ارشيف من : 2005-2008

نصر الله: الجيش خط الأحمر ونرفض تحويل لبنان إلى ساحة قتال بين الأميركيين والقاعدة

نصر الله: الجيش خط الأحمر ونرفض تحويل لبنان إلى ساحة قتال بين الأميركيين والقاعدة

أكد الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله "أن أي اعتداء على الجيش والقوى الأمنية اللبنانية هو أمر مدان من أي جهة صدر، وهو خط احمر"، لكنه في الوقت نفسه شدد على "أن دخول المخيم خط احمر"، وقال في العيد السابع للمقاومة والتحرير: "لا يمكن أن نقبل أو نغطي ولا يمكن أن نكون شركاء في تغطية حرب مخيمات لا نعرف الى أين توصلنا"، متسائلاً "هل المطلوب تحويل لبنان إلى ساحة قتال بين الأميركيين والقاعدة".

وإذ نبه إلى "أن أي قرار بالدخول إلى مخيم نهر البارد هو تضحية بالجيش اللبناني وبالشعب الفلسطيني وبلبنان" قال: "هناك من يريد أن يعيش على إحياء أحلام ومشاريع قديمة" متسائلا عن "سبب هذه الغيرة الأميركية المفاجئة اليوم على الجيش اللبناني"، داعيا إلى تشكيل حكومة إنقاذ نستطيع من خلالها أن "نحافظ على مكتسبات المقاومة والتحرير، ونحافظ على سيادة بلدنا واستقلاله، ونصحح المسار السياسي ونتعاون مع بعضنا البعض ونتجنب أي صراع طائفي او مذهبي وأي صراع لبناني فلسطيني".

مواقف السيد نصر الله جاءت في خطاب متلفز ألقاه مباشرة عبر شاشة تلفزيون المنار، بعد إلغاء الاحتفال المركزي الذي كان مقرراً لمناسبة عيد المقاومة والتحرير وذلك بسبب المستجدات والاحداث الامنية التي حصلت.

واستهل سماحته كلمته بتوجيه التهاني بالعيد، وقال: "إن يوم 25 أيار من عام ألفين شهد انتصارا تاريخيا كبيرا على العدو الصهيوني اعترف به كل العالم واعترف به قادة العدو السياسيون والعسكريون، ولم يقدّر للأسف لهذا النصر ان يعطى حقه، ولم يقدّر أن يعطى لهذه التجربة الفريدة المشرقة حقها". ثم قسّم سماحته كلمته إلى ثلاثة عناوين، هنا أبرز ما جاء فيها:

 

الوفاء للمقاومة

ـ العنوان الأول، له صلة بميزة مهمة من شخصية المقاومة وحقيقة المقاومة في لبنان من باب الوفاء لها:

أريد أن أتناول هذا الجانب من باب الوفاء للمقاومة ومجاهديها وشعبها، أود أن أسلّط الضوء على جانب واحد فقط، المعروف عن المقاومة في لبنان انه شارك بها قوى إسلامية ووطنية عديدة منذ العام 1982 والجميع شارك في إنجاز التحرير في العام 85 وصولا الى الشريط الحدودي، واصلت العديد من القوى الوطنية والإسلامية عمليات المقاومة إلى أن تحول مع الوقت حزب الله إلى العمود الفقري للمقاومة.

المقاومة في لبنان معروفة في بعدها العسكري وقدرتها على التخطيط وأدائها الميداني، لكن من أهم ميزات المقاومة هي الالتزام. نحن في لبنان أمام مقاومة ملتزمة، واعني الالتزام الإنساني والإيماني والأخلاقي والوطني. إزالة الاحتلال عن أرضنا واستعادة تحرير الأرض والأسرى كانت بالنسبة لنا ولأهل المقاومة هي قضية مقدسة وواجبا دينيا ووطنيا وأخلاقيا، وهذه الصبغة تنعكس على المجاهدين وأهل المقاومة وسلاحها وسلوكها وعملها، لذلك كنا نجد الحرص على دماء الناس في عملياتها. هذا الجانب الذي تعاني منه بعض الحركات والمجموعات التي تتحدث في هذه الأيام عن المقاومة. العمليات كانت تستهدف قوات الاحتلال ولكن لم تستهدف المدنيين اللبنانيين في الأراضي اللبنانية ولم تستهدف مطلقا الأبرياء، ولذلك كنا نجد أن العديد من العمليات كانت تعطل بسبب وجود مدنيين، وكانت المقاومة تحرص على الناس، وكان هذا يؤثر في أدائها وفي عملياتها، وكانت المقاومة تحرص حتى على حياة عائلات العملاء، وهناك شواهد لا داعٍ لذكرها الآن.

