ارشيف من : 2005-2008

الحلّ الشرعي والفاعل في يد رئيس الجمهورية وحده، وإلاّ...

الحلّ الشرعي والفاعل في يد رئيس الجمهورية وحده، وإلاّ...

دمها، لان الناس يرضخون لحكم المرجع الشرعي، ما يعني ان تلك التي تقطع بغير شكل رسمي من افراد او جماعات، فان دمها يفيض ويفيض، لان الدم ينادي الدم، وربما الى ما لا نهاية له.‏

فلو طُبق الشرع رسميا على من قتل عدنان شمص مثلا، لما حصلت جريمة قتل "الزيادين" وتداعياتها، والامثلة على ذلك لا تحصى.‏

ولنترك الآن القضايا الفردية او الخاصة، ولننتقل الى القضايا العامة التي تخضع ايضا للشرع، اي للدستور والقوانين:‏

سبق منذ نحو ثلاثة اشهر ان اندفعت تلقائيا، كمواطن عادي حر، لا حول له ولا قوة الا بالله العلي العظيم، اجهد بالتفكير في حل للازمة اللبنانية، دستوري ومنطقي وعادل، وتاليا يفترض انه مقبول، بعدما هالني الوضع الخطير جدا، والاكثر خطورة من كل ما مر به وطننا الحبيب في تاريخه الحديث، والذي يهدده الآن جديا بالزوال او بالتقسيم، فرأيت من واجبي ضميريا ان اسلّم الى رئيس الجمهورية مشروع مرسوم جمهوري معللاً، لعله يلقى قبولا ويكون خلاصا للازمة اللبنانية، لان الرئيس، شئنا ام ابينا، ما زال بحكم الدستور، المرجع الوحيد الباقي المناط به السهر على احترام الدستور، على امل ان يعلن بموجب ذلك المرسوم زوال الحكومة الحالية، التي ما فتئ في كل حال يصرح علنا، وعن حق، انها اصبحت بحكم غير الموجودة شرعا، اذ ما من شك في انها فقدت دستوريتها وشرعيتها وميثاقيتها وشعبيتها، وإن كابر المكابرون، وصارت عمليا شبه مشلولة وعاجزة عن الحكم، ما يوجب عملا باحكام المادة 70 من الدستور معطوفة على المادة 80 منه، محاكمتها امام المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، لخرقها مواد جوهرية كثيرة من الدستور، عددتها آنذاك.‏

غير انه من الواجب على الرئيس من بعد، اجراء استشارات نيابية عاجلة فورا، والتشاور مع رئيس مجلس النواب، وفقا لاحكام الفقرة 2 من المادة 53 من الدستور، من اجل تسمية رئيس الحكومة الذي عليه ان يتشاور معه ايضا لتأليف حكومة انتقالية مصغرة، قوامها ثلاثة من المسلمين وثلاثة من المسيحيين، مشهود لهم بالحياد والوطنية، سميتهم على سبيل المثال، يتعهدون بالرجوع الى الشعب، الذي هو مصدر كل السلطات، لاجراء انتخابات نيابية دفعة واحدة في مهلة شهرين او ثلاثة على الاكثر، تظهر قوة كل فئة سياسية حسب حجمها الصحيح، ويتعهد رئيس الجمهورية بالاستقالة فور انتهاء العملية الانتخابية، ويجتمع المجلس الجديد عندئذ، عملا باحكام المادة 75 من الدستور، فينتخب رئيسا جديدا للجمهورية، وتنبثق من المجلس حكومة جديدة، وليحكم الفائزون كما يحلو لهم على مدى اربع سنوات وفقا لقواعد الديموقراطية المتعارف عليها.‏

وقد وافق رئيس الجمهورية آنذاك على هذا المشروع شفويا ووعد بالعمل به، ولكنه لم يفعل حتى الآن.‏

قد يظن البعض ان رئيس الجمهورية، لا يحق له بعد الطائف ان يعمل بما اقترحته، فضلا عن ان النواب مددوا له الولاية تحت ضغط السوريين عليهم، الحاكمين آنذاك، فكيف يمكن ان يُعطى من هو في وضع الرئيس، السلطة لاعلان زوال الحكومة وتعيين غيرها، وان تكن مصغرة وانتقالية، ومدتها موقتة ومهمتها محددة؟!‏

غير ان القاعدة الشرعية والقانونية: الضرورات تبيح المحظورات، التي تجد تطبيقا لها حتى اليوم في الميادين كلها، وكذلك احترامي للحقيقة وحسي العميق بالحق والعدالة، كل ذلك يمنعني من ان ادير اذني الى مثل هذا الكلام.‏

فان صح ان النواب الذين مددوا لاميل لحود، والذين مددوا في كل حال لرئيس سابق له، قد فعلوا ذلك مكرهين – وأنا لا اقبل ذلك ابدا لاني اؤمن ايمانا راسخا بانهم مددوا له لانهم كانوا يوالون السوريين تأمينا لمصالحهم الخاصة ولكي يأكلوا من خبزهم ويضربوا بسيفهم – فمع ذلك، وان صح ما يدّعون، فيجب محاكمتهم عندئذ، على غرار ما جرى للفرنسيين الذين تعاملوا مع النازيين الذين احتلوا فرنسا في الاربعينات من القرن الماضي.‏

