ارشيف من : 2005-2008

طهران ـ واشنطن: لقاء الند للند

طهران ـ واشنطن: لقاء الند للند

إن وصف اللقاء الأميركي ـ الإيراني بالحدث التاريخي لم يجانب الصواب. فما بين واشنطن وطهران 28 عاماً حافلة بالعداء المتبادل. ولا يختلف اثنان أن واشنطن هي من بادرت إلى استعداء طهران منذ انتصار الثورة الإسلامية فيها بقيادة الإمام الخميني (قده)، وترجمت هذا الاستعداء ضغوطاً مالية واقتصادية وسياسية وأمنية وصولاً إلى تشجيع نظام صدام حسين على إعلان الحرب على إيران، وأكثر من ذلك كانت واشنطن هي من موّلت هذه الحرب من خلال دول الخليج، ومنحت صدام آنذاك الدعم اللوجستي الذي يحتاجه حتى لا يخسر الحرب خصوصاً في أواخرها.

إن خلاصة أكيدة وثابتة يجب تسجيلها هنا، وهي أن الولايات المتحدة لم تتخلّ يوماً عن هدفها الاستراتيجي: تقويض النظام الإسلامي في إيران بغية استرجاعها إلى الجغرافيا الاستراتيجية للمشروع الأميركي في نطاق رؤيتها للشرق الأوسط الكبير.

كما أن الكثير من الاعتبارات الايديولوجية والسياسية تجعل من المستحيل تصور علاقات تماهٍ أو شراكة كاملة بين التوجهات والمخططات الأميركية وأهدافها في المنطقة، والتوجهات والأهداف الإيرانية، وأن لا يمنع ذلك من التقاء موضوعي أحياناً تفرضه تعقيدات الأوضاع والمصالح المتبادلة، ما قد يؤسس قاعدة لتفاهمات جزئية وظرفية هنا وهناك وهنالك.

والملاحظات الرئيسية الإضافية التي لا بد من أخذها بعين الاعتبار في سياق قراءة المباحثات الأميركية ـ الإيرانية للوصول إلى تقدير دقيق لما يمكن أن تؤول اليه من نتائج:

ـ استطاعت إيران أن تتخطى الكثير من العقبات والموانع التي عملت واشنطن والغرب عموماً على وضعها في طريق تحولها إلى قوة اقليمية كبرى، وهي بذلك تمكنت من أن تتحول إلى عقبة استراتيجية كأْداءَ في طريق المشاريع الأميركية سواء في عالمنا العربي أم في عالمنا الإسلامي وتحديداً في وسط آسيا.

ـ إن خريطة التشابك والاشتباك بين واشنطن وطهران تشمل العديد من الملفات والقضايا الرئيسية في المنطقة:

ـ أفغانستان.

ـ بلدان وسط آسيا.

ـ العراق.

ـ القضية الفلسطينية.

ـ الأزمة اللبنانية.

وذلك إضافة إلى ملف العلاقات الثنائية، لا سيما الملف النووي.

إن تداخل الملفات وتشابكها واتساعها حكم العلاقة بين الاثنين بنوع من السجال الاستراتيجي الذي يتخذ طابعاً صراعياً أحياناً، وطابعاً تفاهمياً حيناً آخر، إلا أن التوتر هو سمته العامة.

ثالثاً: إن وضع إيران الاستراتيجي والتكتيكي اليوم أفضل بكثير من وضع واشنطن، فتوازنات القوة لمصلحتها سواء أخذت هذه التوازنات بالمعنى السلبي، أو كمحصلة للضعف الأميركي، أم اتخذت معنى ايجابياً، أي كمحصلة للمعارك التي خاضتها إيران أو التي خاضها آخرون لكنها تخدم في المحصلة النهائية موقع إيران ومصالحها العامة.

رابعاً: لا تبدو واشنطن في أحسن أحوالها: ادارة بوش مقيدة داخلياً ومحاصرة وهي في أضعف حالاتها، المشروع الأميركي يعجز عن أن يشق طريقه بنجاح بفعل فشل كل المخططات الأميركية لإبقائه واقفاً على قدميه، فهو يترنح في أفغانستان، ويعاني مأزقاً معقداً ومستحيلاً في العراق، ومناخات حرجة على امتداد المنطقة بفعل ضعف حلفائه فيها لا سيما بعد عدوان تموز.

خامساً: في الوقت الذي كان كل شيء ينبئ بأن السجال الاستراتيجي بين واشنطن وطهران محكوم بأن ينتهي إلى حوار استراتيجي، فإن كلاهما بدا مؤخراً وكأنه يذهب اليه وهو يستعد للحرب، فواشنطن لم تقل للحظة واحدة إنها ألغت هذا الخيار من حساباتها، وهذا أمر منطقي سواء أكان إبقاؤه كخيار جدياً، أم كأداة ضغط في المفاوضات، وفي المقابل، فإن إيران لا يمكنها إلا أن تأخذ تهديدات واشنطن على نحوٍ جدي وتعد للأمر عدته.

