ارشيف من : 2005-2008
مشقات غوردون براون
في السابع والعشرين من شهر حزيران/ يونيو الجاري، تطوى صفحة طوني بلير في رئاسة وزراء بريطانيا وفي زعامة حزب العمال البريطاني.
يخلفه في المنصبين، وبالضربة القاضية، وزير ماليته غوردن براون الذي فاز برئاسة الحزب في مجلس العموم، في 17 أيار/ مايو الماضي، بأغلبية 313 نائباً من أصل الأكثرية العمالية التي تسيطر على 352 مقعداً.
وقد اصبح فوزه في حكم المتحقق بعد أن عجز منافسه جون ماكدونيل، زعيم الجناح اليساري في حزب العمال، عن تحصيل الـ45 صوتاً اللازمة للدخول في المنافسة.
لكن هذا الدخول السهل من قبل براون إلى "10 دواننغ ستريت" هو بشكل او بآخر دخول إلى عالم المشقات. مشقات أولها ناجم عن صورته كواحد من الشركاء الرئيسيين لطوني بلير في السرّاء المنقوصة المتمثلة بما يعتبره البعض نجاحات لطوني بلير على مستوى الحيوية التي بثها في الاقتصاد البريطاني، فيما لا يعترف بها البعض الآخر، ويعتبرها امتدادات للتاتشرية ولمفاعيل الاستثمار الناجح في نفط بحر الشمال. وفي الضرّاء الكاملة المتمثلة بتوريط بريطانيا في أفغانستان والعراق نتيجة لنهج بلير في تأييده المطلق لسياسات الرئيس بوش، وهو التأييد الذي انخفضت بسببه شعبية بلير إلى أدنى المستويات المعروفة في تاريخ رؤساء الوزراء في بريطانيا.
ثانية المشقات أن غوردون براون معرض جدياً للسقوط في الانتخابات الشرعية المقبلة، بعد هزيمة حزب العمال في الانتخابات المحلية في اسكوتلندا وفي ظل حالة الاهتراء التي يعاني منها الحزب في ظل تراجعه المستمر في استطلاعات الرأي أمام حزب المحافظين.
أما ثالثة المشقات فتتمثل في سياسته تجاه الاتحاد الأوروبي. فبريطانيا كما هو معروف جزيرة ملاصقة لأوروبا من الناحية الجغرافية، ولكنها ملاصقة لأميركا من النواحي السياسية والثقافية والتاريخية. وخوفها من قيام عالم أوروبي موحد على بعد كيلومترات قليلة من شواطئها هو في طليعة الأسباب التي أجبرتها على أن تضع إحدى قدميها في الاتحاد الأوروبي، فيما احتفظت بالقدم الأخرى فوق مياه المحيط. فهي لم تعتمد بعد العملة الأوروبية الموحدة ولا يبدو أنها ستعتمدها مع أن اليورو بات أهم محددات الانتماء إلى الاتحاد.
وإذا كانت بريطانيا قد تمكنت منذ بدايات نشوء السوق الأوروبية الموحدة قبل خمسين عاماً من المحافظة على موقعها غير القريب وغير البعيد، في آن معاً، عن الاتحاد، فإن الأجواء الراهنة تنطوي على مستجدات من شأنها أن تبدأ بتقويض حكم غوردن براون حتى قبل أن يقوم بتشكيل حكومته.
فنيكولا ساركوزي المندفع نحو التغيير والساعي لأن يكون رئيساً لم تعرف فرنسا مثيلاً له من قبل، ركب مع أنغيلا ميركل ـ التي تريد بأي ثمن أن تواصل الصمود في الحكم أمام ضغط المعارضة المتصاعد ـ موجة الاتحاد من خلال اتفاق فرنسي ـ ألماني على طرح اتفاقية جديدة مصغرة لإنعاش الاتحاد بعد التصويت السلبي على دستوره من قبل عدد من بلدانه الأساسية، وهو التصويت الذي وضع الاتحاد برمته أمام حالة من انعدام الوزن لا تزال قائمة حتى الآن.
المبادرة المصغرة التي ستطرح في القمة الأوروبية في 21 حزيران/ يونيو الجاري لن تترك لبريطانيا هامشاً كبيراً للمناورة لأن نجاحها سيعطي الثنائي الفرنسي ـ الألماني قوة تهدد بشكل خطير موقع بريطانيا الأوروبي.
وإذا كان طوني بلير قد تكفل بحضور القمة وباستخدام براعته المعتادة في تسوية المشكلة بدلاً من غوردون براون المعروف بعدائه المكشوف للاتحاد، فإن مستقبل العلاقة الحرجة بين الاتحاد وبريطانيا سيثقل كاهل رئيس الوزراء الجديد.
لكن ذلك ليس كل شيء، لأن المشقة الرابعة ليست الأقل شأناً بين سائر المشقات: هل ينفصل براون عن السياسة الأميركية ويعجل بسحب الجنود البريطانيين من العراق، أم يواصل سياسة بلير في هذا المجال؟
التصريحات التي أدلى بها حتى الآن ليست واضحة بما يكفي. والأرجح، أياً كان الخيار، أنه لن يكون مجدياً في إبعاد الخطر المتمثل في صعود المحافظين الذين يبدون متلهفين على تسريع طي صفحة بلير لكي يتسنى لهم إضافة المشقات إلى مشقات غوردون براون.
ع.ح.
الانتقاد/العدد1217 ـ 1 حزيران/يونيو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018