ارشيف من : 2005-2008

عقدة كركوك والمطالب الكردية والتهديدات التركية

عقدة كركوك والمطالب الكردية والتهديدات التركية

بغداد: عادل الجبوري
بعد ان فشلت في حسم القضايا الخلافية، طلبت لجنة التعديلات الدستورية المنبثقة عن البرلمان العراقي من الأخير تمديد عملها مرة أخرى لشهر واحد بعد ان كانت قد حصلت على تمديد قبله لمدة خمسة عشر يوما.
من بين نقاط الخلافات والاختلافات بين اعضاء لجنة التعديلات الدستورية قضية مدينة كركوك وتطبيق المادة 140 من الدستور العراقي الدائم، الى جانب هوية العراق، وآلية توزيع عوائد الثروات النفطية على الاقاليم والمحافظات، وتوسيع صلاحيات رئيس الجمهورية. وربما يشكل موضوع كركوك وتطبيق المادة 140 احد ابرز واصعب العقد التي يسعى الفرقاء السياسيين العراقيين الى فكها بأقل قدر من الاستحقاقات.
وتنص المادة 140 على ما يلي:
" أولاً ـ تتولى السلطة التنفيذية اتخاذ الخطوات اللازمة لاستكمال تنفيذ متطلبات المادة (58) من قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية, بكل فقراتها.
ثانياً ـ المسؤولية الملقاة على عاتق السلطة التنفيذية في الحكومة الانتقالية, والمنصوص عليها في المادة (58) من قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية, تمتد وتستمر الى السلطة التنفيذية المنتخبة بموجب هذا الدستور, على ان تنجز كاملة (التطبيع, الاحصاء, وتنتهي باستفتاء في كركوك والمناطق الاخرى المتنازع عليها, لتحديد ارادة مواطنيها) في مدة أقصاها الحادي والثلاثون من شهر كانون الأول/ ديسمبر لعام 2007".
ومن الواضح ان هناك اصرارا كرديا على استكمال تطبيق تلك المادة في السقف الزمني المحدد من دون تأخير او ابطاء. وللاكراد حساباتهم الخاصة التي قد لا تكون خافية على أي طرف كان، وهم منذ زمن بعيد يعتبرون ان كركوك مدينة كردية بل ويعدونها العاصمة الحقيقية لإقليم كردستان، في ذات الوقت الذي يصفها كثير من الأكراد وفي مقدمتهم الزعيم جلال الطالباني بأنها "قدس الاكراد" في اشارة الى مكانتها واهميتها مثلما هو الحال مع اهمية ومكانة مدينة القدس بالنسبة للفلسطينيين وعموم العرب والمسلمين. وهم يسعون جاهدين الى اخراج مئات العوائل العربية التي نزحت اليها خلال عقدي السبعينات والثمانينات بتشجيع وترغيب من النظام السابق، بالتزامن ـ حسبما تؤكد أوساط ومصادر مختلفة ـ مع دفع أعداد كبيرة من الاكراد خلال الاعوام الاربعة الماضية الى الاستقرار في كركوك، في مسعى لإحداث تغيير في تركيبتها السكانية يضمن التصويت لمصلحة انضمامها الى اقليم كردستان في حال تم تنظيم استفتاء بهذا الشأن.
ولعل عموم التوجهات الكردية تثير حفيظة قوى وأطراف سياسية مختلفة سنية عربية وتركمانية وحتى شيعية، فضلا عن قوى إقليمية مثل تركيا التي تتوجس كثيرا من النزعات التوسعية لاكراد العراق. وشهد الاسبوع الاخير قدرا كبيرا من التصعيد مهدت له تجاذبات طفا جانب منها على السطح خلال الاسابيع القلائل الماضية، تمحور معظمها بين اكراد العراق وانقرة، والحشود العسكرية التركية على الحدود العراقية تعد واحدا من اهم مؤشرات التصعيد، والتي سبقتها سجالات كلامية بين رئيس اقليم كردستان مسعود البارزاني من جهة وسياسيين اتراك كبار من جهة اخرى.