البعض اليوم يطبق فكرة "التمترس" خطأ، يقول لك العدو يتمترس بالمدنيين، وهذا يبيح له قتل المدنيين من شعبه وهذا خطأ. ما المانع من تأجيل العملية يوما أو يومين حتى يبتعد المدنيون الأبرياء، وهذا الأمر متيسر في كل أعمال المقاومة. حتى العملاء كان هدفنا في المقاومة إنقاذهم، وحتى عندما كنا نهددهم بالقتل كنا نريد لهم أن يتوبوا ويهربوا، أن يتركوا هذه المواقع، ولذلك في أي فرصة كانت تفتح أبواب التوبة والهروب لم نكن نلحق بأي هارب، لم نكن نتبع احدا ولم يكن لدينا هواية سفك الدماء حتى ولو كانوا عملاء، ولذلك تركزت عملياتنا بشكل أساسي ضد الجنود الإسرائيليين. وفي يوم التحرير عندما انهارت ميليشيا العملاء وتجمع المئات أمام بوابة فاطمة كانت المقاومة قادرة على قتل الكثيرين منهم، ولكن لم نفعل طالما أنهم أخلوا ساحة القتال وهربوا، هل المهم ان نسفك دماء الناس؟ فلنترك لهم فرصة للعودة والتأمل.

 

حزب الله والمعترك السياسي الداخلي

ـ العنوان الثاني: له صلة بدخول حزب الله إلى الحياة السياسية اللبنانية في السنتين التاليتين:

دخل حزب الله إلى الحياة السياسية اللبنانية في 14 شباط عام 2005 يوم ضرب زلزال كبير هذا البلد الصغير، وكانت الجريمة الكبرى التي أودت بحياة الشهيد رفيق الحريري وعشرات من المواطنين اللبنانيين، وبدا ان لبنان دخل نفقاً مظلماً لا نعلم نهايته، عند هذا التهديد وجدنا في حزب الله أن واجبنا يقضي أن نحضر بقوة من اجل المساعدة في إنقاذ بلدنا من المخاطر التي بدأت تتهدده من كل الجهات، وان نقول كلمة الحق ولو كانت صعبة، وان نعمل للحفاظ على مصالحه الوطنية حتى لو اقتضى ذلك أغلى التضحيات. نحن نشعر بهذه المسؤولية ايضاً، هناك كثيرون ضحوا من اجل لبنان، لكن نحن من الذين كانوا الأكثر تضحية من اجل لبنان، وبالتالي حزب الله لا يمكنه أن يقدم هذه القافلة من الشهداء لتحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي ثم يترك لبنان في مهب الريح. قضية الكرامة والسيادة والاستقلال لا تتجزأ، وحيث تكون معركة من هذا النوع واجبنا أن نكون.

 

قتال "إسرائيل" أنظف

نحن عشنا التجربتين، العمل في المقاومة والقتال ضد "إسرائيل" أنظف واشرف وأقدس وأحسن للإنسان ولأخلاقه ونفسيته من العمل السياسي الداخلي في لبنان ـ للأسف الشديد ـ والقائم في اغلب قواعده على الكذب والخيانة والغدر والألاعيب والاحتيال، وهذا بالنسبة لنا صعب ولا نستطيع ممارسته.

بناء على هذا الإحساس بالمسؤولية دخلنا إلى الحياة السياسية بقوة وشعرنا بحجم المسؤوليات وبضخامة الدور الذي يمكن أن يلعبه حزب الله الذي كان خارج كل اللعبة السياسية في البلد والصراعات السياسية في البلد. من اللحظة الأولى كانت أولوياتنا واضحة وثابتة: تجنيب لبنان أي فتنة داخلية تحدثها الاتهامات العشوائية بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. مذكرا بالاتهامات التي صدرت لأحزاب وغير أحزاب ومحاولة اتهام الشيعة بقتل الرئيس الحريري من اجل اثارة فتنة شيعية سنية.

