ارشيف من : 2005-2008

المحكمة الدولية تحت الفصل السابع: أي سيادة تبقى للبنان

المحكمة الدولية تحت الفصل السابع: أي سيادة تبقى للبنان

ماذا بعد صدور القرار 1757 عن مجلس الامن الذي أقر المحكمة الدولية في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري وفق الفصل السابع؟ هل ارتاح الفريق الحاكم الى أخذ لبنان الى  التدويل؟ هل باتت المحكمة منجزة، أم انه لا يزال يلزمها قوانين وتشريعات لبنانية لتدخل حيز التطبيق؟
الاسئلة حول المحكمة أكثر من أن تحصى، والمخاوف التي يطرحها القريبون والبعيدون كثيرة، وفي مقدمها الى اين يمكن أن تأخذ الوصاية الدولية الجديدة لبنان..
صدور القرار الدولي بغير اجماع، كانت تتمناه دول الرعاية لم يوقف السجال السياسي حول مضمون المحكمة وأبعادها وامكانية تسييسها.. وربما سيستمر لفترة طويلة!.
حيثيات إقرار المحكمة وتداعياتها تحت الفصل السابع قاربتها "الانتقاد" من خلال رأي الوزير السابق في الحكومة الاردنية البروفوسير القاضي محمد الحموري والأستاذ في القانون الدولي الدكتور حسن جوني:

يتوجس الوزير السابق البروفوسير الحموري خيفة من "قدوم" المحكمة الدولية الناظرة في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، فهو لا يرى فيها "سوى وسيلة تهديد وابتزاز سياسي تهدف إلى تحقيق مصالح الغرب"، ويذهب أبعد من ذلك عندما يصف المحكمة بـ"باب يفتح على حرب عالمية ثالثة على المنطقة العربية وبوابتها لبنان".
هذا الهاجس يجد ما يبرره الحموري بطرحه سؤالا محوريا على الرأي العام اللبناني مفاده "ما هي مصلحة أميركا في أن تدفع أصدقاءها إلى أن يتبرعوا بمئات الملايين من الدولارات من أجل قيام المحكمة لمحاكمة أشخاص ارتكبوا جريمة في لبنان، إلى هذا الحد الدم العربي مهم عند الولايات المتحدة الأميركية التي تقتل يومياً آلاف المسلمين والعرب!".
ولا يستسيغ الحموري أن يجد نفسه غارقا في وحول السياسة الداخلية في لبنان أكانت موالاة أو معارضة، ما يهمه من كل ذلك "أن يفكروا ملياً بهذا الاندفاع الأميركي الفرنسي في مجلس الأمن الدولي، وهل فيه مصلحة للبنان وللتحقيق في جريمة الاغتيال؟ أم من وراء ذلك أهداف أخرى؟". ويستغرب "كيف سيصار إلى وضع قضاة بمعظمهم أجانب يتولون التحقيق مع أشخاص عرب، في حين أن القانون الجزائي يلزم أن يتم مخاطبة المتهم أو الشاهد بلغته، وهذا لن يتحقق حتى لو تم وضع مترجم وسيط بين القاضي والمتهم".
ويرد الحموري على من لا تسعفه ذاكرته بـ"أن الاتفاق الموقّع بين الحكومة اللبنانية والمنظمة الدولية، واعتبره مجلس الأمن نافذاً فيه تعهد من الحكومة اللبنانية أن تتنازل السلطة القضائية اللبنانية عن اختصاصها وتحيل ما هو أمامها إلى المحكمة الدولية، والسؤال هنا هل من سيادة بقيت للبنان؟!".
ولعل أخطر ما في الأمر برأي الحموري هو "أن تؤسس هذه المحكمة فيما لو كتب لها السير كما هو مخطط، لفتنة مذهبية واقتتال داخلي، لأن نظام المحكمة يفرض على الحكومة اللبنانية أن تستجيب لطلبه لجهة ملاحقة أشخاص واعتقالهم وتسليمهم إلى المحكمة، في الوقت الذي تعتبر فيه المعارضة أصل المحكمة غير دستوري ومنتهك للسيادة اللبنانية، وبالتالي ماذا لو لم تستجب هذه المعارضة على سبيل المثال لقرار المحكمة، هل سيتخذ مجلس الأمن عقوبات اقتصادية وبعدها عسكرية ضد لبنان، ثم ما هو موقف الحكومة اللبنانية؟ هل ستستجيب لقرار المحكمة وتستدعي هؤلاء بقوة السلاح، فإذا ما استجابت فإن الدم سيقع لا محالة.. لكن ثقتي بالجيش كبيرة وهو سيتجنب أي إراقة دماء".
جوني
وينطلق أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية الدكتور حسن جوني في مقاربته لقرار مجلس الأمن باعتماد المحكمة تحت الفصل السابع من سؤال محوري وأساسي، وهو "من هي الجهة التي تحدّد متى يكون هناك تهديد للأمن والسلم الدوليين حتى يصدر قرار وفق الفصل السابع". السؤال هنا مشروع بالنسبة لجوني الذي يستغرب "كيف أن مجلس الأمن اعتبر اغتيال الرئيس رفيق الحريري يهدد الأمن والسلم الدوليين في حين أن عدوان تموز الذي انتهك الحجر والبشر واستباح البلاد لم يلتئم المجلس للنظر فيه!".
ربما لهذا السبب ـ على حد قول جوني ـ "تم جعل هذه الهيئة الدولية ذات سلطة استنسابية"، غير أن ذلك "لا يعني أن لها الحرية المطلقة بل يفترض عليها أن تحترم كامل مواثيق الامم المتحدة وخاصة المادة 2 من الفقرة السابعة التي تنص على عدم التدخل في الشؤون الداخلية، واحترام السيادة والحصانة..الخ".
مغالطة أساسية غدت شائعة بين الناس و"تقوم على اعتبار مجلس الأمن إنما يعبّر عن الشرعية الدولية"، والصحيح بحسب جوني هو "إنها هيئة سياسية تتخذ قراراتها بإجماع الدول الخمس الكبرى، بمعنى قرارها خاضع للابتزاز السياسي وللمفاوضات بين تلك الدول".
ويرى جوني انه "لأول مرة يَفرض مجلس الأمن معاهدة فريدة من نوعها كان من المفترض أن تعقد بين الأمم المتحدة والدولة اللبنانية بعد أن تأخذ بكل الإجراءات القانونية الواجب مراعاتها"، وبرأيه "ثمة خياران لا ثالث لهما بحكم صدور هذه المعاهدة التي حملت الرقم 1757 وهما: إما أن تصدر المعاهدة باتفاق داخلي أو نصدرها نحن، بكلام آخر إما أن تضرب نفسك أو نضربك".
