ارشيف من : 2005-2008
أسبوع ثالث من المواجهات بين الجيش و"فتح الإسلام" والنتائج وخيمة، "الشباطيون" ينفّذون متمّمات الـ1559 بمخيّم نهر البارد أولاً
أما وأنّ فتيل النار وزنّار الموت المتمدّدين في أحياء مخيّم نهر البارد وعلى تخومه، دخلا أسبوعهما الثالث على التوالي، من دون نجاح عملية الحسم العسكرية التي يخوضها الجيش اللبناني، مجبراً، للقضاء على ظاهرة "فتح الإسلام"، وتعثّر المبادرات والاتصالات والمساعي السياسية المقدّمة من بعض القوى الإسلامية والوطنية، فقد عادت حلقة من الأسئلة تطرح نفسها بقوّة على الساحة، تثير الشكوك والمخاوف وترسم علامات استفهام متعدّدة حول هذا الانكشاف السياسي والأمني الذي يعيشه لبنان منذ سيطرة "الشباطيين" على الحكم فيه.
أوّلاً: ما هي الغاية من استمرار حرب استنزاف الجيش اللبناني بهذه الصورة التي توجب الحفاظ على الجيش أوّلاً وأخيراً، قبل استعادة كرامته وإبداء الحرص على هيبته وسمعته، وذلك في ظلّ بقاء مخاطر توسّع الحسم العسكري، وازدياد المخاوف من انتقال الاشتباكات إلى مخيّمات أخرى على غرار ما كاد يحدث في مخيّم عين الحلوة يوم الأحد الفائت حيث "انتصرت" مجموعة "جند الشام" المعروفة التمويل "الإنساني"، لجماعة "فتح الإسلام"، وفتحت نيران رشّاشاتها الحربية على جنود الجيش وقتلت اثنين منهم؟
وهل يعقل أن تعترف حكومة فؤاد السنيورة البتراء وغير الشرعية بـ"عصبة الأنصار" الملاحقة قضائياً وبجملة أحكام في دعاوى قتل عديدة، فتطلب بطريقة ملتوية، مساعدتها وتدخّلها لوقف تجاوزات "جند الشام"؟ وأثار هذا الأمر استهجان غير طرف سياسي لأنّه يشكّل سابقة خطيرة، وذهب البعض إلى حدّ تفسيره بأنّه مقدّمة لصفقة سياسية ما، تحاك تحت جنح الظلام.
وقد تكون لهذا الطلب محاذير أخرى ومنها تذكية الفتنة بين هذين الفصيلين المسلّحين وتوسيع الشرخ بينهما أكثر فأكثر، ما يبقي مخيّم عين الحلوة عائماً على صفيح من البارود القابل للتفجّر في توقيت ما لا يعرفه إلا الراسخون في إشعال الفتن.
ثانياً: من المسؤول عن التحرّش بمجموعة "فتح الإسلام"، كمن أراد اللعب مع وكر دبابير في توقيت خاطئ، مستسهلاً تحرير مخيّم نهر البارد منها؟ ولماذا اختيار هذا المخيّم بالذات دون سواه؟ فهل لأنّه يضمّ الفصائل الفلسطينية الموالية لسوريا والتي كانت تُحكم قبضتها عليه ويعتبر نقطة نفوذها الأقوى بعكس بقية المخيّمات، وذلك لتوجيه الاتهام فوراً إلى سوريا، كما فعلت القوى الشباطية التي لا ترى من هذه الاشتباكات إلا تحريضاً سورياً ضدّها وتصوير نفسها دائماً بأنها مستهدفة لاستثارة العواطف الغربية تجاهها؟
ثالثاً: لماذا يرفض فريق السنيورة الحاكم، تقبّل فكرة وجود تنظيم "القاعدة" في لبنان مع أنّ القضاء اللبناني ولا سيّما القضاء العسكري، حاكم مجموعات لبنانية وعربية اعترفت بانتمائها والتقائها فكرياً وعقائدياً مع هذا التنظيم بدءاً من العام 2000، وصدرت بحقّ أفرادها أحكام مبرمة؟ ولماذا تتعمّد وسائل إعلام السلطة إخفاء حقيقة وجود تنظيم "القاعدة" في لبنان وتحذف كلّ كلمة تأتي على ذكره حتّى ولو كانت ضمن تصريح متلفز وعلني؟
وهل لهذا الأمر علاقة باحتمال ضلوع هذا التنظيم أو أحد فروعه العسكرية والأمنية في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وهو ما يصرّ "الشباطيون" على استبعاده لإبقاء الاتهام السياسي تجاه سوريا قائماً لغايات محض سياسية تتعلّق بالاستفادة من هذا الاتهام، علماً أنّ النائب وليد جنبلاط استيقظ متأخّراً ليبقي فرضية تورّط "القاعدة" موجودة، ولكنّه يبعث الحياة فيها بحسب مشيئته السياسية ومصلحته الذاتية؟
رابعاً: يلاحظ المراقبون فشل إعلام السلطة في زعزعة معنويات عناصر "فتح الإسلام" من خلال اتباعه أسلوب أحمد سعيد ووزير الإعلام العراقي خلال الحرب الاميركية على العراق محمّد سعيد الصحّاف، بالتهويل وتضخيم تعاطيه مع هذه الاشتباكات ومزايدته في التضامن مع الجيش اللبناني ليس دفاعاً عن هذا الجيش، بل للتستّر على الجهة الشباطية التي تقف وراء تربية "فتح الإسلام" وتكبيرها لاستخدامها لاحقاً في الشروع في تنفيذ البند الثاني من القرار الدولي الرقم 1559 والمتعلّق بنزع السلاح الفلسطيني داخل المخيّمات وخارجها.
