ارشيف من : 2005-2008
بوش والسخاء الأميركي
"سخاء الشعب الأميركي هو واحد من القصص الكبرى التي لم يروها هذا العصر". الكلام لجورج بوش والمناسبة هي عملية التودد تجاه أوروبا والعالم والتي قرر إطلاقها خلال مشاركته في قمة الثمانية في هيليجندام بألمانيا بين الأربعاء والجمعة من 8 إلى 11 حزيران/ يونيو الجاري.
والتودد الذي عبر عنه بوش أيضاً بعبارات "نحن أمة عطوفة" و"أميركا اللطيفة والمحبوبة" لا بد أنه على صلة بمبلغ الـ30 مليار دولار، على مدى خمس سنوات، والتي بدأ بالاستثمار فيها حتى قبل أن يقرها الكونغرس كمساعدة أميركية في مجال مكافحة الإيدز في إفريقيا. والتودد اشتمل أيضاً على موافقة بوش، بعد طول تمنع، على إقالة وولفوويتز من منصبه كمدير عام للبنك الدولي بعدما ثبت ضلوعه في عمليات فساد تتنافى مع ما يفترض من أخلاقيات المساعدات التي يضطلع بها البنك المذكور، مثلما تتنافى وقائع السلوك الأميركي العدواني تجاه الشعوب مع ادعاءات الكرم واللطف التي طلع بها الرئيس بوش والتي لا تصمد، فيما يتعلق بمكافحة الإيدز، أمام الجهود المعروفة التي تبذل من أجل المساعدة المقصودة في نشر المرض لأغراض الإبادة في أكثر من مكان من العالم، وأيضاً لأغراض ترويج الأدوية الفاحشة الثمن وفرضها، تحت مظلة حقوق الملكية الفكرية، في مقابل الأدوية المستنسخة التي يجرى إنتاجها في بعض بلدان العالم الثالث، حيث تباع بأسعار رحيمة تقل بعشرات الأضعاف عن الأدوية "الشرعية" التي تنتجها المختبرات الأميركية. ولا بد من الإضافة هنا أن الـ30 مليار دولار التي طلبها الرئيس من الكونغرس، ستدفع فيما لو تمت الموافقة على صرفها، لا على شكل أموال بل على شكل أدوية وخدمات إجراءات بيروقراطية يعود ريعها الفعلي لكبار المتنفذين الأميركيين وسلاسل السماسرة بحيث لا يصل منها إلى المستفيدين غير النزر الكافي للمثول أمام كاميرات التصوير وتعليقات المروجين للكرم الأميركي.
ولم يقف الكرم الأميركي عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى مشكلة أخرى من كبريات المشاكل التي يعاني منها عالم اليوم والتي تحمل الولايات المتحدة القسط الأوفى من المسؤولية عن التسبب في تفاقمها. إنها مشكلة الانحباس الحراري التي سعت الأسرة الدولية إلى الحد من تأثيراتها الكارثية عبر ما يعرف ببروتوكولات كيوتو التي لا تزال واشنطن تنفرد برفض التوقيع عليها لما يمكن أن يلحقه تطبيقها من أضرار بالاقتصاد الأميركي وخصوصاً بنمط العيش الأميركي. لكن الجديد في هذا المجال هو استراتيجية بوش التي سيقترحها على قمة الثمانية، والتي تقوم، بعيداً عن الالتزام بإجراءات الحد من انبعاث الغازات الملوثة، على تفاهم طويل الأمد بين الدول الملوثة حول البحث عن طاقات بديلة أو المتاجرة بـ"حقوق التلويث" عبر اتفاقيات ثنائية تسمح للبلدان الغنية بشراء تلك الحقوق من البلدان الفقيرة على حساب تنمية تلك البلدان وبأموال تذهب في كل اتجاه ما عدا اتجاه التنمية... مبادرة بوش هذه أحدثت، برغم خلوها من حلول عملية وفي الإطار المنظور لبعض جوانب المشكلة البيئية، أصداء إيجابية واسعة في صفوف المتزلفين، لكنها قوبلت بالتشاؤم من قبل كثيرين منهم المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل التي رأت أنها تظل، برغم إيجابيتها، نوعاً من التسوية العرجاء والبعيدة جداً عن الحد المطلوب، وأيضاً عن المصداقية المطلوبة ما دام أنها تعتمد الاتفاقات الثنائية، لا منظمة الأمم المتحدة، إطاراً للتنفيذ.
