ارشيف من : 2005-2008

دولة على ظهر جيشها!

دولة على ظهر جيشها!

أصلاً، وخصوصاً انه يعرف انه لا يستطيع ان ينوب عن «السلطة»، بمؤسساتها جميعاً، كما انها لا تريده ان ينوب عنها، بل هي تريد ان تحمله مسؤولية حماية قراراتها فحسب: هي للحكم، وهو للشارع... يحمي سلطتها، ولو مشروخة، ويحمي قراراتها حتى لو كانت تضعه في مواجهة معارضيها... ويحمي معارضتها في مواقعها كمعارضة. وهكذا حولته الى «قوة فصل» بينما شرط دوره «الوحدة».‏

ومع الانشطار السياسي الخطير الذي اعقب، وخلافاً لبديهيات المنطق الوطني، الحرب الاسرائيلية على لبنان، صار الجيش ـ وباعتباره المؤسسة الوحيدة التي تحظى بالاجماع، المرجعية الوحيدة المقبولة من الجميع.‏

تعاظمت الأعباء والمهمات الاستثنائية، ولم تعزز قدرات الجيش وإمكاناته بما يتناسب مع دوره المستحدث كبديل من الدولة جميعا!!‏

فبعد تلك الحرب الاسرائيلية كان على الجيش ان يعود الى دوره الطبيعي على الحدود مع العدو الاسرائيلي (الذي حوله بعض السلطة الى «جار»..)..‏

وبطبيعة الحال فإن قوات اليونيفيل التي جاءت بقرار دولي على عجل (ربما بسبب الانتكاسة الخطيرة التي لحقت بقدرات الجيش الاسرائيلي) لم تخفف من اعباء الجيش، بل لعلها اضافت إليها المزيد من الأعباء،‏

ثم انه كان على الجيش، وبقرار دولي ايضا، ان ينشر حوالى ربع عديده على الحدود الشمالية والشرقية، مع سوريا، لمنع التسلل وتهريب الصواريخ والمازوت والرجال والبغال والبضائع الاستهلاكية فضلاً عن منع المجموعات الآتية بقصد التخريب...‏

وكان عليه، ايضا، ان يستمر في تولي مهمته الاستثنائية المكلف بها منذ دهر، وهي حفظ الأمن في مختلف المناطق اللبنانية (ومن ضمنها مواكبة التظاهرات المؤيدة والتظاهرات المعترضة، والاعتصام وحماية السراي والتصدي لمشروع الفتنة الطائفية ـ المذهبية الخ..).‏

كل هذا دون ان يسمح له بزيادة عديده، ودون ان توفر له السلطة امكانات وتجهيزاً وقدرات حديثة تتناسب مع مهماته الاستثنائية، بل هي على العكس من ذلك قترت على قيادته وأجهزته الأمنية وأخضعت ميزانيته لتقشف ظالم في حين سخت على ما صار ينظر إليه على انه الجهاز الأمني البديل...‏

ليس هذا دفاعاً عن الجيش، لا يكتب بقصد مواساته في شهدائه الكثر الذين سقطوا أمس في المواجهة مع التنظيم الذي جعلته السلطة «لغزاً» والذي حاولت استثماره لاغراض سياسية فكانت الكارثة التي تحملها لبنان، بشعبه قبل جيشه، خلال مواجهات الأمس في الشمال.‏

لقد اراحت السلطة نفسها فدمغت «فتح الاسلام» بتبعيته للاستخبارات العسكرية السورية... وكان ذلك يتجاوز الخطأ الأمني والتبسيط السياسي الفاحش الى الخطيئة السياسية المميتة، تسرعت في التوصيف، وطمست الوقائع الاصلية بقصد مقصود، فأسقطت من قائمة المتهمين من يحملون جنسيات عربية اخرى (غير الفلسطينية وغير السورية) وسائر ما يدل على ان هذا التنظيم دهليز مفتوح على تنظيمات اصولية اخرى تنتمي او هي على صلة، بشكل او بآخر، بـ«القاعدة».‏

ثم انها ارجأت معالجة هذا الامر طويلاً، حتى تمدد التنظيم واستكمل انشاء خلاياه وانتشر او استقطب مجموعات اخرى، من النوع نفسه، في ظل مناخ انقسامي في البلاد، وفي ظل تعبئة طائفية ومذهبية طالما انذرت بفتنة عمياء، وفي ظل ترد فاضح في السياسات العربية، بغير ان ننسى اليأس الفلسطيني من «الحل» والعراق المغسول بدماء شعبه تحت الاحتلال الاميركي.‏

...وهكذا عندما اضطر الجيش الى المواجهة مع عناصر تنتمي الى هذا التنظيم ذهب وهو مكشوف الظهر، اذ حجبت عنه السلطة ما كان ينبغي ان يعرفه من المعلومات الأمنية (والسياسية)... لان هذه المواجهة هي قرار سياسي، بالدرجة الاولى، ولا يمكن اتخاذه الا في ظل التفاف وطني جامع لم تستطع هذه السلطة ان توفره، بتركيبتها البتراء الحالية.‏

وهكذا مشينا الى الكارثة بأقدامنا ولا ينفع في التبرير ان ننتبه بعد فوات الأوان ان مخيم نهر البارد (وسائر المخيمات) ليس مجرد مأوى او ملاذ لهذا التنظيم المعزول، بل هو مكان سكن ـ بالاضطرار ـ لعشرات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين ومن حولهم آلاف من شركائهم في الفقر من اللبنانيين... ولا يمكن، بطبيعة الحال، دمغ هؤلاء بالعمالة للاجنبي او بالتآمر لتخريب لبنان.‏

أين الحل؟‏

الحل سياسي. والحل وطني. والحل ان ينتهي هذا الوضع الشاذ، الذي يقسم البلاد شطرين، ويجعل سلطتها طرفاً بما يتهدد وحدة البلاد، ويجعلها، بطبيعة الحال اضعف في مواجهة مثل هذا التنظيم الإرهابي الذي تعرف سائر الدول العربية الكثير من امثاله، والتي يمكن نسبتها جميعاً الى عجز مؤسسات الحكم بسبب من غياب الوحدة الوطنية فيها، والى تعاظم التدخل الاجنبي في مخلف الشؤون المحلية...‏

فالإرهاب يواجه بالوحدة الوطنية، التي اثبت الشعب اللبناني تمسكه بها، الف مرة، دون ان ينجح في إقناع السلطة البتراء ان هذه الوحدة هي شرط وجودها، بينما «الدعم الدولي» لا يمنع عن البلاد أي أذى، فضلا عن انه لا يحصن السلطة ولا يحمي الناس، سواء أكانوا في قصور مشيدة ام في مخيمات الشقاء مثل نهر البارد، ومثل جواره القريب... والبعيد.‏

فالدول جلابة الشرور وليست مصدر الوحدة الوطنية، او مصدر الأمان الوطيد.‏

المصدر: صحيفة "السفير"‏

2007-05-21