ارشيف من : 2005-2008
فلسفة الحق والتكريم في نظر وعمل الإمام الخميني
يدخل مفهوم الحق عند الإمام كأصل للحقيقة الدينية المنبنية على التوحيد. فالحق هو أمر تكويني مجعول للخلق بالحق. ولما كان الوجود حقاً، كان كل موجود وجوداً بالحق. وأمر الإيجاد الذي صدر عن الحق سبحانه وكان الخلق، هو عين فيضه الوجودي. ذلك يعني بحسب الفلسفة الإلهية عند الإمام، أن كل موجود حق بحكم كونه وجد بمشيئة الواجب تعالى. وأن كل ما هو غير موجود باطل وعدم. وحين يمضي الإمام في رحلة تأصيل مفهوم الحق يتركز مسعاه على جلاء التواصل الرحماني بين الحق والخلق، ثم ليؤسس رؤيته للحضور الإلهي في حياة الإنسان على مبادئ التكريم، والتسخير، والاستخلاف.
ليس ثمة في مشروع الإمام المعرفي انفصال بين مدارج الحق ومعارجه، وإنما اتصال قائم على تكامل الوجود. وأن مركزية الإنسان فيه تجري على أساس الاصطفاء الإلهي. فليس هنالك من حق في عالم الخلق خارج كينونة الإنسان، باعتباره مخلوقاً اختاره الله تعالى ليكون سيد المخلوقات. فالإنسان وفق الحقيقة الدينية المؤسّسة لمعرفيات الإمام، هو الأشرف مقاماً ورتبة في سلسلة الوجود. والقرآن الكريم كمصدر أول للشريعة سيمنح الإنسان حقّانية وجوده كمخلوق سيّد حين جعله الله خليفة له في الأرض، "وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة" (البقرة ـ 30).
وعلى مبدأ الاستخلاف الذي هو الدرجة القصوى من القرب بين الحق والخلق، أظهر الله الإسلام ليكون الناظم الأكمل، والأتم، والأشمل لحضورية الإنسان في العالم. ومن خلال القرآن الكريم الذي تنزّل على قلب النبي (ص) سيكون الوحي الإلهي هو الفضاء اللامتناهي الذي به يصاب الإنسان بالعناية والهداية والتدبير. وسنجد عند الإمام في تراثه المكتوب وأعماله وفي سيره وسلوكه، كيف أن الإنسان خُلق ليكرّم في عالمي الغيب والشهادة.
وتأسيساً على حقيقة التوسط في الخلق، وعلى مبدأ التدرّج في التشريع القرآني، تبلورت رؤى الإمام حيال التكريم الإلهي لحضور الإنسان وتحيّزه في الزمان والمكان. حيث جعل الله المكان (الأرض)، والزمان (الليل والنهار وعدد الأيام والسنين) ليكونا مطابقين لحكم وجود الإنسان. من هنا نستطيع أن نفهم معنى التكريم بالتسخير. وهو ما يمكن أن نجده مبثوثاً في أدبيات الإمام ومؤلفاته الكلامية والفلسفية والعرفانية. حيث تتجلى الكرامة الإنسانية من خلال العلاقة التبادلية التكاملية بين التكريم الإلهي للإنسان وتسخير العالم له. فالتكريم في مرتبته التالية (التسخير) والذي جاء بعد مرتبة التكريم الخلقي الأول، إنما يدخل في سلّم المراتب التكميلية للإنسان لكي يتمكن من العروج نحو الكمال.
من هنا فإن التكريم بالتسخير هو حق الإنسان بالأمر الإلهي التكويني. ولكن في عالم الخلق تنطبق قاعدة الحق نفسها، إنما باعتبارات الكثرة والشروط الزمانية المكانية المحيطة بالإنسان كفرد وكجماعة، وفي هذا يتساءل عدد من علماء الإمامية المعاصرين وفي مقدمهم الإمام الخميني عن الكيفية التي يمكن فيها تصوّر وجود حق للإنسان على الله تعالى، وعما إذا كان ذلك ملائما لعقائدنا المتعلقة بالله وبالتوحيد الربوبي..
الجواب الذي يظهره بعض علماء الإمامية يقوم على أن الإنسان ليس له على الله حق على نحو الحقيقة، ولكن يمكن استخدام لفظة "حق" في هذا المجال تسامحاً ومجازاً. وعليه يبيّن تلميذ الإمام ورفيقه العلامة مطهّري ما يثبت للذات المقدسة، وهو الغني الكامل والمالك المطلق، من حقوق على مخلوقاته. والعباد مدينون لفضله ونعمه، ومسؤولون عن أوامره وهو غير مدين لأي موجود... ومع ذلك فإن الله برغم ثبوت حق الطاعة له على الناس تفضل على العباد بالرحمة والعناية. وقد عُدّ ذلك حقاً رسمياً للناس عليه. وهذا يعني أنه مع نعمة الوجود ما من أحدٍ له حق المطالبة بالثواب على طاعة نفسه. ومع ذلك جعل الله ذلك اللطف والعناية منه حقاً، وعدّ نفسه مديناً للبشر بإعطاء الأجر والثواب. ولسوف تظهر هذه الحيثية عبر صلة الحق بالعبد، بما هي صلة ربوبية وعبدانية لا انفصال فيها، وهي شرط ترقّي الإنسان بالسير والسلوك وعبر مدارج التخلية والتحلية والتجلية، باتجاه تحصيل مقام الإنسان الكامل.
ولما كان الحق هو كل الأشياء وليس منها في شيء على ما يظهر في فلسفة الإمام فقد تبلورت عندئذٍ القاعدة العرفانية الفلسفية لحل الإشكالية المعرفية الكبرى في العلاقة بين الحق والخلق، أو بين الله تعالى والعالم. فيرى الإمام كما رأى أكابر العرفاء أن "الحقيقة هي ما هو عليه الوجود بما فيه من الخلاف، والتماثل والتقابل.. فعين الشريعة هي عين الحقيقة. والحقيقة هي صفة حقٍ خلف حجاب صفة العبد على ما يقرّر ابن عربي في فصوص الحكم.. وعلى هذا الحيّز المعرفي المعنوي سوف تولد اشراقات النظر عند الإمام على مبدأ الأمر بين الأمرين. حيث يأخذ الحفر المعرفي في فكر الإمام سيريّة فريدة سوف تفضي إلى وجوبية الاستخلاف من خلال قبض المستخلفين في الأرض على ناصية التاريخ، والتمهيد لدولة القسط والعدل العالمية.
إن ما يضع جدلية الحق والكرامة في فلسفة الإمام، في موضعها الخاص، أنها تحركت في حقل الاجتماع السياسي والتدبيري لتنتهي إلى الاستخلاف الإلهي، فالثورة على الظلم وإقامة دولة الحق ستشكلان المآل الأكمل لسريان فلسفة الحق في الزمان البشري.
محمود حيدر/ ملخص البحث المقدم إلى المؤتمر الدولي حول الإمام الخميني قم ـ حزيران 2007
الانتقاد/ العدد 1218ـ 8 حزيران/ يونيو 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018