ويبدو ان زيارة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي لإقليم كردستان الاسبوع الماضي التي وصفت بأنها رسمية، تعرضت لانتقادات داخلية واسعة، حيث ان البعض قال إنه ليس من المعقول ان يقوم رئيس حكومة بزيارة رسمية لإقليم يفترض انه خاضع للسلطة العليا للدولة، وكذلك قال هذا البعض كيف لا يتم رفع العلم العراقي في اقليم كردستان عند زيارة رئيس الوزراء له، وحتى في اوقات اخرى ايضا.
ومثلما كانت زيارة قام بها رئيس الوزراء السابق ابراهيم الجعفري الى تركيا في اواخر ايامه بالوزارة قد اثارت حفيظة الاكراد في حينه، فإن زيارة المالكي الى اقليم كردستان وبالطريقة التي تمت بها قوبلت بعدم ارتياح تركي حاولت انقرة تجنب اظهاره، ولا سيما ان المالكي وجه رسالة غير مباشرة للاتراك من اربيل مفادها رفض التدخل في الشؤون العراقية وتحذير من ادخال قواتها في الاراضي العراقية.
ويبدو ان المالكي اراد من خلال زيارته الى اربيل ان يخفف من حدة التشنج الكردي، ويحول دون تعرض حكومته الى مزيد من التصدعات بعد انسحاب وزراء الكتلة الصدرية منها، لذلك فإنه قطع وعدا للاكراد باستكمال تطبيق المادة 140 في الموعد المقرر، أي نهاية العام الجاري.
وعلى ضوء القراءات الواقعية للامور فإنه يبدو مستبعدا الى حد كبير استكمال تطبيق المادة 140، وهذا الشيء ربما يدركه الاكراد، بيد انهم يضغطون بشأن هذه النقطة ليحصلوا على تنازلات من قبل الاطراف الشيعية والسنية فيما يتعلق بقضايا اخرى.
ولان حسم موضوع كركوك ينطوي على تعقيدات وصعوبات كثيرة تعكسها الرؤى والتصورات المتباينة الى حد كبير في معظم الاحيان، فإن قادة الكتل السياسية البرلمانية الذين سترفع اليهم لجنة التعديلات الدستورية القضايا الخلافية التي لم تستطع معالجتها والتوصل الى صيغ توافقية بشأنها، سيجدون انفسهم ازاء خيارات صعبة وعسيرة، ولن يكون الافضل من بينها سوى ارجاء الحسم كما حصل في السابق بخصوص قضايا خلافية تماثل قضية كركوك من حيث درجة التعقيد.
وتركيا التي تعد نفسها معنية بقضية كركوك ستضغط على واشنطن بهذا الاتجاه لدفعها لكي تضغط بدورها على الاكراد لابداء المرونة المطلوبة، وتضغط في ذات الوقت على شركائهم الاخرين لتقديم نوع من التنازلات للاكراد ثمنا للمرونة.
ولعل الورقة الرابحة التي يناور ويضغط بها الاكراد هي انسحابهم من البرلمان والحكومة، ومع انه من المستبعد جدا ان يقدموا على خطوة من هذا القبيل لانها في الاطار العام لن تكون في مصلحتهم، الا انهم يدركون ان شركاءهم، وتحديدا الشيعة في الائتلاف العراقي الموحد لا يمكن ان يفرّطوا بسهولة بالتحالف القائم معهم لان التفريط به يفضي الى رسم خريطة جديدة للقوى السياسية العراقية يمكن ان يترتب عليها انقلاب وتبدل كامل في ميزان القوى، وهو ما تطمح اليه وتخطط له اطراف خارجية بالتعاون مع اطراف عراقية، وقد لاحت مؤشرات منه من العاصمة المصرية مؤخرا بإعلان جبهة سياسية جديدة تضم تيارات معظمها مشاركة في العملية السياسية.
وذلك جرس انذار لا للائتلاف العراقي الموحد، بل وللتحالف الكردستاني الذي من المستبعد ان يجد حليفا قويا وموثوقا به مثل الائتلاف.

الانتقاد/ العدد 1218ـ 8 حزيران/ يونيو 2007


 
 

 

2007-06-08