في المقابل ثمة من يشيع بأن الفصل السابع لا ينتقص من سيادة الدولة، فيما هو "انتهاك بحد ذاته، فالدستور اللبناني أعطى الحق للقضاء اللبناني في محاكمة المجرمين وبإنشاء المحكمة، وبالتالي نسأل كيف ستنشأ هكذا محكمة وتنتزع صلاحيات القضاء اللبناني وخاصة فيما يتعلق بنظام العفو العام والخاص" يقول جوني.
حالة واحدة أُجيز لمجلس الأمن التدخل في الشؤون الداخلية وفق كلام جوني و"هي حالة فرض العقوبات الاقتصادية، ونحن لسنا في صددها، فيما هناك إشكالية أخرى تتعلق بالمرجعية التي يمكن أن تصحح مسار مجلس الأمن الذي ينتهك السيادة اللبنانية والمتعلقة بالقانون الدولي العام".
وبما أن "لبنان عضو مؤسس وفاعل في الأمم المتحدة يبقى عليه أن يلتزم القرارات الدولية، وهو أمر يؤكد عليه جوني بـ"شرط أن تحترم هذه القرارات مواثيق الأمم المتحدة، وهو لم يتوافر مع القرار الأخير لمجلس الأمن، وفي حالة كهذه عادة ما يطلب الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية للوقوف على شرعية هذه القرارات".
وهل نحن أمام مفهوم جديد لمعنى الأمن والسلام الدوليين؟ يسارع جوني للقول "نحن أمام  سابقة خطيرة جداً وهي أن يضع مجلس الأمن نفسه مكان المشرع اللبناني".
وماذا عن المهلة المحددة حتى 10 حزيران لإعطاء فرصة أخيرة أمام توافق اللبنانيين على المحكمة الدولية؟ يلفت جوني إلى أنها "مهلة قصيرة جداً، وخاصة أن المحقق الدولي يحتاج إلى وقت كاف لإصدار قرار كهذا"، مكرراً القول بـ"أن ما حصل يضع على بساط البحث كل السيادات في العالم، وهو ما كان عبّر عنه المندوب القطري خلال جلسة مجلس الأمن الأخيرة بقوله هناك تجاوزات قانونية، والاندونيسي بأن ليس هناك أسس قانونية يستند اليها مجلس الأمن، والجنوب الإفريقي بقوله إن مجلس الأمن يعمل بشكل متحيز، والصيني برأيه أن القرار تعسفي ويتدخل في دولة ذات سيادة، والروسي باعتقاده أن ليس هناك مبرر لإنشاء المحكمة بهذه الطريقة".
وإذا كان هناك من يبرر هذه "الفعلة" بالقول ان مجلس الأمن سبق له أن صنف الإرهاب في العام 2001 بأنه يشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين، فيصبح السؤال هنا برأي جوني "لماذا الجرائم التي وقعت بعد 11 أيلول من العام 2001 لم تصنف كذلك؟! ما يؤكد أن هناك أهدافاً سياسية من وراء إنشاء المحكمة، ولا احد بإمكانه أن يقنعنا أن السفير الأميركي السابق في العراق خليل زادة، وهو اليوم مندوب في الأمم المتحدة، يريد حقيقة من قتل الرئيس الحريري في حين إن إدارته قتلت عشرات آلاف العراقيين! أما القول بأن لبنان لا يستطيع أن يحاكم قتلة الحريري، فحتى الساعة لا نعرف من هم المتهمون، اليوم هناك أربعة ضباط تم اعتقالهم بطريقة اعتباطية ومن دون أي مسوغ قانوني، إنما بتهمة سياسية، وهو ما عبر عنه صراحة وليد جنبلاط".
وينصح جوني المسؤولين اللبنانيين "إذا ما أرادوا فعلا محاكمة قتلة الحريري أن يطالبوا بمحكمة على الطريقة الكمبودية، وهي محكمة ذات طابع دولي أنشأتها المحاكم الكمبودية واستعانت بقضاة كمبوديين لتأمين العدالة، لا كما الآن حيث لا دور للقضاء اللبناني، فقط ينفذ ما يطلب منه!".
بالمحصلة يرى جوني "أننا أمام قرار غامض، لكونه في الأساس جاء ليفرض معاهدة تقوم على إنشاء محكمة ذات طابع دولي فإذا بها أصبحت دولية، وبالتالي لا بد من إجراء تعديلات في بنود القرار، ثم إن قرار إنشاء المحكمة تحت الفصل السابع يلزم كل الدول، لكن بماذا سيلزمها في حال رفضت التعامل مع المحكمة الدولية؟ هو فقط يلزم لبنان؟!.. وأما وأن قرار إنشاء المحكمة قد اتخذ يبقى أن السير بها خاضع للظروف والمعايير والتجاذبات السياسية، وأولى أماراتها أن تشكيلها قد يحتاج لسنة تقريباً!".

حسين عواد
الانتقاد/ العدد 1218ـ 8 حزيران/ يونيو 2007   

 

 

  


 

2007-06-08