ارشيف من : 2005-2008
بعد اقرار المحكمة الدولي ودخول لبنان دائرة الاهتزازات الكبيرة، والشهور الأخيرة للاستحقاق الرئاسي هل باتت حكومة الوحدة الوطنية ممكنة؟
هل ثمة فرصة متاحة بعد لإنتاج تسوية داخلية تكفل وضع حدّ لحالة الانهيار الشامل التي يمر بها لبنان حالياً، والتي دخلت مؤخراً أكثر مراحلها خطورة، والمتمثلة بالانفلات الأمني، أم أن الفرص ما زالت معدومة، وبالتالي لم يعد ممكناً عكس وجهة مسار الأمور، على الأقل لمدة عامين من الزمن؟
يتفق الجميع موالاة ومعارضة على أن لب الأزمة السياسية في لبنان هو الصراع على هويته، وبالتالي على خياراته السياسية. وأن هذه الخيارات تتراوح بين من يريد موضعة لبنان داخل المشروع الأميركي للمنطقة، والذي من شروطه الضرورية والواجبة تبني خيار التسوية بصيغته المعمول بها من قبل بعض أنظمة المنطقة، والتخلي نهائياً عن خيار المقاومة أو الممانعة لهذا المشروع. هذا التخلي هو البند الرئيسي في دفتر الشروط الأميركي ليس فقط لإلحاق لبنان بمشروعه، وإنما لتقديم كل الدعم المطلوب لهذا الفريق، ولجعل نفس واستمرار وجوده مبرراً.
في هذا السياق يمكن إدراج نسق الأفكار التي يحاجج بها فريق السلطة ليبرر لنفسه الهجوم على خيار المقاومة، وتوفير الغطاء اللازم لالتحاقه بالمشروع الأميركي. وجوهر حجج هذا الفريق يتمحور حول واقعية مبتذلة تذكرنا بواقعية السادات التي أوصلت به إلى الكنيست الإسرائيلي، وأوصلت بمصر إلى وضعها المزري الحالي. كما تنهض على تذاكٍ خاص يعرف كيف يضع المشكلة في وجه القضية، وكيف يضع الآني والمباشر في وجه التاريخي والمصيري. بكلمة أوضح، اذا شئت أن تصرف جماعة أو أمة عن قضاياها المصيرية ما عليك إلا أن تلهيها بالكثير من المشاكل، إنها استراتيجية صناعة المشاكل وتضخيمها في مواجهة استراتيجية القضايا. والحقيقة أن لسان حال أصحاب هذه الاسترايتجية هو التالي: ليس المهم كيف تعيش، وانما المهم أن تعيش، وليس المهم بأي ثمن تحل مشاكلك، ما دامت ستحل، ذرائعية هذا الفريق لا تقف عند هذا الحد، بل تحاول استثمار أسطورة البئر التي كلما شرب منها أحد أصيب بالجنون، حتى اضطر العاقل الوحيد أن يشرب منها ليقضي على غربته، فهؤلاء يحاججون بأنه ما دامت كل الدول العربية قد وضعت سلاحها جانباً، فلماذا على لبنان أن يبقى وحيداً. وكأن المطلوب أن يجن اللبنانيون أيضاً ويشربوا من بئر التخاذل هذا مع فرض التسليم بما يقوله هؤلاء، في حين أن تأملاً بسيطاً على امتداد عالمنا العربي والإسلامي سنجد أن هذا الفرض باطلاً، أليست افغانستان تقاوم، أليست إيران تقاوم، أليس العراق يقاوم، وسوريا تقاوم، وفلسطين تقاوم، والسودان يقاوم، والصومال يقاوم، بل حتى البلدان التي لا نرى فيها مقاومة مسلحة، ألا تختزن في داخلها مقاومات من أنواع مختلفة. نعم، هؤلاء يريدون منا أن نتماثل مع أنظمة خانعة تابعة للسيد الأميركي ليس إلا.
وفي السياق عينه، يمكن ادراج الكلام عن الهدنة، وعن أن لا سلاح إلا سلاح الدولة واحتكارها فقط.. وغيرها من الاشتباهات اللفظية، أو الاثارات التي من قبيل كلمة حق لكن يراد منها باطل.
ولا شك، أن عدوان تموز كان يفترض أن يشكل العملية الجراحية الاستئصالية للمقاومة وخيارها في لبنان، والذي لو نجح لأغنى فريق السلطة عن كل حججه الواهنة ومنطقه المتهافت، لكن يبقى أن عدوان تموز شكل الرسالة الأمضى، والمؤشر الأكثر دلالة على جملة أمور:
أولاً: المدى الخطر الذي بلغته المقاومة في لبنان على المشروع الأميركي ـ الصهيوني في المنطقة.
ثانياً: المدى المستعد له أركان هذا المشروع وأذنابه للذهاب اليه، من أجل التخلص من المقاومة.
ثالثاً: التعبير عن مدى التناقض بين الخيارين، وهو تناقض يدور بين الوجود والعدم، وكما يقول المناطقة أن النقيضين لا يجتمعان معاً، ولا يرتفعان معاً، ولا يقبلان الوسط.
هذا الاستطراد ليس مطلباً استرسالياً، وإنما هو لتوصيف طبيعة الصراع، ولتحديده كمرجعية وإطار لكل ما جرى ويجري.
