ارشيف من : 2005-2008
العرفان عند الإمام الخميني (قده)
رائد الصحوة الكبرى في نهايات القرن العشرين الإمام الخميني(قده) الذي انعطف بعالم الوجود من التسافل، وكسر حدة الانحدار للبشر في سلوكهم الجمعي مبعداً بذراعيه الالهيين فساد الغرب وجحود الشرق وتخلّف ما بينهما، ممسكاً بيد الناس بلطف وعناية من اجل الاستجابة لنداء الفطرة في التوق للعدالة وللسلام والطمأنينة، مطلقا ثورة كانت في الظاهر لاسقاط الشاه الا انها ثورة لها امتدادات في اتجاهات الخصوصيات البشرية والنزعات الانسانية والميول الطبيعية التي لا بد ان تستجيب حكماً وفي النهاية لنداء الفطرة بأن لا حكم الا لله، وان لا اله الا الله، وان الحق سيحق ولو كره الكافرون ولو كره المشركون..
من خصوصيات ذلك القائد العظيم الفذ الى جانب شخصية رجل الدولة والمدير الشجاع والقائد الملهم والجماهيري انه كان الرباني الالهي العارف، وليس ذلك فحسب، بل انه اسس لمنظومة عرفان شامخ لم تعرف من قبله حتى قيل عنه انه افضل المخلوقين من غير المعصومين...
فعلى مسافة قرون من عصر الائمة وآلاف السنين من عصر النبوات، وبعد فترة من الغياب والاحتجاب للولي المعصوم، وبعد الشح والنضوب في المعنويات والكرامات اطل روح الله بصفحة وجهه المشرق على الانسان وعالمه وكأنه الكوكب الدرّي المنير في الليالي الحالكات المظلمة، فحط في وسط عالم الانسان في موقع متقدم من هذا العالم ليعلن الثورة، النهضة، ثم الدولة المدنية، ثم التجربة المنهجية الاسلامية السياسية المعاصرة القابلة للتمدد وللانتشار في الماهية الاصيلة للانتماء لا في الخصوصيات القومية للامة الحاضنة للتجربة المؤسسة لها، وفي الوقت الذي كان فيه روح الله الموسوي الخميني (قده) مستغرقاً في صلاة التوحيد والمعرفة الحقيقية مكبرا محرما عن دنيا الزيف والتعلقات الواهية، كانت يداه المرفوعتان احراماً مجذافين عظيمين يرميان بكل عزم الطواغيت والمستكبرين من اجل فتح الطريق لسفينة الامم للتقدم نحو شاطئ الامان والسلامة بعد ان جرفتها رياح المستكبرين الى وسط العباب الهادر المتلاطم العابث بمصيرها الذي يخشى منه على مستقبلها، فاذا بهذين الساعدين الربانيين يقذفان بالحق على الباطل فيدمغه فاذا هو زاهق، فكانت النهضة الاسلامية الانسانية على حساب دولة المستكبرين معلنة قرب رحيلهم وازالتهم عن كامل البشر فيتحقق وعد الله، "ونريد ان نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم ائمة ونجعلهم الوارثين".
ومن مزايا الإمام الراحل العظيم ان منهجه الخاص في العرفان لم يدفعه الى الصدوف عن الاهتمام بقضايا الناس، وانه جعل سفر الاسفار وغاية المنى في كونه خادما للناس، فقدم هذه الخدمة على ما عداها من العبادات، وانه قدس سره جعل الحضور في ساحة الناس هو حضور في ساحة الحق، وان شهود عذابات الناس والعمل على تخفيفها هو شهود للحق، وان النظر في قضايا الناس وفي حوائجهم والسعي من اجل تلبيتها هي النظر الى الكعبة وقبلة الامال، وهي منهجية جديدة ربطت بين الحق والخلق في الوجود من دون منافرة او اندكاك...