ومن ثوابتنا تجنب قتال لبناني ـ لبناني بناء على قاعدة طائفية أو على قاعدة مذهبية بين السنة والشيعة والسنة والدروز. تجنب أي صراع لبناني فلسطيني لان هناك حديثا يدور عن سلاح المخيمات والقواعد العسكرية الفلسطينية والسلاح الفلسطيني خارج المخيمات وهذا الأمر يؤدي إلى صدام إن لم يعالج بالطريقة المناسبة، ويجب أن نعمل على أن نجنب لبنان أي صراع لبناني فلسطيني، وكذلك تجنب أي صدام لبناني ـ سوري بسبب المناخات التي سادت الحادثة واتهام سوريا وتحميلها كامل المسؤولية، مع العلم انه كان هناك مناخ قاس جدا في لبنان لو سرنا معه كان لبنان بأكمله يسير باتجاه العداء لسوريا. وهنا نسأل عند ذلك أين نعيش في ظل هذا الوضع؟ سوريا عدو و"إسرائيل" عدو وليست جارة كما اشتبه بعض النواب، وخصوصا ان كل هذا الصراع والاتهام مبني على اتهام سياسي وليس على أدلة قضائية أو جنائية.

الحفاظ على الدولة وثوابتها

كنا قلقين على انهيار الدولة نتيجة التطورات الداخلية فكان من ثوابتنا الحفاظ على الدولة وعلى مؤسساتها الأمنية والمدنية والعسكرية وخصوصا مؤسسة الجيش اللبناني الذي تعرف قيادته موقفنا وكان رأينا وما زال أن مؤسسة الجيش اللبناني بالتحديد هي التي باتت تشكل الضامن الأساسي والمركزي للسلم الأهلي والأمن والاستقرار والوحدة الوطنية وبقاء الدولة في لبنان، ولذلك خلال العامين الماضيين كنا نحرص أن لا يجر الجيش اللبناني في الصراعات الداخلية ولو كان ذلك على حسابنا. ومن ثوابتنا التي دخلنا على اساسها الحياة السياسية اللبنانية، الانفتاح على الجميع وتجاوز كل صراعات الماضي وحساسياته. ومن ثوابتنا الدعوة إلى الحوار والتلاقي واسترداد الحوار وكنا نؤكده دائما, وحتى المقدس عندنا المقاومة ومستقبلها وسلاحها كنا جاهزين للجلوس على الطاولة وخوض الحوار في هذه المواضيع التي نعتبرها مقدسة. ومن ثوابتنا وخلفياتنا التي دفعتنا للدخول في الحياة السياسية العمل من اجل حماية المقاومة التي تحمي لبنان لان المقاومة كانت مستهدفة بوجودها وثقافتها وحتى باسمها. هذا اليوم اسمه عيد المقاومة والتحرير لكن عند البعض من الناس أصبح اسمه عيد التحرير، ويأتي يوم يصبح الذي حرر لبنان هو المساعي السياسية ويصبح السيد عباس الموسوي وراغب حرب وبلال فحص وجميع الشهداء قطّاع طرق.. نصرّ على أن هذا العيد هو عيد المقاومة والتحرير، وأيضا العمل على أن يكون لبنان للبنانيين وان لا يصبح خاضعا للإدارة الأميركية ولا ساحة نفوذ وسيطرة لها ولمشاريعها. بهذه الخلفية دخل حزب الله الى الحياة السياسية بقوة لا طلبا في مقاعد نيابية اضافية، ولا طمعا بوزارات، فضلا عن ان يكون هدفه السيطرة على الحكومة أو إقامة دولة ولاية الفقيه كما يتحدث البعض، على هذه الخلفية عقدنا تحالفاتنا الانتخابية النيابية وكان التحالف الرباعي بحسن نية. إن هذا التحالف يحقق الأهداف التي ذكرتها ويجنبنا الفتن الطائفية والمذهبية والخ ... وبهذه الخلفية شاركنا في حكومتي الرئيسين ميقاتي والسنيورة، وذهبنا بجد ورجاء الى مؤتمر الحوار الوطني، ورضينا ان نناقش كل شيء على طاولة الحوار، وكشفنا أوراقنا بصدق وتحدثنا بوضوح كيف نفكر في موضوع المقاومة، وكشفنا استراتيجيتنا حتى نستطيع اقناع شركائنا في الوطن، ولكن كانت الأمور تسير بشكل مختلف حين وجدنا أن الفريق الآخر ماض في التزاماته السياسية والأمنية والاقتصادية والمالية، ووجدنا أن الفريق الآخر لا يريد أن يناقش مسألة نظام المحكمة الدولية بشكل علمي وموضوعي ويريد تهريبها بالسر، وآخر أخطاء هذا الفريق الرسالة إلى مجلس الأمن التي يطلب فيها إقرار المحكمة تحت الفصل السابع بعيدا عن التوافق اللبناني الذي كان ممكنا ولا يزال بالرغم أخطار هذه الخطوة، ووجدنا الفريق الآخر لا يريد مشاركة حقيقية، ويصر على تجاهل قوى سياسية أساسية في البلاد. بدأنا نشعر أن لبنان دخل في مأزق ومع ذلك حاولنا أن نعالج الأمور على طاولة الحوار.

