ارشيف من : 2005-2008

نازحو مخيم نهر البارد إلى البداوي يستعيدون "النكبة"

نازحو مخيم نهر البارد إلى البداوي يستعيدون "النكبة"

الشمال اللبناني ـ ضياء أبو طعّام

 

طنين غريب يسمعه المارّ بمحاذاة مخيم البداوي شمال لبنان، أحد أصغر مخيمات لبنان للاجئين الفلسطينيين من حيث المساحة والكثافة. فالمخيم الذي أنشئ بداية السبعينيات لاستيعاب خمسة آلاف لاجئ فلسطيني تحول إلى ملاذ مؤقت لنحو خمسة عشر ألف لاجئ بعيد اجتياحي 1978 و1982، وبضربة واحدة، أُجبر المخيم بموجب التضامن والتآزر على استقبال ما يزيد عن ثمانية عشر ألف لاجئ إضافي نزحوا من مخيم نهر البارد المجاور بعد أيام على بدء أحداث الشمال الأخيرة بين الجيش اللبناني وتنظيم "فتح الاسلام".

وإذا كان المشهد من الخارج يكفي وحده للتدليل على حجم المأساة، إلا أن ألف قصة وقصة يسمعها الزائر لمخيم البداوي هذه الأيام، قصص تكفي لكتابة آلاف المقالات الانسانية التي تعكس كم عانى الشعب الفلسطيني من مآسٍ على مدى سنوات التهجير.

مطأطئ الرأس يمشي "أبو وسام" الرجل الأربعيني داخل مدرسة الأونروا في مخيم البداوي التي توقفت فيها الدراسة بعدما حوّلتها اللجان الاجتماعية الفلسطينية في المخيم إلى ملجأ لاستقبال نازحي مخيم نهر البارد. وجه أبي وسام يحكي لوحده قصة الفلسطيني اللاجئ الذي تشتت مستقبله ومستقبل أبنائه في تجربة الشتات في لبنان.

ما إن تحييه حتى يعرف انتماءك إلى مهنة الصحافة، فقد خبر على مدى سنين طويلة من تنقله من مخيم لآخر لقاء الصحافيين. تسأله عن أوضاعه في هذه المدرسة فيقول: "هي المرة السادسة التي تسجل فيها سنواتي الأربعين تهجيراً. هُجرت طفلاً من جنوب لبنان بعدما هُجر أهلي من فلسطين أيام النكبة، ثم جاء اجتياح الثمانية والسبعين فهُجرت إلى الدامور، ثم اجتياح الاثنين والثمانين فتهجير جديد إلى مخيم تل الزعتر، وجاءت حرب بشير الجميل على المخيمات فهُجرنا إلى مخيم صبرا، ثم مجزرة شارون في صبرا وشاتيلا فإلى مخيم نهر البارد، وها أنا الآن أعيش تهجير أحداث نهر البارد. هل يكفي هذا لتعرف كيف هي أوضاعي؟ ثم يضيف: "يعني فيك تباركلي ببيتي الجديد لكام سنة جايين".

ولئن كانت هذه الوقفة مع أبي وسام كافية، إلا أن التجوال في أروقة وصفوف تلك المدرسة يثقل من عبء المشاهدة. رجال ونساء وأطفال من كل الأعمار يفترشون بلاط المدرسة ويتقاسمون فرشاً إسفنجية تزيد من حرارة الصيف في هذا المكان غير المناسب للدراسة صيفاً فما بالك بالسكن فيه.

مساعدات من قبل الجمعيات الأهلية وبعض الفصائل في المخيم، إضافة إلى بعض الجهات اللبنانية، لكن الواقع يشير إلى قلة في كل المواد الحياتية، وشبه غياب للرعاية الصحية، وحدها السياسة حاضرة بقوة. فكثيرة هي العبارات التي تسمعها من قبل نازحي نهر البارد في مدرسة الأنروا هذه كما في كل أنحاء مخيم البداوي: "ما بدنا حدا يساعدنا بالأكل والشرب، يللي جاب فتح الإسلام على مخيم نهر البارد يرجعهن تنرجع عَ بيوتنا مستورين"، "ما بدنا جهات تحمل البندقية بإيد والجزرة بإيد، بيكفينا إذلال وإهانة في لبنان"، "الدول العربية هي المسؤولة عن معاناتنا، يا عمي إذا تخلوا عن قضيتنا يوقفوا ويقولوا هيك عالملأ، ساعتها بنكب حالنا بالبحر ومنرتاح"...

وإذا كان الحنق والاستياء يسودان المشهد العام، إلا أن التحية للجيش اللبناني والارتياح من مواقف الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله حيال أحداث الشمال شكّلا استثناءً. الجميع في البداوي يقولون: "نحن اليوم ندفع ثمن تأييدنا للمقاومة اللبنانية خلال عدوان تموز الماضي.. إذا نحن انتهينا سيبدأون بالمقاومة مرة أخرى". "نحن والجيش اللبناني ضحيتان.. ومعظم شهداء الجيش هم من أهلنا وإخواننا العكاريين".

على أن العبارة التي لن أنساها كلما تذكرت نازحي مخيم نهر البارد إلى مخيم البداوي ما تمتمت به امرأة سبعينية على مسمعي وهي تجلس بالصدفة تحت لوحة كُتب عليها: "لا للتوطين..نعم لحق العودة": "وين تدفنونا يا أهل الدين، متنا والله لمّا تركنا فلسطين".    

 الانتقاد/العدد1217 ـ 1 حزيران/يونيو2007

2007-06-01