ارشيف من : 2005-2008
حقائق مفزعة بعد 40 عاماً من التهويد والتهجير، ذكريات احتلال القدس عام 67... حكايا مجبولة بالصدمة والألم
القدس ـ ميرفت صادق
في الذكرى الأربعين لاحتلال القدس، يتوقف الشيخ ناجح بكيرات، وهو الرجل المفوه وصاحب الأثر الكبير في حماية تراث المسجد الأقصى، قليلا بصمت، لاستعادة ذكريات اليوم الأول لاحتلال القدس، حيث بعض الكلمات ستخرج موجعة، وأخرى ستحكي صدمة عالقة في ذاكرة طفولة هامت على وجهها في الجبال طلبا للأمن، حتى إذا عادت الى حيّها.. طاردتها "عفاريت" على هيئة بشر..
في الخامس من حزيران/ يونيو عام 1967، مشهد متكرر آلاف المرات، حيث "أم يلفها الخوف تلملم أطفالها الأربعة، وزوج بعيد يعمل في العراق، وتخرج هائمة على وجهها، ولا صوت يرافق الهاربين سوى البكاء تحت أزيز طائرات لا تتوقف"...
يروي الشيخ ناجح بكيرات، من ذاكرة طفولة لم تتجاوز في حينها سنواتها العشر الأولى، وهو الذي سيصبح فيما بعد رئيس قسم المخطوطات في المسجد الأقصى.. كيف تحولت القدس إلى "أندلس العرب المفقودة شيئا فشيئا"..
ويقول بكيرات: "لم نكن نعلم من زرع فينا ثقافة الهرب هذه، أم أنها مجرد ردة فعل طبيعية في محاولة للهروب من عدو لم نسمع عنه سوى قصص القتل والدمار.."، ويضيف: "في ذلك اليوم هربنا من مكان سكننا في منطقة صور باهر شرقا باتجاه الحدود مع الأردن بعد أن وردت الينا الأنباء بأن اليهود في الطريق لاحتلال الأقصى... وحتى اليوم أحاول أن أفهم مشاهد اعترضتنا في طريقنا بالقرب من منطقة التعامرة، ولا أستطيع.. حيث عناصر من الجيش العربي تبدل لباسها العسكري بلباس النساء وتلتحق بركب الهاربين.. كانت صدمتي الأولى، وما زالت.."..
وخلال مشوار الهروب الذي استمر ساعات حسبها الناس أياما وهم بين باكٍ وصامت، بدأت طائرات الاحتلال باستكمال دور القوات التي دخلت المدينة من بواباتها المختلفة، حيث يستذكر الشيخ بكيرات: "شرع الطيران الاسرائيلي بقتل المدنيين الفارين، وراح يلقي علينا القنابل المحمومة في منطقة وادي الحصا، بين التعامرة وصور باهر، لكن عناية رب العالمين أنقذتنا حينها"، ويعلق الشيخ: "هذا يدلل على أن "اسرائيل" منذ القدم لا تفرق بين عسكري فلسطيني أو مدني، وكان همها سلب أرض بلا شعب، حتى لو قتلت هذا الشعب كله".
في المغاور مع الأمل...
وبعد حين وصل الآلاف من سكان أحياء المدينة التي ظن سكانها أنها عصية عن السقوط بسبب وجود "الحاميات العربية" فيها، إلى المغاور، "وفي مغارة واحدة أقمنا مع مجموعة فاقت 150 نفرا في منطقة البقعة قرب البحر الميت، بلا طعام إلا ما ندر، لمدة 3 أيام.." يروي الشيخ بكيرات.
وفي هذه الأيام، كانت قلوب الناس معلقة بمذياع صغير يروي حكايات "البطولة العربية التي اختفت فجأة، لتعلن اسرائيل في اليوم الثالث سيطرتها على القدس" حيث احتل الجيش الاسرائيلي القدس ودخل المسجد الأقصى مباشرة.
وبعد ذلك، قرر الناس العودة الى قراهم ومدينتهم، يقول الشيخ ناجح: "لكن أكثر من النصف لم يعودوا... قرروا الهرب مشيا على الأقدام إلى الأردن بعدما تفشت بينهم روايات الذبح التي تمارسها العصابات الصهيونية".
"وعندما عدنا، يروي بكيرات، وجدنا الجيش الاسرائيلي قد اتخذ من المدارس ثكنات له، وظننت أنهم أنفسهم كانوا أيضا خائفين منا حيث طلبوا من السكان رفع الرايات البيضاء، وكنت بسذاجة طفل، أتساءل لماذا هذه الراية" عشان ما يطخونا "أجابني البعض"..
احتلال الأقصى..
وفي ذاك اليوم احتل الجيش الاسرائيلي المسجد الأقصى على وجه السرعة، بعدما انسحبت "الحامية الأردنية" منه، حيث دخل الضابط الاسرائيلي المعروف حينها جورج مردخاي من باب الأسباط، في حين اختار موشيه ديان الدخول من باب المغاربة عنوة، حيث كسرت الأبواب وسمح للقوات باقتحام الأقصى ورفع العلم الاسرائيلي عليه لمدة 3 أيام. وراح الجنود "يرقصون ويغنون أياماً بلياليها"، حتى احتج الشيخ طلعت المحتسب إمام المسجد الأقصى في حينها لدى السفير التركي في القدس، الذي طالبهم بإنزال العلم الاسرائيلي "لأن الحرب بين العرب واسرائيل، وليس بينهم وبين المسلمين" كما قال.