كانت عملية الأسر في 12 تموز وكانت الحرب الإسرائيلية على لبنان وعلى المقاومة وكلنا نعرف كيف تصرف كل فريق في الحرب، وانتهت الحرب بالانتصار الذي سميته تاريخيا واستراتيجيا والهيا، ورأينا كيف تصرف كل فريق بعد الحرب سواء في موضوع الانتصار أو في موضوع إعادة الإعمار ومساعدة المنكوبين، أو في المسائل المصيرية التي تحتاج إلى مشاركة وتوافق.

 

حكومة وحدة وطنية جريمة؟

ما هي الجريمة التي ارتكبناها؟ هل مطالبتنا بحكومة وحدة وطنية جريمة برغم كل ما قيل في الحرب، ونحن سمعنا في بعض المقابلات الأخيرة بعض قادة الفريق الآخر أنهم حزينون لأننا خوّناهم. أنا اتحدي كل فريق 14 آذار أو شباط أن يأتي خلال الحرب بتصريح لي او لأي مسؤول من حزب الله خون احداً في لبنان، بمعزل اذا كان هناك خونة او لم يكن. والكل يعرف ان خطابنا في الحرب كان خطابا تضامنيا. وحتى عندما تحدثت عن النقاط السبع كنا متفقين على أن نتحدث بخطاب تضامني، لكنكم كنتم طوال الحرب تتهموننا إننا ندمر البلد ليس من اجل الأسرى وإنما من اجل تعطيل المحكمة الدولية وحفاظا على سورية او من اجل تحسين الشروط في الملف النووي الإيراني، وهذه التهمة هي أبشع تهمة، وهي أبشع من تهمة الخيانة، وسكتنا كل الحرب وبعد الحرب، وأذكركم جيدا أننا دخلنا معكم في سجال سياسي بعد اللقاء الشهير لكم في البريستول.

ماذا قلنا نحن بعد الحرب: قلنا أننا نريد حكومة وحدة وطنية؟ وعندما تحدثت عن حكومة الوحدة الوطنية وما تحدثت به من بعدها قلنا بمعزل عن الحرب وتقييمنا لها لا يوجد عندنا حل في لبنان الا حكومة وحدة وطنية، وعندما تحدثنا عن هذه الحكومة لم نكن نتحدث عن امتيازات لنا، كنا نقول ان هناك قوى ثانية يجب أن تدخل في الحكومة. بعد عشرة اشهر من انتهاء الحرب اين معالجة الوضع المعيشي اللبناني، وأين حل قضية الإعمار؟ أمام هذا المأزق السياسي قلنا لهم تعالوا نحتكم للشعب ونخضع كل شيء للاستفتاء، حتى سلاح المقاومة نخضعه للاستفتاء لم يقبلوا. عندها قلنا فلنذهب إلى انتخابات نيابية مبكرة، قالوا إننا نريد أن نقيم نظاما شموليا دكتاتوريا. هذا المسار السياسي أدى إلى خروجنا نحن وحركة أمل وبعض الحلفاء وتحولنا إلى معارضة. ما زلنا نتحرك على نفس المبادئ التي ذكرتها، ولم يتغير شيء، لكن للأسف الشديد الفريق الآخر يسير دون أي إدراك واستيعاب للمخاطر القائمة في البلد، ولا يستوعب انه لا يستطيع الاستفراد بالبلد.

مراجعة الذات

أنا أدعو اللبنانيين والقيادات السياسية والروحية والنخب واللبنانيين جميعا أن نعمل مراجعة من العام 1975 حتى العام 2007 لا يستطيع أي فريق لبناني لوحده أن يفرض إرادته على كل اللبنانيين، حتى لو كان هناك توافق دولي إقليمي. في العام 89 ـ 90  كان هناك من يواجه الأميركيين وكان يهددهم وهو اليوم معهم. ويقول لهم أميركا قوية في أميركا وهي أقوى منا في أميركا ولكنها اضعف منا على شواطئ الاوزاعي.