في هذا السياق، دعونا نقوّم أداء فريق السلطة بعدما ضمن الأميركي ورقة المحكمة في جيبه:
أولاً: حافظ هذا الفريق على نمطه النفاقي في أدائه الاعلامي والسياسي: فريق 14 شباط يصدر من قريطم بياناً، صيغ بلغة استعلائية متبجحة ضمناً بنصرٍ موهوم، وصولاً إلى تحديد عناوين المرحلة السياسية المقبلة واضعاً حكومة الوحدة الوطنية وراءه، ومركزاً على الاستحقاق الرئاسي، في المقابل قدم النائب سعد الحريري مقاربتين مختلفتين سواء للمرحلة السياسية المقبلة، أم للعلاقة مع حزب الله، لدرجة يحار فيها المرء من يصدق فيهما: بيان 14 شباط، أم سعد الحريري، وسعد الحريري صاحب مقابلة "نهار الشباب"، أم سعد الحريري في "كلام الناس".
ثانياً: بدأنا نشهد إشارات سياسية لا تخلو من دلالة! السفير السعودي يتحرك تحت عنوان تحريك الموضوع الحكومي مجدداً، مناخات فرنسية جديدة توحي بمقاربة ساركوزية مختلفة للأمور في لبنان والمنطقة، مع عدم ممانعة لفكرة حكومة الوحدة الوطنية، وزير الخارجية الايطالي يزور سوريا ولبنان، وأهم ما قاله هو إشارته القاطعة، بإمكان التوصل إلى حلول بعد العاشر من حزيران، وكشفه عن مفاوضات مع سوريا تشمل العراق ولبنان وفلسطين، وقبل هذا وذاك، لم يكن أمراً عادياً أن يتبنى البطرك فكرة حكومة الانقاذ، ويعلن تبنيه لمسألة نصاب الثلثين لانتخاب رئيس جديد للجمهورية.
اذا كانت هذه المعطيات جدية، ومعيار جديتها النهائي هو حصولها على الضوء الأخضر الأميركي، أفلا يعني هذا، أن هناك فرصة لفتح ثغرة في جدار الأزمة الحالية، وعندها كيف يمكن التوفيق، بين هذا الامكان، وطبيعة المأزق السياسي اللبناني.
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تستلزم الوقوف على أمرين أساسيين: الأول وهو طبيعة مأزق فريق السلطة الحالي، والثاني، الأهداف التي يرمي اليها هذا الفريق تكتيكياً، وفي المدى المنظور.
من الواضح، أن فريق السلطة هو في أسوأ أحواله، فهو مستنزف سياسياً واقتصادياً وأمنياً. صحيح أن المحكمة ذات الطابع الدولي أصبحت بحكم المقرة، لكن هذا الفريق يدرك أنها خرجت من يده، وفقدها كأداة لتشويه وتحريف طبيعة الصراع الداخلي، وبالتالي أصبح وجهاً لوجه أمام المأزق السياسي الفعلي للأزمة اللبنانية، ولن يكون بمقدوره التهرب منها كما كان يفعل سابقاً، ثم ان محركات المحكمة لتعمل تحتاج إلى وقتٍ طويل ليس لمصلحة هذا الفريق، كما أن اصرار هذا الفريق على تحمل مسؤولية السلطة تجعله مسؤولاً مسؤولية سياسية مباشرة عن كل الانهيارات الحاصلة في البلد، ولعل آخرها الانهياران الأمني والاقتصادي، فهل يستطيع هذا الفريق ـ حتى مع وجود الدعم الدولي والاقليمي الاستثنائي له ـ ان يتحمل هذه المسؤوليات الجسيمة، في الوقت الذي يقف فيه عاجزاً، أم أنه بات مضطراً للتقدم خطوة بل خطوات باتجاه المعارضة.
إن المنطق يقول ـ اذا ما افترضنا ان لدى فريق السلطة نية للحفاظ على البلد ـ ان هذا الفريق مضطر لمد يده إلى المعارضة، وعبر مدخل ضروري اسمه حكومة الوحدة الوطنية، لأن أي تذاكٍ أو تشاطر جديد من قبله ستكون له المزيد من المضاعفات والمفاعيل السياسية المعروفة من الجميع، ولأن الوقت ليس وقت تسويات تاريخية، ولا وقت حسم للصراعات، يبدو الخيار المنطقي هو توسيع الحكومة مع الاحتفاظ ببيانها الوزاري كما هو، باعتباره الخيار الذي ما زال يتيح إمكان تساكن بين خياري المعارضة والموالاة، والذي من شأنه أن يفتح الباب لتقطيع العديد من التحديات والاستحقاقات والأخطار بأقل كلفة ممكنة، واذا صدقت نيات فريق السلطة، فإن حكومة الوحدة الوطنية بالصيغة التي طرحتها المعارضة من شأنها ان تشكل الإطار السياسي الأفضل لإنتاج خيار تسووي لبناني حقيقي ما دام كل طرف فيها قادراً على أن يعطل أية أبعاد خارجية للطرف الآخر، وبالتالي الوصول إلى تسوية تاريخية يشارك فيها الجميع، تكفل الاستقرار بكل مفرداته.
أما خارج هكذا إطار، وإذا ما أصرّ فريق السلطة على التزام الأجندة الأميركية، ودفتر الشروط الأميركي، والأوامر الأميركية، فلن نكون إلا أمام حكومة تدير أزمة أكثر من حكومة تفتح أفق الحلول، هذا إذا ما وصلنا إلى الحكومة، وإلا فإن مسار الانحلال السياسي وغيره إلى تفاقم.
مصطفى الحاج علي
الانتقاد/ العدد 1218ـ 8 حزيران/ يونيو 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018