فبعدما اندحرت المانيا وخرج جيشها من فرنسا، حُكم على الكثيرين من اولئك المتعاونين بالاعدام او بالاشغال الشاقة لمدة طويلة، ولم يتمكن احد منهم، دفاعاً عن نفسه، من اقناع اي قاض بأنه اضطر للتعاون مع الالمان خوفاً منهم، علماً ان الالمان كانوا في الواقع يخيفون الشعب الفرنسي ويُرهبونه، اين منه الضغط الذي كان السوريون يمارسونه على اللبنانيين، وان كانوا كثيرين.‏

وفي كل حال، لم يُعثر بين الذين وافقوا بالاجماع تقريباً على تعديل الدستور "لمرة واحدة وبصورة استثنائية" رضوخاً لرغبة السوريين، واكراماً للعماد لحود خصيصاً كي يتمكن من ان يصبح رئيساً للجمهورية، ولو على واحد منهم فقط، يُعلن على الاقل استعداده ولو لفظاً، للطعن في هذا التعديل المخالف للدستور امام المجلس الدستوري الذي كان قائماً وحياً آنذاك.‏

فإزاء كل ما جرى وما هو متوقع لاحقاً ان يجري، وازاء الاخطار الرهيبة التي تهدد لبنان بالزوال او بالتقسيم، تبعاً للمشاريع الاجنبية الهادفة الى توطين الفلسطينيين في ربوعه، واحتمال وقوع الحرب الاهلية بين ابنائه، هل على الرئيس الآن، المرجع الوحيد الذي لم يعد في الامكان التشكيك في شرعيته ودستوريته، والذي تصفه المادة 49 من الدستور، بأنه رمز وحدة البلد، وتلزمه بأن يسهر على احترام الدستور وان يحافظ على استقلال الوطن ووحدته وسلامة اراضيه،‏

هل عليه، ان يبقى رغم هذه الحالة، مكتوفاً، يتطلع الى ما حوله ولا يحرّك ساكناً، وكأنه شاهد زور، تاركاً البلد الذي اؤتمن عليه شخصياً، تتقلب فيه الاحداث الجهنمية على غير هدى، الى ان يتدحرج الى اسفل الهاوية، مع ما يستتبع ذلك من ويل على شعبه، حيث لا يعود الندم نافعاً، وكل ذلك بحجة ان عليه ان يتقيد بالنص الحرفي الدستوري الذي، بغفلة من الزمن او من غيره، لم يُعطه صراحة مثل هذا الحق؟!‏

ام ان عليه، والضرورات تبيح المحظورات، كما سبق قوله، ان يستنبط روح الدستور واهدافه السامية، لان الحرف يميت والروح يحيي (la lettre tue et l`esprit vivifie)، كما يقول بولس الرسول في رسالته الثانية الى اهل كورنثيا، فيعمل متحلياً بالشجاعة على تحقيق بطريقة شرعية ورسمية ومحقة ولا يسيل دمها، ما صار اقتراحه عليه، وكل ذلك انقاذاً للوطن.‏

على اني اسمع الآن، وربما هذا ما يفسّر الانتظار لدى الجميع، ان هنالك مفاوضات تجرى بين اميركا وسوريا او بين اميركا وايران، بعضها مكشوف، وان هو تحت الطاولة، وان ذلك سوف يؤدي الى نوع من الحلحلة، التي يبتغيها المتخاصمون ويعللون النفس بها، بعدما انهكهم التعب.‏

ولكن، "من جرّب المجرّب، كان عقله مخرّباً"، وما حك جلدك الا ظفرك، فلا اؤمن بمثل هذه المفاوضات التي في احسن الاحوال لن تؤدي الا الى نوع من الهدنة، لن يلبث المتحاربون من بعد ان يعودوا الى وضعهم السابق، فالحل الصحيح والدائم لن يأتي الا من اللبنانيين انفسهم، شرط ان ينظروا الى مصلحة الوطن وحدها وان يتركوا جانباً اهواءهم الشخصية.‏

وحدها حكومة انتقالية، حيادية مصغرة، يعينها الرئيس اليوم قبل الغد، وانتخابات جديدة مبكرة، هي من صميم الديموقراطية، تعيد لبنان الى الديموقراطية الصحيحة وتنقذه.‏

على اني اسمع ان الرئيس لن يلجأ الى مثل هذا القرار الا في اليوم الاخير من ولايته، ولكن، عندئذ تُقسم البلاد الى قسمين على الاقل، لكل منهما رئيس وحكومة، وتندلع الحرب الاهلية، ويكون السيف قد سبق العذل، ونُحمّل الاجيال الطالعة المسؤولية لمن كان بيده الحل وتقاعس عن اللجوء اليه.‏

(•) عضو المجلس الدستوري سابقاً‏

المصدر : صحيفة النهار اللبنانية‏

2007-05-11