ما الذي تغير؟ لم يتغير شيء هذا هو لبنان، الاستئثار يوصل إلى التفرد ويوصل إلى تجاهل بقية الفئات اللبنانية والقوى السياسية اللبنانية. العلة هنا وهنا الحل، وادعو هنا إلى عدم تضييع الوقت واستهلاك واستنزاف الشعب اللبناني. الفريق الآخر ليس مدركا لهذا الأمر، من خلال إصراره على طلب المحكمة الدولية تحت الفصل السابع من دون توافق لبناني، ومن خلال الاداء القائم في مسألة الاستحقاق الرئاسي، ومن خلال سلوك الفريق الحكومي الذي يجتمع وكأنه لا يوجد مشكلة في البلد، وحتى عندما كانت الاشتباكات في طرابلس كانوا جالسين ويعينون مدراء وموظفين في الحكومة.

 

مسؤوليتنا الوطنية

في كل هذه الأجواء الصعبة والآفاق المسدودة والمجهولة حصلت الأحداث الخطيرة جدا والمؤلمة في منطقة الشمال، ونقول لن نتخلى عن مسؤولياتنا الوطنية في لبنان مهما تحدثوا ومهما قالوا ومهما كتبوا وشتموا، ومهما استخدموا من وسائل إعلام محلية وعربية وعالمية، هذا لم يفت من عضدنا ولا من إرادتنا بل يزيدنا إيمانا ويقينا بالواجب والحق الذي نؤديه ونقوم به. وما نقوم به هو استكمال لوظيفة المقاومة الجهادية لكن من الموقع السياسي وبنفس الصبر والصدق والتحمل والحرص والثقة بأننا سنستطيع أن ننقذ بلدنا، وسنبقى حريصين مع كل الوطنيين في لبنان على بذل الجهد والتضحية بكل شيء من اجل الحفاظ على بلدنا واستقلاله وسيادته وحريته ووحدته وسلمه الأهلي، ونحن لا نريد في هذا كله لا منصبا ولا مالا ولا مدحا وإنما نؤدي واجبنا، وقد علمتنا التجارب أننا اذا تعاونا وقمنا بواجبنا بصدق ستزول من امامنا كل العوائق ولا تبقى أية آفاق مسدودة.

 

قراءة  في أحداث الشمال

ـ العنوان الثالث: يتعلق بالأحداث الأخيرة وتداعياتها في لبنان وموقفنا مما يجري وتصورنا له:

هذا الموضوع ليس معزولا عن المناخ العام ولا عن التجاذبات السياسية والاتهامات والمخاطر الأمنية التي يواجهها لبنان في هذه المرحلة .. نحن في حزب الله كنا كبقية الناس سمعنا بما حصل صباحا وبدأنا نتابع الأحداث، ونجمع المعلومات ونجري الاتصالات لنفهم ما يجري في طرابلس ومخيم نهر البارد ومحيطه. نحن أمام موضوع حساس جدا ومعقد وخطير، ونأمل ان لا تبسط المسائل، الموضوع معقد وحساس ومتداخل.

اليوم في هذا الموضوع يوجد رأي عام إسلامي ورأي عام مسيحي ويوجد حساسيات طائفية ومذهبية ويتداخل الموضوع اللبناني والفلسطيني والإقليمي والدولي والأميركي والحرب على الإرهاب وسلاح المخيمات والتوطين كل هذا يتداخل مع بعضه البعض. لا احد يقول ان الموضوع بسيط ويعالج بهذه البساطة. اليوم لبنان كله في مأزق جديد والكل يقول تعالوا لنرى كيف نتعاون لننقذ بلدنا من هذا المأزق الجديد. والبعض قال ان حزب الله تأخر في إصدار البيان ولا يتضمن ما يراه الآخرين. نحن لا نأخذ موقفا في حادث لا نعرف تفاصيله، ولا خلفياته وخصوصا إذا كان الموقف يتوقف عليه مسؤوليات سياسية وأخلاقية وإنسانية ومسؤولية دماء وأموال ومصير شعبين، وحادث خطير وصعب وله تداعياته الكثيرة، ولذا وجدنا ان الموضوع يحتاج الى تأمل وتريث وانتظار للمعطيات وحسم للموقف مع الأخذ بعين الاعتبار كل التعقيدات القائمة.

