ارشيف من : 2005-2008
المحكمة: أهداف سياسية برداء قضائي
فقد اجتمع مجلس الأمن مساء يوم الأربعاء الفائت، وأصدر القرار الرقم 1757 القاضي بإنشاء المحكمة تحت الفصل السابع على الرغم من تحذيرات دول عديدة من مخاطر هذا الفعل وتداعياته على مستقبل لبنان ومصيره، وفي مقدّمتهم الدول الخمس التي امتنعت عن التصويت، وهي: روسيا والصين وقطر وأندونيسيا وجنوب إفريقيا بينما وافقت عشر دول تتزعّمها الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وبريطانيا. ولهذا الامتناع دلالات هامة لا يمكن إغفالها أو التغاضي عنها.
وقد جدّد المندوب الروسي في مجلس الأمن تحفظ بلاده على إقرار المحكمة تحت الفصل السابع الذي يرمي إلى استخدام القوّة، وهنا مكمن الخطر فيها لأنّه لا يؤدّي إلى معرفة القتلة الفعليين، وإنّما إلى تجهيلهم والتستّر عليهم خصوصاً في ظلّ عدم وجود متهمين موقوفين حقيقيين، وفتح ملفات أخرى لا علاقة لها بهذه الجريمة لا من قريب ولا من بعيد.
وحثّ المندوب الصيني في كلمته مجلس الأمن على تجنب تعقيد المشاكل اللبنانية من خلال إقرار المحكمة تحت الفصل السابع، فيما أكد المندوب القطري وبكلمات واضحة لا لبس فيها، أنّ إقرار المحكمة ينطوي على تجاوزات قانونية خطيرة، في إشارة واضحة إلى تخطي الأصول والآليات الدستورية اللبنانية بعدما فشل" الشباطيون" في تمرير المحكمة في مجلس النواب اللبناني من دون الأخذ بملاحظات وتعديلات المعارضة اللبنانية لما فيه مصلحة لبنان في الدرجة الأولى والأخيرة. وهذه سابقة في تاريخ مجلس الأمن من حيث اللجوء إلى تجاوز دستور دولة ما والإنابة عنها في إقرار ما يخصّها ويتعلق بوجودها وتكوينها ومكوّناتها ومقوّماتها.
ويصف القانوني بشارة أبو سعد في حديث مع "الانتقاد"، هذه المحكمة بأنّها "محكمة بلباس قضائي". ويفصّل بصورة سوداوية بأنّها "تخفي أموراً سياسية بقصد الوصول إلى إنهاء مسيرة المقاومة في لبنان والقضاء على الحركات الوطنية وإنشاء الفرقة بين أبناء الشعب الواحد وترسيخ الطائفية لنصل إلى الاقتتال المذهبي، الأمر الذي يريح أميركا في العراق، وإسرائيل في فلسطين، ويساعد على بلورة مشروع الشرق الأوسط الكبير الجديد بشكل مريح للأميركيين وأعوانهم والمتعاونين معهم، وقد نصل إلى إنشاء كانتونات أو دويلات طائفية!".
ويؤكّد نقيب المحامين الأسبق عصام كرم ووكيل المدير العام السابق لقوى الأمن الداخلي اللواء علي الحاج، في حديث مع "الانتقاد" أنّه عندما يمتنع ثلث أعضاء مجلس الأمن عن التصويت، يفقد القرار وهجه السياسي. أما من الناحية القانونية فقد أقرت المحكمة مبدئياً، ولكن لا هي تألفت ولا مولت ولا عرفت مصادر تمويلها ولا عرف مكان انعقادها ومشاركة القضاء اللبناني في هيكليتها.
ويسأل كرم هل هي محكمة دولية ام كما في التسمية اللبنانية محكمة ذات طابع دولي، أي أن للبنان مشاركة محدودة فيها؟ وقال نحن لا ندعو إلى عدم تطبيق القرارات الدولية بل نحن مع الشرعية اللبنانية والدولية، ولكن أخشى كما خشي كثيرون أن يكون تأليف المحكمة الدولية مناسبة لتنفيس مكامن سياسية لبنانية، وأن نتيه عن النتيجة المتوخّاة وهي الحقيقة.
ويبدي كرم خشيته من المحكمة الدولية على الحقيقة، وعلّل السبب بأنّ "التسييس الذي رافق تأليف المحكمة يدعو إلى كثير من التحفّظ، متمنياً، في كل حال، أن أكون مخطئاً".
أما الأمين العام المساعد لاتحاد المحامين العرب المحامي عمر زين فيشدّد في لقاء مع "الانتقاد" على أنّ الأساس هو معرفة قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، مشيراً إلى أنّ ما صدر عن مجلس الأمن لجهة المحكمة مع المهلة المعطاة يعني أنّ "الأمر خرج من السيادة اللبنانية كمؤسّسات وخاصة سيادة القضاء اللبناني".
ويلفت زين النظر إلى أنّه لا يكفي القول إنّنا لا نرغب في تسييس المحكمة أو في توجيهها إلى هذه الجهة أو تلك، مؤكّداً أن يكون التحقيق فنّياً وقضائياً بحتاً، وأن يكون القضاء عادلاً ونزيهاً وغير متحيّز، "فنحن نطالب بأن تقوم المحكمة ولكن ليس تحت الفصل السابع لأنّه ليس لمصلحة لبنان، دولةً وحكومةً وشعباً".
ويأمل زين أن يتلاقى جميع الأطراف اللبنانيين خلال المهلة المعطاة والبالغة عشرة أيام لإنجاز ما كان يفترض إنجازه من تعديلات قبل صدور قرار مجلس الأمن، وخصوصاً أنّ ما صدر من مواقف بعد صدور القرار يشجّع على هذا الأمر، علماً أنّ تفويت هذه الفرصة ليس لمصلحة لبنان"، داعياً الجميع إلى "التنازل لمصلحة لبنان الوطن ولمصلحة الدولة ولمصلحة المقاومة"، واعتبر أنّ الخطّ الأحمر المفترض هو "حماية كلّ مواطن وحماية الدولة وحماية المقاومة وحماية الأمن الوطني والقومي".
ويقول المحامي زين إنّ المحكمة بطريقة إقرارها تصبح سيفاً ذا حدّين، فهي لمعاقبة القتلة والمجرمين إلا أنّ الخشية من استعمالها ضد الأبرياء أو تسييسها لذلك أصبح من الواجب التلاحم الوطني والميثاقي لأنّه هو الحامي الوحيد للبنان ولكلّ مواطن، وهو الممر الطبيعي لإنزال أشدّ العقوبات بالقتلة".
طويت صفحة إقرار المحكمة كما رغبت دول الوصاية الجديدة الثلاثية الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وبريطانيا، ووضع مصير لبنان على المحكّ، وبات يُخشى أن تضيع الحقيقة المطلوبة لمعرفة القتلة الحقيقيين ومعاقبتهم كما ترغب هذه الدول الثلاث، ويدفع لبنان ثمن أخطاء سياسيين لا يسعون إلاّ وراء تحقيق مصالحهم الذاتية ولو على حساب الوطن، فكيف على حساب رجل دولة صار في دار الفناء ويتأمّل اصطفاف "الشباطيين" وتهليلهم لتدويل قضيته وتدويل لبنان ووضعه تحت الانتداب والاستعمار من جديد، ومعظمهم، كان هو شخصياً، والمحيطون به ملياً يعرفون ذلك، كان يرفض أن يطأوا عتبة داره في الحياة؟
علي الموسوي
الانتقاد/العدد1217 ـ 1 حزيران/يونيو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018