سادساً: لقد جهدت واشنطن قبل الوصول إلى طاولة التفاوض مع طهران لتوفير كل ما في إمكانها من أوراق ضاغطة من جهة، وتمكنها من إرساء نوعٍ من توازن القوة من جهة أخرى، حتى لا تذهب ضعيفة: أخذت تغير في البيئة الاقليمية لمصلحتها، حشد أساطيلها في الخليج، العمل على إعادة صياغة الصراع في المنطقة من ضمن منظومة الانشقاقات المذهبية، ممارسة ضغوط أمنية داخل ايران، زيادة الضغوط الاقتصادية والمالية والسياسية والاعلامية على طهران، البحث عن سبل تمكنها من اعادة صياغة المعادلة والمشهد السياسيين والأمنيين داخل العراق بما يؤدي إلى نوع من التوازنات الجديدة في وجه ايران.. الخ.

إلا أن نقاط الضعف الرئيسية لم تتمكن واشنطن من اقفالها: الوضع الأمني في العراق وارتفاع حدة ونسبة العمليات ضد الاحتلال، تفاعلات عدوان تموز، دفع الأنظمة الخليجية الى حسم خياراتها من خلال التهويل عليها تارة، وتطمينها تارة أخرى للقفز فوق مخاوفها، تغير الكثير من المعطيات الدولية والاقليمية التي لم تعد تسهل كثيراً السياسات الأميركية. امتلاك إيران وحلفائها العديد من نقاط القوة الاستراتيجية في المنطقة.

في الخلاصة العامة، يمكن القول ان توازنات القوة تضيق، في محصلتها العامة، تميل لمصلحة طهران أكثر منها لمصلحة واشنطن.

سابعاً: ما تقدم، وما رشح من معطيات، وأعلن من مواقف عقب اللقاء، يقودنا الى الاستنتاجات التالية:

أ - بدا واضحاً أن ايران فرضت نفسها كندٍ للولايات المتحدة انعكس ذلك في شكل اللقاء.

ب ـ انتزعت ايران إقراراً اميركياً بها كقوة اقليمية لا يمكن القفز فوقها لمعالجات أزمات المنطقة وتحديداً في العراق، وهي في هذا السياق كرست عمق هذا الدور وحجمه في آن.

ج ـ يبدو اللقاء محطة أولى في مسار طويل: مستوى الملتقين، طبيعة الموضوعات وسقف المباحثات، والأهم، أنه لأول مرة، يجري لقاء ثنائي مباشر يتجاوز العلاقات الوسائطية، أي التي تمر عبر وسطاء، وهذا يعني، ضمناً، إمكان تطور هكذا لقاءات مجدداً لا سيما اذا ما أثبتت جدواها، لتشمل مواضيع وملفات أخرى.

د  ـ اللقاء بحد ذاته يضع الخيار الديبلوماسي موضع اختبار أولي، فإذا ما أثبت نجاحه، سيجعل خيار المواجهة العسكرية وراء الاثنين، واذا ما فشل، سيعيد هذا الخيار الى الواجهة مجدداً، هذا لا يعني أن الضغوط المتبادلة ستتوقف، بل ستبقى مستمرة لأنها جزء لا يتجزأ من عملية التفاوض، بل يمكن القول أكثر من ذلك، إن المعيار الفعلي لنجاح المفاوضات أو فشلها، يتجسد في الكباش الميداني، أكثر منه في ما يجري على طاولة المفاوضات.

هـ ـ ثمة قراءة ترى ان اعتماد واشنطن الخيار الديبلوماسي ليس إلا من قبيل تبرئة الذمة قبل الذهاب الى خيار الحرب، وبالتالي، فهي غير جادة في مباحثاتها، في حين ترى قراءة ثانية أن واشنطن تستخدم أسلوب الشرطي الجيد والشرطي السيئ مع ايران، فهي تلوح بالشرطي السيئ، لتقدم تنازلاتها للشرطي الجيد.

وبمعزل عن هذه القراءة أو تلك، من الواضح أننا أمام تدشين مرحلة جديدة محفوفة بالصعوبات والتعقيدات وتداخل المصالح، ولا أحد يتوقع تفاهمات سريعة، وتبيان وجهة الأمور يحتاج الى مزيد من الوقت، فمع واشنطن يبقى الحذر مطلوباً حتى النهاية.

الانتقاد/العدد1217 ـ 1 حزيران/يونيو2007

2007-06-01