 فنحنا رؤيتنا أن الوضع يجب أن يعالج ضمن هذه الثوابت لكن المسارعة الى أي مغامرة خارج هذه الثوابت نكون نضيع البلد وبعضنا.

 

الجيش والقوى الأمنية خط أحمر

الجيش اللبناني اليوم هو الذي يحمل هم استقرار البلد وحامي الوحدة الوطنية ولولا الجيش لحدث في العامين الماضيين أكثر من حرب أهلية، وكثير من الأحداث كان لها تداعيات خطيرة جدا. يجب أن ننظر اليوم إلى الجيش موالاة ومعارضة وبمعزل عن كل التجاذب السياسي في البلد. الجيش يجب أن ننظر إليه انه المؤسسة الوحيدة المتبقية القادرة على صون الأمن والسلم الأهلي والوحدة الوطنية في لبنان، وبالتالي لا يجوز أن نفرط به، مع احترامي لكل الأجهزة الأمنية. في كل الأحوال القوى الأمنية تستنجد بالجيش عندما تجد أن الأمور بدأت تخرج عن السيطرة. المسألة تنتهي إلى الجيش وعند الجيش.

وبناء عليه يوجد شيئان: أولا: الاعتداء على الجيش اللبناني ومواقع الجيش. والواضح أن الجيش كان خارج الصورة والواضح أن المجزرة التي حصلت في الجيش تدل على أن الجيش لم يكن جاهزا والا لما كان سقط هذا العدد من صفوفه. أي اعتداء على الجيش والقوى الامنية اللبنانية او على الأمن والاستقرار هو امر مدان من أي جهة صدر. وهذا خط احمر يجب ان يلتزم به الجميع ولا يجوز أن يتسامح به احد.

والشيء الثاني: ان الحفاظ على هيبة الجيش هو جزء من الحفاظ على هذه المؤسسة ودورها ووظيفتها، ولذلك قلنا يجب ان نتحدث عن العلاج والحل. لا احد يقول نريد أن نقوم بصلح عشائري، نحن كبقية الأصوات اللبنانية نقول يجب أن تأخذ العدالة مجراها، المتهمون بتفجير عين علق التي قضى فيها شهداء لبنانيون يجب أن تتوافر لهم محاكمة عادلة، والذين اعتدوا على الجيش اللبناني والقوى الأمنية يجب أن  تتوافر لهم محاكمة عادلة ايضا.

مخيم نهر البارد خط أحمر

موضوع مخيم نهر البارد: المدنيون الفلسطينيون الذين لا علاقة لهم في الإشكال بمعزل عن تقييمنا لمجموعة فتح الإسلام، بقية الفلسطينيين من فصائل ومن مدنيين في مخيم نهر البارد والمخيم كمخيم هذا يجب ان يكون من الثوابت وخط احمر إذا كنا عادلين ومنصفين وحريصين، وبقية المدنيين اللبنانيين والفلسطينيين، ولو افترضنا أن أجهزة الدولة تشن حملة على الإرهاب، هذا لا يجب أن يؤدي إلى قتل الناس في الشارع. وتحدثت وسائل الاعلام عن مثل هذا القتل في طرابلس، والتحقيق يبين ذلك.

إذا كنتم تعملون كدولة يجب ان تتصرفوا على أساس أنكم دولة، هناك مذكرة توقيف واعتقال ومراعاة عملية التوقيف ويجب أن يكون هناك محاكمة. يجب أن لا تكون الحرب على الإرهاب بالطريقة البوشية (نسبة إلى بوش) الأميركية، أي يصبح هنا رجل الأمن هو المدعي العام والقاضي والشاهد والمحامي والجلاد. هذا خطر ويهدد الأمن والسلم في لبنان، وعليه يجب اخذ الوقت الكافي في موضوع معالجة ما حصل في المخيم، وما سمعناه في اليومين الماضيين عن اقتحام للمخيم،  كيف سيتم اقتحام المخيم وهناك 35 الف نسمة ويوجد الكثيرون لا علاقة لهم بالمشكلة؟ إذا كنا نريد أن نعتقل مجموعة من المسلحين نقوم بالهجوم على 35 الف نسمة؟! المخيم من الناحية الإنسانية والقانونية هو مثل أي بلدة لبنانية.. اذا كان يوجد في بلدة لبنانية مجموعة مسلحة وأردنا اعتقالها، هل نشن هجوما على هذه البلدة ونعيث بها وندمرها ونقتل من ليس له علاقة؟

