ارشيف من : 2005-2008

صواريخ الحرب الباردة

صواريخ الحرب الباردة

منذ التصريحات التي أطلقها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في شباط/ فبراير الماضي، حول تجاوز واشنطن حدودها في سياساتها الدولية، لم يمر يوم واحد من دون أن يأتي بجديد يدفع باتجاه الاعتقاد بأن عالم اليوم قد عاد عقوداً إلى الوراء باتجاه الحرب الباردة التي كانت قد وضعت أوزارها مع انهيار النظام الشيوعي وحلف وارسو. فقد علقت موسكو عضويتها في اتفاقية الحد من الأسلحة التقليدية رداً على مشروع الدرع الصاروخية الذي قررت واشنطن إقامته قريباً من الحدود الروسية في بولندا وتشيكيا، وكذلك على القواعد العسكرية الأميركية التي باتت تمتد من رومانيا إلى قيرغيزستان، أي في المنطقة التي تشكل المجال الحيوي التقليدي للنفوذ الروسي منذ ما قبل الحقبة السوفياتية. ومع اقتراب قمة الثماني، صعّدت موسكو هجومها على الدرع الصاروخية التي قال عنها أكثر من مسؤول روسي إنها ستحوّل أوروبا إلى برميل بارود نتيجة لمساعي الهيمنة الهادفة إلى تكريس الأمبريالية الأميركية. والجديد هو اللهجة الساخنة التي طبعت تصريحات المسؤولين الروس من سيرغي لافروف، وزير الخارجية، الذي أكد أن نشر الصواريخ الأميركية سيجبر روسيا على ضرب ما يشكله ذلك من تهديد لروسيا، إلى فلاديمير بوتين الذي اعتبر، بعد الإعلان الروسي، في 30 أيار/ مايو المنصرم، عن قيام روسيا باختبار صاروخ جديد عابر للقارات وقادر على حمل عدد من الرؤوس النووية، أن الدرع الصاروخية الأميركية تزيد من خطر نزاع نووي وتخل بالتوازن الاستراتيجي في العالم. وبعد أيام، عاد بوتين ليهدد بتصويب الصواريخ الروسية نحو أوروبا في سابقة أعادت إلى الأذهان أشد اللحظات تأزماً في تاريخ الحرب الباردة أثناء العدوان الثلاثي على مصر والمواجهة الأميركية ـ الروسية حول كوبا. وجاءت الردود بالمستوى نفسه من قبل مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، ستيفن هادلي، الذي وصف تصريحات بوتين بأنها كلام غير بنّاء، ومن قبل مصادر الحلف الأطلسي التي وصفته بأنه غير مفيد وغير مناسب. أما الأوروبيون الذين عادوا إلى الشعور بالورطة، بين السندان الأميركي والمطرقة الروسية، كما في عزّ احتدام الحرب الباردة، فقد اتسمت مواقفهم بعدم الوضوح والدعوات إلى الحوار والثقة والصراحة من قبل رئيس الوزراء البريطاني المنتهية ولايته، طوني بلير، المعروف بتبعيته المطلقة للبيت الأبيض، ومن قبل الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الذي يجتاز، مع بداية ولايته، امتحاناً صعباً بين خياري الولاء المطلق لواشنطن والخيار الديغولي الذي حاول سلفه جاك شيراك، دون كبير نجاح، أن يحافظ على الحد الأدنى من استقلاليته عن السياسات الأميركية والأطلسية. وفي هذه الأثناء، بدأت أزمة الدرع الصاروخية تلقى بظلالها على الشارع الأوروبي، حيث أظهرت استفتاءات محلية في المناطق التشيكية القريبة من موقع إقامة رادار أميركي مرتبط بشبكة الصواريخ أن أكثرية السكان تعارض إقامة مثل هذه المنشآت في تشيكيا، في حين تصر السلطات التشيكية على موقفها الرافض لإجراء استفتاء على المستوى الوطني.
وبالإضافة إلى المشكلات التي دفعت باتجاه تفاقم الأزمة بين واشنطن وموسكو بالشكل الذي تفوح منه روائح الحرب الباردة، برزت في أجواء قمة الثماني عناصر تدفع بالاتجاه نفسه ولكن من الجانب الصيني هذه المرة. ففي رد استباقي على ما يمكن أن تتخذه القمة من مواقف تجاه ما يعتبره الأميركيون والأوروبيون تغلغلاً صينياً في إفريقيا، وخصوصاً تجاه التعاون بين الصين والسودان، أصدرت الحكومة الصينية وثيقة شددت فيها على العلاقة التاريخية بين إفريقيا والصين، مع التأكيد على انطلاق هذه العلاقة منذ لحظة انتصار الثورة الصينية بقيادة ماو تسي تونغ، في كلام من شأنه أن يثير القشعريرة عند الزعماء الغربيين لجهة ما تعنيه عودة الحياة إلى الحلف السوفياتي ـ الصيني خلال الفترة الأشد حدة من فترات الحرب الباردة. وخلافاً للرغبات الغربية، أبرزت الوثيقة رفضها لنشر قوات دولية في السودان من دون موافقة الحكومة السودانية، كما انتقدت بشكل واضح استخدام الأمم المتحدة كأداة في الصراعات الدولية، منوهة بأن دور المنظمة هو في استباق الصراعات وتصفيتها والقيام بأعمال الإعمار، وذلك في بادرة قابلها الأوروبيون بالكثير من الانزعاج. وعلى ذلك، تكون بوادر الحرب الباردة قد بدأت بالاتساع والتعمق لتؤكد فشل مشروع القطبية الأميركية والحاجة، أكثر من أي وقت مضى، إلى عالم متعدد الأقطاب يسعى جدياً لحل الخلافات انطلاقاً من المصالح الإنسانية المشتركة، كبديل إجباري عن لغة الصواريخ العابرة للقارات. 

عقيل الشيخ حسين
الانتقاد/ العدد 1218ـ 8 حزيران 2007

 

2007-06-08