ومن خصوصيات منهجه العرفاني ايضاً انه لم يخرج من الزمان ولم يعادِ اهله ولم يتناف مع العصر، بل كان عصرياً مجدداً حداثوياً، فقد اقام الدولة التي تحتضن العلم والعلماء وتطور ادوات التجربة السياسية وتعطي الحقوق وتقيم الحريات وتساوي بين الناس وتنزع الى العدالة وتحترم الاقليات، وليس ذلك بعيدا عن عرفانه ولا امراً طارئاً عليه، ولا في ازدواجية الشخصية، وانما هو العرفان الحق الذي يجعل من صاحبه واسطة رحمة تحتضن وتظلل بالعباءة الواسعة الوارفة كل الناس وعلى امتداد ما تصل ولايتها تبعاً لمقامها الولائي المعرفي. وكذلك من خصوصيات منهجه الشامخ ان اسس للوحدة بين البشر على اساس احترام الشعوب والمستضعفين، فقد دعا الى وحدتهم والى وقوفهم صفاً في قبالة الذين ينهبون خيرات الشعوب ويسلبونها ويعتدون عليهم ويحرمونهم الامن والسلام، ويثيرون الحروب والاضطرابات، ويعبثون بالدنيا من اجل تحقيق مصالحهم الشيطانية، فلم يلهه الاعتكاف او دوام الصلة مع الحق عن الالتفات الى مستضعفي العالم من كل الجنسيات والقوميات والطوائف والمذاهب.
ومن خصوصيات منهجه ايضا انه كان قرآنيا تام الانتساب الى هذا الكتاب العزيز، فقد نهل منه المعرفة وذاق حلاوة الانس بين حروف كلماته وبين سطوره، فهو القائل ان القرآن هو كتاب العرفان الاوحد، وقد تجلى ذلك في اهتمامه بهذا الكتاب ورعايته له ومعايشته لتلاوته، كما ظهر ذلك في اصطلاحاته وشعاراته ونداءاته وخطاباته، فمن القرآن استلهم اسم دولته اللاشرقية واللاغربية، وعلى ضوء مفاهيمه اعتبر ان اميركا الشيطان الاكبر، ومن محتواه اعلن أنه يجب ان تزول اسرائيل من الوجود، وان القدس للمسلمين ويجب ان تعود اليهم، ومن بين طيات كلماته دعا المستضعفين الى التوحد والمسلمين الى الوحدة، فهو العرفاني القرآني الذي احسن استخراج المفاهيم القرآنية الى حيز السلوك من مقام المفهوم والنظرية.
ومن خصوصيات منهجه العرفاني انه اندمج مع منهل العرفان الاتم في مقام الحكمة المتمثل بالقرآن الناطق اهل البيت عليهم السلام، فقد انتسب اليهم ليس بالنسب الطبيعي فقط، بل بالنسب العرفاني التوحيدي العقائدي الاصيل، فاعتبر ان منهجه هو الاسلام المحمدي الاصيل، وانه لم يأت بشيء في هذا المضمار سوى حسن الاخراج للمنهج على ضوء الزمان والمكان الى موقع الفعل والانفعال ليقيم الحق في ساحة الخلق بنفس المبادئ والمفاهيم والاحكام مراعياً لمقتضيات العصر، الا ان الاصالة تبقى للمنشأ وتبقى للمنهج ولاهله، ولاجل ذلك قدم في وصيته ذلك الافتخار بالانتماء الى معدن العلم والحكمة الى ائمة اهل البيت (ع).
ومن خصوصيات منهجه العرفاني التي يجب ان نستحضرها في ايامنا الحاضرة، تلك الدعوة المؤكدة الى الوحدة بين المسلمين، وحدة الهية قائمة على الاعتصام بحبل الله، او هي المصداق لها، وحدة دينية توجب على المسلم بإزائها ان يعمل على تحقيق العوامل المفضية اليها، وان يتجنب ويجانب ويحارب عوامل التفرقة المخلة بها، وفي ذلك امر الهي حازم ونهائي غير قابل للتأويل او التبديل، فالذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً ليسوا من الرسول وليسوا من الاسلام وليسوا من المسلمين، وفي هذا الزمان تشتد الحاجة الى استحضار تلك الدعوة الحاسمة للوحدة في المناخات التي يصطنعها الاعداء والمستكبرون من اجل بث الفرقة بين المسلمين لعلهم يحولون دون صعود مارد الاسلام الحق الذي ما ان تهل طلائع وجهه فإن عيون وقلوب وارواح العالمين ستفزع اليه وتشد نحوه الرحيل، فمن الواجب الالهي ان نمنع المستكبرين من تحقيق امنياتهم بإضعاف الاسلام وابقائه في حالة سبات، وان نساعد ذلك الدين الحق ان يطل على دنيا الوجود وعالم الانسان ليعالج ازماته ومشاكله ويعبّد له الطريق نحو العدالة والسلام والاستقرار.
د.بلال نعيم
الانتقاد/ العدد 1218ـ 8 حزيران/ يونيو 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018