وهذا ما يُتَرْجَم عملياً في نزعة "الشباطيين" إلى تأييد الحسم العسكري من دون الالتفات إلى خطورة هذا الفعل، وخصوصاً أنّ إطالة أمد هذه الحرب ليس لمصلحة اللبنانيين ولا الفلسطينيين على حدّ سواء.
سادساً: ما هو الهدف من زرع عناصر من "فتح الإسلام" في مناطق وقرى مسيحية، ثمّ السعي إلى الانقضاض والقضاء عليها؟ وما هي الغاية من تخويف المسيحيين؟ وهل للأمر علاقة بترحيل مواطنين لبنانيين وتوطين آخرين والتغاضي عن حقّ العودة وتضييع فلسطين؟!
سابعاً: إنّ المثير للريبة أكثر هو تعميم "الشباطيين" الفوضى والأحداث الأمنية المقلقة، ولو كلامياً، فيتكهّنون بالحدث قبل وقوعه ثمّ يحصل بقدرة قادر وبلعبة استخباراتية غير ذكية على الإطلاق، أو يختلقون الخبر ويروّجون له، وكلّ ذلك يصبّ في إطار خدمة المشروع الشباطي وتضييق الخناق على سوريا، ومنها توقيف شاحنة أسلحة وذخائر في بلدة دورس البقاعية آتية من سوريا لتزوّد الأحزاب الموالية لسوريا بها، ولكنّ تفرّد صحيفة تابعة للسلطة ويشرف على سياستها وزير شباطي معروف بحقده على سوريا بنشر هذا الخبر، ليس بريئاً، فضلاً عن التحدّث عن وجود تحرّكات عسكرية في بلدة قوسايا في البقاع الأوسط وبلدة حلوى في راشيا في إشارة إلى أماكن تمركز الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ القيادة العامة الموالية بدورها لسوريا.
ثامناً: لماذا حاول فؤاد السنيورة ومدير عام قوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي تبييض ساحة السعودية من اشتباكات نهر البارد بالادعاء بأنّ السعوديين الثلاثة الموقوفين سلّموا أنفسهم قبل اندلاع هذه الاشتباكات بعدما "اكتشفوا طبيعة هذا التنظيم الإرهابية وتبيّنوا حقيقته ومخطّطاته الإرهابية". مع الإشارة إلى أنّ السفير السعودي في لبنان عبد العزيز خوجة أكّد بعد يومين من وقوع الاشتباكات في 20 أيار/ مايو 2007، توقيف أربعة مواطنين من بلاده، ولكن يبدو أنّ السنيورة يعرف بشؤون الرعايا السعوديين أكثر من سفيرهم في لبنان، واللافت للنظر أنّه لم تجر إحالة هؤلاء الموقوفين على القضاء حتّى الآن!!.
تاسعاً: لقد بلغت هذه الاشتباكات المفتعلة ذروتها ولم تنفع معها كلّ وسائل العلاج، في ظلّ السعي الحثيث لبعض القوى لإيجاد مخرج مناسب، فإلى أين تقود القوى الشباطية البلد؟
ويجمع غير سياسي على القول إنّ حزب الله أصاب في حذره في مقاربة ملفّ المخيّمات، وهذا ما تؤكّده التطوّرات الأمنية والميدانية في هذه الاشتباكات، بينما غباء السلطة أوقعها في فخّ نصبته لنفسها من دون أن تدري، ولم تعد تتحمّل نتائجه الوخيمة على نفسها، وعلى البلد، وثمّة دليل وهو طلبها مساعدة "عصبة الأنصار" لوضع حدّ لممارسات "جند الشام".
التحقيقات
وعلى صعيد التحقيقات الأوّلية والقضائية مع الموقوفين من عناصر "فتح الإسلام"، أكّدت مصادر مطّلعة لـ"الانتقاد" أنّ الموقوفين من جنسيات عربية مختلفة، وتحديداً هم عشرون لبنانياً، وسوري واحد، وفلسطيني واحد، حتّى الآن جرى توقيفهم خلال هذه الاشتباكات، وليس كما روّجت وسائل إعلام الفريق الشباطي من أنّهم كلّهم سوريون، أو نسيت اللبنانيين وتكلّمت فقط عن السوري، في محاولة لإلصاق تهمة الوقوف وراء تنمية هذه المجموعة الإرهابية بالجارة الوحيدة للبنان، والتستّر على حقيقة من يقف وراءها ومن دعمها مالياً ومعنوياً من "الشباطيين".
ولم يتسلّم القضاء حتّى الآن، أيّة محاضر تحقيق أولي تفيد عن نيّة "فتح الإسلام" القيام بسلسلة تفجيرات في لبنان ومنها تفجير نفق شكا، وإن كانت لديه اعترافات ممتازة من صنف الخطر الذي لا يمكن السكوت عنه.
علي الموسوي
الانتقاد/ العدد 1218ـ 8 حزيران/ يونيو 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018