ارشيف من : 2005-2008

زوليك: في البنك الدولي

زوليك: في البنك الدولي

مع ترشيح روبرت زوليك إلى رئاسة البنك الدولي ومغادرة بول ولفوفيتر منصبه مبكراً يكون ثالث الأقطاب المطرودين للمحافظين الجدد قد سقط من دون أن يستطيع الرئيس جورج بوش حمايته، وكان جون بولتون أول المطرودين من منصب السفير في الأمم المتحدة، ثم جاء دور رامسفيلد من وزارة الحرب بفعل اخفاقات حرب العراق، والآن يأتي دور ولفوفيتز إثر فضيحة مدوية تتعلق بفساده الاداري في وقت يرفع فيه البنك الدولي شعار الحكم الصالح (الرشيد غير الفاسد) في إطار تسويق رؤاه الاقتصادية في العالم الثالث، وليست فضيحة رمز المحافظين الجدد ولفوفيتز حصراً بتناقض أدائه مع شعارات البنك الدولي، بل أيضاً في إطار تهشم الصورة المزيفة للمحافظين ككل، الذين جاء تحالفهم مع اليمين الديني البروتستانتي تحت شعارات أخلاقية ذات طبيعة دينية، ليذهب وهج كل هذه الشعارات في غضون النصف الأول من ولاية بوش الثانية.
من هو بوب زوليك وما هي المهام التي تنتظره؟
جاء اختيار بوش لزوليك في اطار تحسين صورة الولايات المتحدة بعد إعصار المحافظين السيئ الصيت لرجل قدمته الإدارات الأميركية على أنه منفتح على العالم الخارجي، وصاحب رصيد كبير في المفاوضات مع الأوروبي في إطار منظمة التجارة الدولية، وأحد العاملين على إدخال الصين إلى هذه المنظمة، بالإضافة إلى دوره في تشجيع الاتفاقيات الثنائية مع بلدان الخليج العربية ودول أميركا اللاتينية، عدا عن عمله مساعداً  لوزيرة الخارجية الأميركية، وكونه شاباً لا يتجاوز الـ53 عاماً ما يتيح له العمل بحيوية في تلك المؤسسة الدولية المؤثرة.
لكن منتقدي تعيين زوليك يتجاوزون البعد الشخصي بما يتعلق بدور البنك وارتباطاته بالبيت الأبيض، إذ أن زوليك خريج المحاماة وغير المتخصص في الاقتصاد وسلوكه الشخصي الفظ مع مساعديه والعاملين معه، لا يمثلان نقداً جوهرياً أمام ارتباطات زوليك مع كارتل شركات الأدوية الأميركية والدولية.
حيث كان دوره الخطير في محاربة ارادة الدول الفقيرة والنامية وبعض المؤسسات الإنسانية والصحية لفك استغلال الدول والشركات الغنية عبر الملكية الفكرية للدواء، وقد استمر زوليك طويلاً في منع حصول الدول النامية وخصوصاً  تلك التي ينتشر فيها مرض الإيدز وأمراض خطيرة أخرى كجنوب افريقيا والهند على حق انتاج أدوية قليلة الثمن ودون دفع تكاليف الملكية الفكرية.
وتضع هذه المسألة الأصبع على الجرح إذ أن مهمة البنك الدولي الرئيسية هي تحقيق التنمية في البلدان الفقيرة والنامية، فكيف يمكن لحليف احتكارات الأدوية التي تساهم في تخلف هذه الدول وزيادة المرض والبؤس فيها أن يساعد على تحقيق تنمية في بلدان هو وصي على وصفات البنك  تجاهها؟
ومن المنطلق نفسه تأتي معظم الاحتجاجات حيث يمثل رئيس البنك الدولي القادم رؤية اقتصادية تقول بمحاربة الفقر عن طريق الاقتصاد الحر والمشاريع الخاصة، أي الرأسمالية بثوبها الجديد، وهي اشكالية تطال عمل البنك على مدى 61 عاماً حيث كثرت اخفاقاته في مجاله الرئيسي، وهو إرشاد الدول النامية في مجال التنمية خصوصاً في فترة السبعينات من القرن العشرين مع اخفاق مشروع بناء مشاريع وبنى ضخمة لم تؤد نتائج تنمية ملحوظة في كثير من البلدان، إلا أن أحد انجازات البنك القليلة كانت زيادة أرباحه الطائلة، ومع تحوله الى "المخ" وتركيز عمله على مجال "المعركة والمعلومات" بات يمثل المستشار الاقتصادي والمالي لدول العالم المتعثرة والنامية، والمحول لبعض المشاريع الهامة الداخلة في هذا الاطار خصوصاً في  مجالات الادارة والمعلوماتية أو حتى مجالات تنموية متعددة.
تدخل هذه المهمة للبنك كمستشار للدول الفقيرة لشؤون التنمية في صلب الدور الموكل لهذه الإدارة المالية في ادارة مالية هذه الدول والسيطرة على اتجاهات الانفاق فيها، وتقديم الوصفات لاداراتها ونماذج الممارسات المالية والاقتصادية والادارية. وهي مهمة تجعل من رئيس البنك مؤثراً في ترتيب أولويات الدول الداخلية وبرامجها التنموية، ما يعني أن وصفة زوليك المستندة الى أيديولوجيا الرأسمالية المستحدثة ستزيد من بؤس الدول النامية المسترشدة بوصفات البنك، والتي تزيد فيها نسب الفقر والغنى مع دخول في العولمة الاقتصادية التي تقودها الولايات المتحدة.
وحتى في هذه النقطة وهي دور البنك في المعركة والمعلومات والممارسات ثمة انتقادات من داخل النموذج الرأسمالي، ومن الأوروبيين خصوصاً، إذ أن ميزانية الأبحاث لتطوير دور البنك نفسه في مجال المعرفة والمعلومات لا تتجاوز الاثنين والنصف بالمئة من كامل موازنة البنك، في حين أنه يصرف 3 أضعاف هذه النسبة على مصاريف ورواتب الهيئة الادارية والتنفيذية الملتحقة به، بما يعول الاميركيون على براغماتية زوليك وكونه جمهورياً تقليدياً وليس محافظاً جديداً لتقديم صورة جديدة لهم في المؤسسات الدولية وللبنك الدولي تحديداً، وهو ما يراود وزير الخزانة الحالي هايك ولسون الذي كان مديراً سابقاً لبنك ونجح في الترشح للوزارة حيث أخفق دوليك إلا أن مجرد بقاء هذا المنصب الدولي في عهدة واشنطن مقابل اعطاء رئاسة صندوق النقد الدولي للأوروبيين يبقى مؤشراً على محاصصة دولية في تقاسم مؤسسات تقدم نفسها مساعدة لدول العالم الثالث في إرشاد اقتصاداتها بينما هي في الحقيقة إحدى أدوات السيطرة العولمية على الطريقة الأميركية.

حسين رحال
الانتقاد/ العدد 1218ـ 8 حزيران/ يونيو 2007


 

 

2007-06-08