ومنذ ذلك الحين اتفقت "اسرائيل" على أن تتبع هذه المقدسات في ولايتها الدينية للسلطات الأردنية، في حين يبسط الاحتلال عليها سلطاته وسيادته العسكرية.
ثم بدأت المخططات...
وكان أن عاد الناس الى بيوتهم، وبدأت المدينة تضج بخطط مبيتة، حيث انتشر الجيش في كل بقعة منها، واستجلب اليهود المتدنيين لسكنها، و"كان المشهد مرعبا" كما يقول الشيخ بكيرات: "أول مرة نشوف يهودي بسوالفه ولباسه الأسود.. حتى ظننا أنهم عفاريت وليسوا بشرا".
واتبعت سلطات الاحتلال في العهد الأول لاحتلال القدس سياسة "تعمية قلوب الناس"، حيث فتحت أبواب العمل على مصارعها، وحاول الاحتلال توفير جو من الرخاء الاقتصادي لإلهاء الناس، وفاقت قيمة العملة الاسرائيلية، بسبب هذا الاقبال على العمل، قيمة الدينار الأردني، وصار العامل الذي كان يتقاضى 5 دنانير قبل الحرب يجني خمسين دينارا وأكثر.. حتى أغرق المقدسيين بالذات، في ملهاة أبعدتهم عن ملاحظة سير المشروع الصهيوني المتسارع في القدس.
40 عاما... تغيرت المدينة والناس..
ماذا تغير في المدينة منذ ذلك الحين؟
سألنا الشيخ بكيرات، فقال: "كانت القدس قبل الاحتلال شيئا.. وصارت حدثا آخر، ففي حين كنا نتطلع للعودة الى مناطق القدس التي احتلت عام 48 مثل المالحة ودير ياسين وام طوبا، وكنا نحلم بأن نلتقي بالأولاد هناك ونلعب معاً... الا اننا سقطنا في المصير ذاته..".
ويضيف: "اليوم تسكن الغربان على بوابات المدينة، وقد هجر الناس، وبنى اليهود العمارات الشاهقة، وسيجت القدس بجدار قسمها شطرين، وصارت مدينة للأمل بعدما ظنناها مكانا للتأمل... وأظنها ستلاقي مصير الأندلس وسيرحل عنها آخر عربي كما حدث يوما، إن لم تعترنا صحوة باتساع الأمة".
معطيات مفزعة..
وفي مواجهة الذكريات أيضا، تقف على أعتاب القدس اليوم "حقائق مفزعة"، نشرها الائتلاف الأهلي للدفاع عن حقوق المقدسيين في القدس، حول تهجير سكان المدينة وانعكاسات سياسات الاحتلال الاسرائيلي منذ سقوط المدينة عام 67.
وحسب التقرير فقد استولى المحتلون الصهاينة على 84% من مساحة القدس عام 1948، ثم قاموا باستكمال احتلال الباقي في نكسة عام 67. ويبلغ عدد السكان المقدسيين بسبب عمليات تفريغ المدينة من سكانها اليوم 254 ألف نسمة فقط "يحملون الهوية المقدسية الزرقاء"، في حين لا يتجاوز عدد السكان العرب في البلدة القديمة منها 36 ألفا فقط، تعمل سلطات الاحتلال على تضييق سبل عيشهم وتجند كل السبل لطردهم خارج حدود المدينة واحلال اليهود مكانهم، وحرمانهم من جميع الحقوق وعلى رأسها العودة الى مدينتهم.
وفي الوقت الذي أطلقت حكومة الاحتلال دعمها غير المحدود للمستوطنين الذي يسكنون المدينة، ووفرت لهم كل الإمكانيات المادية التي سمحت بالسيطرة على أراضٍ واسعة وصادرت لحسابهم آلاف المنازل، لم يتبق للعرب الفلسطينيين سوى أقل من 14% من مساحة أراضي القدس.
وحسب التقرير فقد ارتفعت نسبة الفقر في أوساط المقدسيين إلى أكثر من 50% بعد أن استشرت البطالة وبلغت نسبة تفوق 40%، وأصبح المقدسيون مجبرين على دفع ما نسبته 33% من الضرائب المفروضة على السكان برغم أنهم لا يتلقون سوى 5% من نسبة انفاق الحكومة الاسرائيلية على سكان المدينة.
وتسبب جدار الفصل العنصري في التهام معظم أراضي القدس حيث يمتد بطول 181 كيلومترا على أراضي المحافظة، متسببا في تهجير الآلاف من السكان بسبب فصلهم عن خدماتهم الصحية والتعليمية وعن وظائفهم وعائلاتهم أيضا.
" لسة القدس بتحكي عربي"
وبرغم هذه السياسات الممنهجة الهادفة الى تحويل القدس الى "مدينة يهودية خالصة" من خلال طرد سكانها منها، وتحويل العرب فيها الى أقلية في مدينة يهودية، كما يصرح كبار الساسة الاسرائيليين، إلا أن الشيخ ناجح بكيرات يؤكد أن القدس ما زالت عربية، وستبقى كذلك بفعل صمود أبنائها وآلاف المقدسيين الذين تربوا على حب الأقصى والدفاع عنه، حاثاً العرب والمسلمين على التحرك، لأن القدس "لسة بتحكي عربي".
الانتقاد/ العدد 1218ـ 8 حزيران/ يونيو 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018