أحلام ومشاريع قديمة

هؤلاء يعيشون أحلاما ومشاريع قديمة جاء من يريد إحياءها من جديد، هذا شيء خطير جدا ويستدعي الكثير من الذكريات الأليمة والقاسية والصعبة. أقول بكل وضوح: الجيش خط احمر ولا يجوز المس به، ومن قتل ضباط وعناصر الجيش يجب أن يحاكم ويتوافر له محاكمة عادلة ولا يجب أن يتسامح معه، لكن بنفس الوقت المخيم خط احمر. لا يمكن أن نقبل أو نغطي ولا يمكن ان نكون شركاء في تغطية حرب مخيمات لا نعرف أين توصلنا. وفي النهاية الحرب حرب من؟

لا نقاش في محاسبة من اعتدى وقتل، ولا احد يقول إننا لا نريد أن نحاسب، لا احد يأخذنا إلى مشاريع مشبوهة يمكن ان تفجر الوضع في لبنان، ويمكن ان يحصل صراع لبناني ـ فلسطيني. على من يتخذ قرار الدخول إلى المخيم أن يتحمل المسؤولية، وأنا اعتبر ان أي قرار بالدخول الى مخيم نهر البارد هو تضحية بالجيش اللبناني وبالشعب الفلسطيني وبلبنان، وهذا ليس دفاعا عن مجموعة فتح الإسلام. هناك من هو موجود في السلطة وأجروا اتصالات مع فتح الاسلام، وهناك من قدم لهم المال وقدم لهم تسهيلات، نحن لا نعرفهم ولم نجر معهم أي اتصال ولا يعرفوننا ولا علاقة بيننا وبينهم، وبمعزل عن موقفهم منا وموقفنا منهم. أنا لا أريد أن ادخل في هذا الصراع ولا أريد أن أكون جزءا من هذا الصراع, لكن الدخول إلى المخيم، الجيش اللبناني ضباطه وجنوده لا يتصرف احد وكأنه "مخلفهم وناسيهم" هذه البقية الباقية في لبنان. القرار السياسي والمعالجة يجب أن تكون سياسية وأمنية وقضائية تحفظ الجيش وهيبة الجيش وموقعية الجيش ودوره ولا تؤدي الى حرب مخيمات جديدة من هذا النوع بكل صراحة وبكل وضوح، وبالتالي نحن دعونا منذ اليوم الأول دعوة جدية لوقف القتال. هذا الموضوع يجب ان يعالج ويجب أن يكون هناك إجراءات أمنية معينة وإجراءات سياسية معينة وإجراءات قضائية ولكن حذار الذهاب إلى الفتنة.

الحفاظ على هيبة الجيش ليس بأن نجر الجيش الى معركة نعرف مخاطرها وتداعياتها.لا احد يقول غدا إننا ندافع عن فتح الاسلام، أنا أدافع عن الجيش وعن الشعب الفلسطيني والشعب اللبناني ويجب ان يكون هناك تحقيق ومعرفة كيفية حصول الحادثة، ومن اخذ القرار، وهناك أسئلة كثيرة في البلد، وإذا كنا منصفين يجب أن يكون هناك لجنة تحقيق تدقق في هذا الموضوع، بطلب ممن حصلت المشكلة ولخدمة من، ومن فتح المعركة حتى نعرف أهداف المعركة، هذا كله أساسي.

 

الغيرة الأميركية على الجيش

 

نحن ندعو إلى التنبه للتدخل الأميركي، اليوم أقام الأميركيون جسرا جويا، أرسلوا ذخائر إلى الجيش بناء على طلب الرئيس السنيورة او غيره وهذا سوف يظهره الوقت، لكن هذا الشيء خطر. في الحرب كل ما كنا نطلبه من الأميركيين أن تقف الحرب التي تشن علينا ولم نكن نطلب أسلحة ولا مساعدات ولا ذخائر، لكن الولايات المتحدة رفضت أن تطلب من الإسرائيليين وقف الحرب، بل طلبت مواصلة الحرب! ما هذه الغيرة المفاجئة اليوم على الجيش اللبناني؟ عندما كان يقصف ويقتل ضباطه وتدمر ثكناته لم نر هذه الغيرة الأميركية! هذا السؤال كبير برسم اللبنانيين والفلسطينيين و14 آذار و8 آذار.

