ارشيف من : 2005-2008
شخصية الإمام الملكوتية كما عرفها مسيحي أميركي
بعد أيام من وفاة الإمام الخميني(رضوان الله عليه) أجرت إذاعة صوت أميركا مقابلة مع "هنري برشيت" الذي شغل منصبي الملحق السياسي ثم العسكري في السفارة الأميركية في طهران ما بين عامي "1972 ــ 1978م" ثم شغل منصب مسؤول الشؤون الإيرانية في وزارة الخارجية الإيرانية، فهو خبير مطّلع على الشؤون الإيرانية.
في هذه المقابلة، قال هنري برشيت عن الإمام:
"لا شك أن آية الله الخميني هو من كبار القادة التاريخيين في هذا القرن، ويندر وجود نظير له في نفوذه المعنوي وجاذبيته القيادية ليس في إيران وحسب، بل وعلى الصعيد العالمي أيضاً، فقد استقطب اهتمام القوى الكبرى.
أعتقد أن المؤرخين سيوضحون للعالم يوماً من هو آية الله الخميني الذي لم يعرف بصورة صحيحة بعد. إنه كان بحق الرجل الذي لا يرضى بسوى حكم الله ولا يساوم أحداً..."!
إن من أهم مكامن العظمة في هذا السيد الموسوي ــ رضوان الله عليه ــ شدة تعبده بالأوامر الإلهية، بمعنى انه لا يتحرك إلا وفق الإرادة الإلهية وبإخلاص كامل واستقامة نادرة جذبت انتباه حتى الغرباء، فكيف لا يراها ذو عين بصيرة؟!
هذا التعبد النقي لله جلت قدرته هو العامل الذي استنزل به هذا العبد الصالح النصرة الإلهية التي تتنزل على عباد الله المخلصين الناصرين لدينه، فجعلته يرى يد الله في كل ما حققه من انتصارات.
يقول الشيخ محمد علي الأنصاري الكرماني ــ وهو من المقربين الملازمين للإمام في السنين الأخيرة من حياته المباركة ــ في حديث له عن هذا العبد الصالح (رضوان الله عليه):
"... إلى جانب مظاهر الجرأة والشجاعة التي تجلت في روح الإمام وتحركه في سبيل الله، لم يكن يغفل أبداً عن الأذكار والنوافل والمستحبات؛ فكان يلهج بالتسبيح والأذكار والزيارات حتى أثناء المشي، ويواظب على تلاوة القرآن بذات الصوت الملكوتي عدة مرات في اليوم ... كنا نجده مشغولاً بتلاوته كلما دخلنا عليه ... وينقل نجله السيد أحمد أنه استيقظ ليلة على سماع صوت شجي يتهجد فقام ليشاهد الإمام يصلي في عتمة الليل وقد رفع يديه للسماء والدموع تنحدر من محاسنه الكريمة".
ومعلوم أن هذا العبد الصالح لم يترك صلاة الليل على مدى ستين عاماً من عمره المبارك!
"وخلال 15 سنة قضاها في مدينة النجف الاشرف، واظب الإمام على قراءة الزيارة الجامعة الكبيرة ليليا، وهي تستغرق ساعة كاملة يقضيها إلى جوار مرقد الإمام علي بن أبي طالب".
كان ــ رحمه الله ــ متعبداً بشرع الله في جميع الأحوال، في السراء والضراء، لا يغفله عن ذلك شيء.. يروي نجله المرحوم السيد أحمد ــ رضوان الله عليهما ــ قائلاً:
"في اليوم الذي أعقب مغادرة الملك (محمد رضا بهلوي) لإيران، اجتمع ما يقارب الأربعمئة من مراسلي الصحف والشبكات الإعلامية حول منزل الإمام في ضاحية نوفل لوشاتو، ووضعوا له سريراً خشبياً ليقف عليه فيستطيع الجميع مشاهدته.
جاء الإمام ووقف في المكان المخصص تحيط به عدسات الكاميرات، وبدأ المراسلون بطرح أسئلتهم حول هذه الحادثة المهمة (فرار الشاه)، ولكن الإمام لم يجب إلا عن سؤالين أو ثلاثة حتى ارتفع صوت الأذان من محل إقامته، فتحرك فوراً مغادراً محل المؤتمر الصحفي، قائلاً: لا ينبغي تأخير صلاة الظهر عن فضيلة أول وقتها!
استغرب الجميع هذا الموقف وطلبوا منه أن يصبر دقائق يجيب خلالها عن بضعة أسئلة أخرى لكنه رفض بحزم وغادر المكان ...".
لقد كان أول كتاب صنفه روح الله الخميني هو شرحه القيم لدعاء البهاء المروي عن أهل البيت ــ عليهم السلام ــ لأسحار شهر رمضان، وقد ألفه وهو ابن سبع وعشرين سنة، ويرغم ذلك لا يزال يعتبر من المتون العرفانية المهمة والمصدرية فيما يرتبط بحقائق التوحيد الخالص.
ولنقرأ معاً ما سجله أميركي آخر هو الكاتب المعروف "روبن وودز ورث كارلسف" لدى زيارته طهران سنة 1980م في مهمة لاكتشاف قوة الثورة من خلال شخصية قائد الثورة، الذي يُنظر إليه في الغرب بأنه "رمز لأعنف وأعند كبرياء".
يقول: "ان تصرفات مثل هذا الإنسان تسيطر عليها قوة علم خارقة ربما تقوم بحساب أنشطة العالم الاكبر.. فلم تعد ذات هذا الإنسان المعتادة تحدد تصرفاته أو تتحكم فيها. لقد صارت ذاته كونية. ومن ثم فإن مكانة هذا الإنسان وقدرته العقلية، ومستوى انفعالاته تعكس بالضرورة الحقيقة الكونية (يقصد القوة المهيمنة على الكون، أي الله) التي تتضمنها أحاسيسه ومداركه".
ويتابع: "فالإمام الخميني هو نقطة التضاد للدنيويات الجشعة.. وهو نقطة التضاد للتساهل والتسامح في الانقياد وراء الملذات واستحواذ الانانية على الفرد". مضيفاً: "فليس هناك قائد معروف آخر لديانة اخرى مشهورة حتى البابا.. ليس هناك من يداني الإمام الخميني في شدة القداسة التي يتألق بها".
ثم يقول: "إن أقل ما يمكنني قوله: إنني رأيته كأنه أحد أنبياء العهد القديم.. أو انه موسى الإسلام.. حضر ليدفع فرعون الكافر عن ارضه. ولا يعني ذلك ان الخميني يقارن نفسه بالمسيح مطلقا. ولكنه يتألق بنفس النزاهة التي لا مساومة فيها، والتي لا تقبل أنصاف الحلول. وله قصد لا يحيد عنه قيد أنملة. لقد عاش للإسلام وأصبح الداعي الفعال لإحياء الإسلام، فليس له من غاية سوى تطبيق الإسلام.. لقد اندمجت ذاتيته في كل ما يحمل هدفه الاعلى من معان".
ويختم بالقول: وخلال الثلاثين دقيقة التي قضاها الإمام على المنصة، أحسست بخلايا عقلي وقلبي تفيض كلها بحب جارف، وأن الله يدلنا على كل ما نريد، ويبين لنا عن وجوده وقصده الكامل من خلال مخلوق منا. حتى حياتي كلها، أحسست بمعناها يتضح. واستيقظت معرفتي بمصيري.
اسماعيل زلغوط
الانتقاد/ العدد 1218ـ 8 حزيران/ يونيو 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018