن المحكمة مسيسة. هل كل هذا يعني بعد تجميدا للوضع؟ أنا كل ما أطلبه هو أن يكون لبنان قويا. إذا نادت سوريا بلبنان قوي، كذلك فعلت إيران والولايات المتحدة... فأكون إذاك معهم. أما إذا كانت هناك فئة تقول ان عناصر المقاومة إرهابيون ويجب القضاء عليهم لتصبح إسرائيل عندها قادرة على الوصول إلى بيروت مثل العام 1982، فبالطبع سأقول لا. بالنسبة الي كرئيس للجمهورية، سهل علي أن أرضي الجميع، وهكذا كان يحصل في السابق، حيث أن كثرا كانوا يقولون لماذا نغضب العالم، فلنبق كما نحن. والآن هناك من ينادي بالإتيان برئيس يرضى به الجميع. من الصعب أن نرضي فئة تقول بأن القوة الوحيدة التي نمتلكها في أيدينا يجب أن نزيلها. وهذا ما نقوله. فهم إذا ما عادوا إلى ضميرهم، يعرفون أن الحق معنا. ولكن لديهم أجندة خارجية، ويجدون في الوضع الذي نحن فيه أن حصتهم أكبر إذا ما ساروا مع الأميركيين، وهذا مؤسف".
الاستحقاق الرئاسي
سئل: قلتم في السابق أنكم تراقبون ما يحصل وأنكم لن تتركوا موقع رئاسة الجمهورية إلا عندما تجدون حلا. الواضح الآن أنكم تفضلون تشكيل حكومة وحدة وطنية ويتحسن الوضع الاقتصادي ثم يتم التوصل إلى انتخاب رئيس للجمهورية. ولكن إذا لم يحصل هذا الأمر، ماذا أنتم فاعلون؟
أجاب:" لقد طرحت مبادرة، والفئة التي لديها أجندة خارجية سارعت إلى الرد، أما الفئة الثانية فلم تجبني حتى الآن. ولكن أستطيع القول أن الشعب اللبناني كان مرتاحا لهذا الحل، لأنه شبع من الحروب، حيث لكل فريق أجندة خاصة، في وقت بات لا يعرف إذا كان أبناؤه سيصلون إلى المدرسة، وسط التفجيرات التي تشهدها الساحة الداخلية. والشعب لا يعرف أيضا ماذا سيحل في هذا الصيف، وهو ينتظر هذا الموسم كي يعتاش. كما أنه لا يعرف إذا ما كانت ستتم إنتخابات رئاسية أم ستحصل مشكلة. لا يمكن أن ندع شعبنا وسط هذا القلق. إن الشعب يريد اللقاء والحوار. إسألوا أكثرية الشعب! اقول للذين يرفضون مبادرتي، اعطوني البديل، فلا يمكن ان نبقى وسط هذه المراوحة. وانا أكرر أنه إذا وصلت إلى نهاية ولايتي ولم يتحقق ما ناديت به، سأقوم بما تنص عليه احكام الدستور، ووفقا لما يمليه علي ضميري. من السهل علي أن اقوم بما سبق وفعله غيري، حيث أصل إلى نهاية ولايتي، فأغادر منصبي، ونصبح أمام واقع هنا وآخر هناك، من دون معالجة الأمور، لقد قلت للجميع وأكرر: سأقوم وفقا لمقتضيات الدستور ولما يمليه علي ضميري، ولكن ذلك لا يكون الحل الأمثل، لماذا؟ لأن الحل الامثل هو في تشكيل حكومة وحدة وطنية، والخروج من الاعتصامات وبحث المشاكل كافة، والسير في موضوع المحكمة ذات الطابع الدولي بالتوافق في ما بيننا، وتسهيل الأمور كافة تمهيدا لإجراء إنتخابات رئاسية في موعدها. ولكن حينئذ، وإذا لم تحصل هذه الأمور، فلن أقول لأحد بما سأقوم به".
سئل: بكل صراحة فخامة الرئيس، الأكثرية تقول أنك لا تستطيع أن تقوم باتخاذ تدبير، فلا يحق لك أن تشكل حكومة انتقالية ولا أن تسلم أي شخص. هل لديكم قدرات وإمكانات دستورية أو قانونية، ووفقا لما يمليه عليك ضميرك، تخولك القيام بمبادرة ما، أو حل ما؟
أجاب:" نعم. بحسب الدستور هناك حل، ولكن لن يكون الحل الأمثل. ولن أتحدث عنه الآن".
سئل: ماذا يسمح لكم الدستور القيام به؟
أجاب:" إذا قلت لك أين يسمح لي الدستور بالمبادرة، ستعرف ما سأقوم به".
سئل: هل يسمح لكم الدستور تشكيل حكومة؟
أجاب:" حينئذ ستعرف ما سأقدم عليه".
سئل: ما هي كلمتكم الأخيرة حول الأوضاع الداخلية وكل هذه التعقيدات الإقليمية؟
أجاب:" اقول انه في وقت التحرير، وخلال العداون الاسرائيلي الاخير، كانت محطة "الجزيرة" إلى جانب لبنان واظهرت حقيقة ما كان يجري من خراب وتعديات على الجيش والمقاومة والاهالي. كما اتوجه بالشكر إلى امير قطر الذي كسر الحصار وكان اول رئيس عربي يحط في مطار بيروت وتفقد الضاحية الجنوبية، واللبنانيون لن ينسوا ذلك.
واقول لكل العالم من الولايات المتحدة إلى أوروبا إلى إيران... والجميع أن هذا البلد الذي وقف بقوة، متمسكا بحقه وقناعاته، وتمكن من التغلب على أشرس دولة في العالم وهي إسرائيل، حرام أن يدعوه يذوب رويدا رويدا. فهذا الاستنزاف الحاصل ليس لمصلحة أحد لا للعالم ولا للبنانيين. وعلى اللبنانيين أن يتعلموا من دروس الماضي فيقولوا لكل المسؤولين، بدءا مني، كفى! نحن نريد أن نعيش. نريد حقوقنا بحسب الدستور، وأن نمرر المرحلة الانتقالية الراهنة بخير، لصالح جميع اللبنانيين ".
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018