نتذكر خطابات الرئيس الأميركي جورج بوش عندما تحدث عن الحرب على العراق وليدحض منتقديه على الخسائر التي يعاني منها الجيش الأميركي في العراق، قال بوش مدافعا عن استراتيجيته في العراق: نحن عندما ذهبنا واحتللنا العراق أتينا بالقاعدة إلى العراق حتى نقاتلها في هذا البلد، أيهما أفضل لنا أن نترك القاعدة تهاجمنا في عقر دارنا أو ننشئ جبهة قتال ونواجهها في هذه الجبهة بقواتنا المسلحة، وأعاده وردده جورج بوش أكثر من مرة ومناسبة. هنا يعترف بوش بأن من احد أهدافه في العراق هو تصفية تنظيم القاعدة وجذب واستقطاب القاعدة وأنصارها من كل أنحاء العالم إلى العراق، والذي يدفع الثمن هو الشعب العراقي بكل طوائفه ومدنه ومقدساته. هل المطلوب تحويل لبنان ايضا إلى ساحة قتال بين الأميركيين والقاعدة؟

نحن في قضية واضحة وفيها بيان وزاري قصة المقاومة ومزارع شبعا والأسرى، ونجد من يقول ان معركتنا إيرانية سورية، هل تريدون خوض حرب الآخرين على ارض لبنان؟ هل نحن معنيون في فتح صراع مع القاعدة في لبنان، وبالتالي هذا الصراع يؤدي إلى استقطاب عناصر ومقاتلين من القاعدة من كل أنحاء العالم إلى لبنان. تبدأ قاعدة لكن من يعرف أين ننتهي واين نصبح. هذا الخطر هو جدي ويجب أن يؤخذ بعين الاعتبار.

اليوم لبنان أمام مرحلة صعبة وخطيرة جدا لا احد يستطيع أن يختبئ خلف إصبعه ويقول لا يوجد شيء. هل حقيقة نحن مضطرون لمثل هذا العمل؟ وما هي المصلحة والنتيجة المرجوة من هكذا عمل؟ هذا للنقاش وليس للاتهام.

 

ما حدث في الشمال يمكن أن يعالج سياسيا وامنيا وقضائيا بما يحفظ الجيش والأخوة الفلسطينيين والدولة والسلم الأهلي والاستقرار دون أن نحول لبنان إلى ساحة معركة نخوضها نيابة عن الأميركيين مع القاعدة وتنظيماتها بعناوين مختلفة.

 

حكومة إنقاذ

أما الحل.. فبعدم الاستئثار من قبل القوى السياسية. لا احد في لبنان يستطيع إلغاء احد، وهناك تيارات أساسية في لبنان وطوائف أساسية وغير أساسية، كل الطوائف في لبنان أساسية، الكبيرة والمتوسطة والصغيرة. لا احد يستطيع ان يلغي احدا. القرار الشجاع اليوم هو أن يتم تأليف حكومة انقاذ، وعلينا أن لا نتجاهل احدا في هذه الحكومة، وأنا هنا لا أتحدث عن تمثيل ونسب تمثيل.. تعالوا نقيم حكومة انقاذ فيها شراكة حقيقية ليست شكلية، وضمن هذه الحكومة نناقش كل القضايا. المنطق يقول إننا في وضع طارئ فلنشكل حكومة طوارئ تتمثل فيها كل القوى السياسية الأساسية في البلد، وهي تصبح طاولة الحوار الوطني الدائمة، وكل ما اقر على طاولة الحوار تقوم هذه الحكومة بوضع آليات تنفيذ ثم يتم إقراره ويعمل على تنفيذه.

أما إذا كان من احد يريد أن يتفرد بالسلطة وبشكل غير دستوري ويكمل ويخوض حروبا وكان يؤشكل علينا في عملية الأسر ويتهمنا بأننا لم نتشاور مع احد في الموضوع، ونحن نسأل انتم من شاورتم والى أين تأخذون البلد؟ دائما تسألوننا الى اين؟ نحن اليوم جاء دورنا لنسألكم إلى أين تأخذون البلد؟

الحل هو في تشكيل هذه الحكومة وبذلك نستطيع ان نحافظ على مكتسبات المقاومة والتحرير ونحافظ على سيادة بلدنا واستقلاله، ونصحح المسار السياسي ونتعاون مع بعضنا البعض ونتجنب أي صراع طائفي او مذهبي وأي صراع لبناني فلسطيني وغيره من الصراعات، ونعيد الأمور إلى نصابها، ونحن نملك شجاعة اخذ القرار الشجاع.

 

الانتقاد/العدد1217 ـ 1 حزيران/يونيو2007

 

2007-06-01