ارشيف من : 2005-2008
المحكمة ... جاءت أخيرا
الرئيسية لهذا النقاش طوال شهور.
من يقرأ القرار سوف يجد نفسه أمام ثلاثة أسئلة:
1-عندما تكون كل إتهامات الفريق الواقف وراء أخذ المحكمة إلى مجلس الأمن من لبنانيين ودول كبرى موجهة نحو سوريا وحلفائها، فإن الملفت هو أن تشكيل المحكمة يتم تحت عنوان محاكمة أفراد، بعدما وضعت في النص الضمانات لحماية رؤوساء الدول من الملاحقة، وجرى حصر مفعول الفصل السابع بالفقرات المتعلقة بمكان المحكمة وتمويلها، أي حيث يجب على مجلس الأمن الحلول مكان الدولة اللبنانية التي يضع المجلس يده على دورها بداعي إقرارها بالعجز عن القيام بمسؤولياتها الدستورية والقضائية، فإن الطبيعي في هذه الحالة هو التساؤل أيهما أشد إيلاما لسوريا طالما هي المستهدف الرئيسي، لجنة تحقيق دولية يحميها القرار 1636 الذي ينذر سوريا بالعقوبات وفق الفصل السابع في حال ثبوت تورطها أو عدم تعاونها، والعقوبات هنا مفتوحة سياسيا وإقتصاديا وعسكريا وتطال الدولة كلها؟ أم محكمة مخصصة للأفراد وحدود الفصل السابع فيها هي حدود صلاحيات الدولة اللبنانية فقط؟
2- إذا كان المقصود من المحكمة كما يقولون هو الحقيقة، فالكل يعلم أن المحكمة تحاكم والتحقيق يكشف الحقيقة ويوجه الإتهامات التي تتيح المحاكمة نظرياً فرصة نقضها، وطالما أن القضية سياسية كما يقول أهل المحكمة، أي أن المتهمين هم دولة هي سوريا وحلفاء لها هم سياسيون، فالطبيعي وبعيداً عن الفذلكة التي تقول أن التحقيق يملك الإثباتات على تورط هؤلاء المتهمين لكنه لا يريد كشف أوراقه إلا في المحكمة وهذه فذلكة مضحكة، أن يكون السؤال هو أيهما أشد وقعاً وتأثيراً على من يفترض أنهم المتهمون من دول وأطراف سياسية، أن تنطق لجنة تحقيق مجمع على شرعية ومهنية وحرفية عملها بإتهامات مدعمة بالوقائع والإثباتات؟ أم تأتي محكمة مطعون بها ومختلف على شرعيتها ومرفوض التعاون معها من هذه الأطراف لتقدم إتهامات سيكون من السهل بعد الذي جرى إتهامها بالتسييس؟
3- طالما أن الأطراف المستهدفة هي أطراف سياسية دولة وأحزاب وشخصيات، فالسؤال ماذا كان سيحدث لو خرجت لجنة التحقيق التي أعلنت الأطراف المستهدفة إجماعاً على التعاون معها وقدمت إثباتات على تورطها؟ ماذا سيحدث بالنسبة للشعب السوري؟ ماذا سيحدث بالنسبة لجمهور المعارضة اللبنانية وخصوصاً جمهور المقاومة؟ ماذا سيحدث بالنسبة للجمهور العربي العريض؟ ألم يكن لهذه الإتهامات المثبتة بالوقائع والأدلة في حال وجودها وفي ظل الإجماع على التعاون مع اللجنة الدولية للتحقيق، مفعولا خطيراً في إسقاط الكثير من الشعارات الوطنية والقومية التي يلتف بسببها حول سوريا والمقاومة جمهور عريض في بلادها وفي دنيا العرب والمسلمين وكلهم أدانوا جريمة إغتيال الرئيس رفيق الحريري؟
4- إن كل هذه الأسئلة تؤدي إلى الإستنتاج أن أصحاب المحكمة في لبنان وخارجه ليس لديهم ما يمكن تقديمه من إثباتات ووقائع لتوجيه إتهاماتهم، بل إن الخشية عندهم هي من كون التأخر في تشكيل المحكمة سيصيب ما يعتبرونه الإنجازات السياسية للمرحلة الماضية من التحقيق، والمقصود مصير الضباط اللبنانيين الأربعة الموقوفين خارج أي نص قانوني منذ أكثر من سنة ونصف السنة، والذين سيجد القضاء اللبناني نفسه مضطراً للإفراج عنهم لو بقيت الأمور بين يديه، لذلك جرى وضع نص الفقرة الخاصة بتحديد مكان المحكمة تحت الفصل السابع وليس نص إلزامية التعاون مع المحكمة، لأن هذا سيسمح بنقل مصير هؤلاء الضباط الذين وصفهم قائد المقاومة بالمعتقلين السياسيين، إلى خارج لبنان، بعدما أصبح إستمرار إعتقالهم أو الإفراج عنهم تعبيراً عن معادلة ربح أو خسارة أميركا وجماعتها في لبنان.
5- من يتابع مسار إقرار المحكمة سوف يتوقف كثيراً أمام غرابة تصرف الفريق اللبناني من أصحابها وتعمده تضييع كل فرصة للتفاهم الداخلي حولها، وآخر الفرص كانت مبادرة الرئيس نبيه بري مع سعد الحريري وفق معادلة لا حكومة وحدة وطنية من دون التفاهم على المحكمة، وسوف يجد الجواب في الدفع الأميركي لنقل الملف إلى الساحة الدولية لتصبح ورقة تفاوضية في الجيب الأميركي، لكن الأميركي الذي يتعمد إبقاء الخيط ممدوداً كل مرة بحلقة ومهلة، وآخرها في القرار الجديد مهلة تسعين يوماً للعودة إلى مجلس الأمن، كما هو حال الملف النووي الإيراني، يبحث عن مفاوض، لكن الأميركي متفاجئ بكونه جاهز ليبيع من دون أن يجد من يشتري البضاعة التي يعرضها، فسوريا حسمت أمرها بأنها غير معنية والمعارضة حددت موقفها بإعتبار المحكمة أداة وصاية أجنبية، لكن الغريب بل المعيب أن بين المتاجرين من يفترض أنهم ولاة الدم بالنسبة لقرابتهم من الرئيس رفيق الحريري.
المصدر : وكالات ـ وكالة اخبار لبنان
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018