وبالطبع، فإن الكرم الأميركي في مجالي مكافحة الإيدز والبيئة يظل غشاء رقيقاً لا يخفي عورات المواقف الأميركية في هذين المجالين بالذات، كما لا يخفي ما انكشفت عنه حروب المحافظين الجدد في أفغانستان والعراق وفلسطين ولبنان والصومال وما يرتبط بذلك من مواقف امبراطورية تترجم نفسها عبر فضائح غوانتانامو والسجون السرية وغيرها. مواقف كان آخرها، بالتوازي مع الكرم، إعلان بوش عن عقوبات جديدة ضد ثلاثين شركة حكومية سودانية بسبب ما يسميه بوش بأعمال الإبادة في دارفور، تغطية منه (في ظل ما يشهده العالم من إبادات تقودها أميركا وتمر عليها الأسرة الدولية مرور الكرام) على الطمع الأميركي ببحار النفط الراكد تحت رمال دارفور.
يبقى ان قمة الثمانية التي سيعرض عليها الرئيس بوش "أجندته" الجديدة لإصلاح أوضاع العالم محاطة بالشكوك التي تنصب حول صلاحيتها لقيادة عملية الإصلاح. يكفي مثلاً أنها تضم البلدان الصناعية الثمانية الكبرى التي يعيش فيها 12 بالمئة من سكان العالم، بينما تستأثر بأكثر من 60 بالمئة من مداخيل العالم. ويكفي أيضاً أنها تنعقد، في زمن الأسوار المتكاثرة في زمن الانفتاح وإلغاء الحواجز بين الشعوب والأمم، داخل حي تمت إحاطته لأغراض أمنية بسور من الفولاذ والإسمنت بطول 12 كيلومتراً، إضافة إلى الأسوار البشرية التي تضم عشرات الألوف من رجال الشرطة.
لكن المتظاهرين الساخطين على سياسات العولمة الليبرالية وعلى الضغوط التي يتعرض لها طالبو اللجوء السياسي وغيرهم من المهاجرين، لم يكونوا أقل عدداً أو غضباً من رجال الشرطة. والنتيجة كانت حرب شوارع حقيقية سقط فيها 500 جريح من رجال الشرطة الألمانية وعدد مماثل من المتظاهرين، وذاك في اليوم الأول من الحملة التي أطلقت قبل أيام من انعقاد القمة تحت شعارات رسم السياسات الدولية من قبل الثمانية الكبار.
ويقول منظمو هذه الحملة إنها ستستمر لمدة سبعة أيام يتم خلالها نصب ألوف الخيم ضمن إطار اعتصام واسع النطاق في مدينة روستوك القريبة من مكان اجتماع القمة. وتأتي هذه الوقائع لتعكس عمق الهوة بين التطلعات الأنانية لأكثر البلدان الغنية وتطلعات شرائح هامة ومتزايدة الاتساع من سكان هذه البلدان، من جهة، ثم بينها وبين تطلعات شعوب العالم الثالث التي حولتها سياسات النهب والتدمير المنهجي التي تعتمدها البلدان الغنية، من جهة ثانية، إلى وجودات مهملة بالتوازي مع عجزها المتزايد عن مواكبة متطلبات عالم الاستهلاك الذي تهيمن عليه الرأسمالية المتوحشة. ومن جهة ثالثة، يأتي الخلاف بين واشنطن وبرلين حول المشكلة البيئية والخلاف بين موسكو وواشنطن حول الدرع الصاروخية والحرج الأوروبي تجاه هذه المشكلة ليدلل على أن السخاء وغيره من القيم الحميدة هو، على العكس من إدعاءات بوش، الغائب الأكبر عن قمة الثمانية.
عقيل الشيخ حسين
الانتقاد/ العدد 1218ـ 8 حزيران/ يونيو 2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018