ارشيف من : 2005-2008

طهران في يوم الإمام

طهران في يوم الإمام

طهران ـ مصطفى خازم
 
تحط بك الطائرة في مطار مهراباد الدولي، فتحسب نفسك في مدينة مطارات وليس في مطار واحد.. نعم هي طهران، قبلة الاحرار والثوار، تصلي الصبح وتخرج بصغيرها وكبيرها، كلّ إلى شأنه.. تبقى انت الغريب عنها وفيها، ولكنك ضيف الإمام فاشطب من قاموسك كلمة .. غربة.
كيف لا وإمامها ما زال يحرسها من كل ضيم، رابض على أطرافها يطوقها ويحميها.. ويستقبل ضيوفه وضيوفها..
18 عشر عاما مضت على الرحيل، اليوم.. كأنه ذاك اليوم في الرابع من حزيران/ يونيو 1989..
الناس التي كانت تفترش الأرض في محيط بيت الإمام في جماران تنتظر أخبار وضع الإمام الصحي، تأتي اليه كما لو كان ذاك اليوم هو اليوم..
مشياً على الأقدام، تزحف الجموع الى المرقد المطهر.. على كل الطريق تجدهم يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، من قبل أيام ينطلقون اليه ليستعيدوه بينهم.. وهو الحاضر أبداً.. فيهم.
حضور مذهل، من كل المشارب، من لبنان، وفلسطين، والعالم العربي والعالم الاسلامي.. بل وحتى من العالم..
يحضرون ليتعلموا كيف ان الظلم واحد والمظلوم واحد.. وان الناس سواسية كأسنان المشط، مراجع الدين، وطلاب الجامعات.. والناس العاديون.. الايرانيون وضيوفهم واحد، فلا فضل لعربي على أعجمي الا بالتقوى.
من الإمام القائد، الى رئيس الجمهورية وكل القيادات السياسية والقضائية..
لا كبير بينهم، وكيف يكون ذلك وقد علمهم التواضع.. ينزل المسؤول عن كرسيه وقت حضور احد جرحى الحرب المفروضة ليقعده مكانه، ويجلس بين يديه على الأرض.
في مراسم الإمام الكل في خدمة القادمين اليه.. سائقو السيارات يوقفونها إكراماً للزوار فتفتح لك الطرقات على مصراعيها، شباب الحرس في خدمة الناس، واهالي المناطق التي تمر بها على الطريق في خدمة زوار الإمام (قده).
تدخل المقام فتدخلك الرهبة.. رجلٌ أيقظ مليار مسلم، ليشهدوا منافع لهم.. أعاد الكرامة للشخصية الإسلامية، لم يهادن، لم يستسلم، وحتى لو بقي وحيدا..
لم تخدعه الهمروجة الاميركية، بل حسم الموضوع من اول لحظة: لو قالت اميركا لا اله الا الله.. لما صدقناها"..
و"لو بقي الخميني وحيداً يقاتل اميركا.. فسأفعل..".
ورسم معالم الجمهورية الوليدة، "لا شرقية ولا غربية.. جمهورية إسلامية".
تجلس بين يديه، ولا ترفع نظرك الى المقام خجلاً.. بعضنا شاهد الإمام، وبعضنا سمع الإمام.. وآخرون لم يشاهدوه ولم يسمعوه.. ولكنهم تعلموا دروسه جيداً.
يتحدث السيد حسن الخميني عن الإمام فتدمع العيون، انه بقية الإمام في هذه الدنيا، عاش معه، وتعلم منه.. وفقه شخصيته وتعلقه بالاسلام.
في الليل رئيس الجمهورية الاسلامية الايرانية يخطب في الناس متحدثا عن الإخلاص في شخصية الإمام، فتخنقه العبرة، نعم هو اخبر الناس، يقول: "كان كله لله.." ولذا نصره الله.
وفي نهار المراسم يصعد السيد حسن الخميني المنبر فيعدد مراحل حركة الإمام ويأتي على ذكر الوحدة الاسلامية بوصفها شغل الإمام الشاغل، ليتذكر وليذكر.. إن نفعت الذكرى، لمن لا تزال العصبية تعمي قلبه.. ويعاهد على الاستمرار في الخط مع الإمام القائد..
يدخل  الامام الخامنئي الى المنصة، يقف ويسلم على الناس، نظراته تحضنهم فردا فردا ولا يجلس الا بعد شكرهم، وتأتي الكلمة معالم الطريق الى المستقبل:
"كلمة طيبة كشجرة طيبة تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها".
نعم هذه هي العبرة، كلما كانت القلوب متآلفة، متوحدة على الطريق الواحد المستقيم، ستنتصر.. ويدعو لتشكيل ميثاق لعلماء المسلمين لتوعية الامة من التفرقة والتقاتل.. كيف لا والقرآن يناديهم: "محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم"، وتنبيه من تلويث يدي المسلم بدم اخيه المسلم، فـ"كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه".
يعيد التذكير بكلام الإمام حول المذهبية، "من قال هذا سني وهذا شيعي فهو ليس بمسلم".
وقال ان النظام الاسلامي في ايران لا يختص بمجموعة وفرقة من المسلمين بل هو لجميع المسلمين ولا يتعلق بمذهب خاص.
ويعيد التذكير بأن الإمام انطلق من الاسلام وليس من المذهبية، فهو لم يرسم صورة الجمهورية الاسلامية على الشخصية الشيعية، بل بناها على الاسلام، ما جعلها نموذجاً تهوي اليها قلوب المسلمين السنة كما المسلمين الشيعة.
ويجدد التذكير بالمواقف التي اطلقها الامام (قده)، لن يستطيع احد ان يسلب الشعب ذرة من حقوقه.
وتطرق الى اهم المواضيع السياسية الدولية منها والاقليمية محذرا من مغبة الانجرار وراء السياسات الاميركية التي تحاول اثارة النعرات والفتن بين شعوب المنطقة.
واستطرد قائد الثورة الاسلامية بأن ايران تستلهم تعاليمها من الكتاب والسنة، وتسير بثبات في طريقها برغم ان البعض يعتقد ان التمسك بالكتاب والسنة سوف يحد من تحرك الدولة الاسلامية، وقد اثبتت الجمهورية الاسلامية ان التمسك بالكتاب السنة يجعل الطريق اسهل وتحقيق الهدف اسرع.
هي ايران الاسلام، تغيب عنها، وتعود اليها، فتجدها كما هي في المواقف والثوابت..
27 عاماً ولم تتبدل، ولم تهادن، ولم تتراجع.. دار الاسلام الرحبة التي تتسع للجميع.. وتبقى على عهد الامام الراحل.. المسجد الاقصى والوحدة الاسلامية..

الانتقاد/ العدد 1218ـ 8 حزيران/ يونيو 2006

2007-06-08