ارشيف من : 2005-2008

موقف فريق السلطة يظهر انزعاج واشنطن من المبادرة الفرنسية

موقف فريق السلطة يظهر انزعاج واشنطن من المبادرة الفرنسية

لم تعش طويلاً التفاؤلية التي برزت الأسبوع الماضي بالتزامن مع حركة دبلوماسية لافتة والتي حدت بالأوساط السياسية إلى إبداء توقعات حذرة بإمكانية قرب تشكيل حكومة وحدة وطنية، استناداً إلى الجهود السعودية الإيرانية الفرنسية المشتركة المنطلقة من الحرص على ضرورة إخراج لبنان من المأزق الذي يعيش فيه. وتحول التفاؤل إلى حالة تشاؤمية برز معها من جديد أن تشكيل حكومة وحدة وطنية تمهد للتوافق على انتخابات رئاسة الجمهورية لا تزال تحول دونه العديد من "الصعوبات والتعقيدات والأفخاخ"، حسبما لمست مصادر سياسية متابعة لآخر أجواء حركة الاتصالات السياسية الجارية خلف الكواليس، وهذا ما سيعيد الأمور إلى النقطة التي مؤداها أن البلاد مقبلة على حكومتين إذا أصرّ فريق السلطة على رفض القبول بحكومة وحدة وطنية.
هذا الأمر عاد ولوّح به رئيس الجمهورية العماد إميل لحود مجدداً متحدثاً عن خيارات دستورية سيلجأ اليها دون ان ينتظر وصول الأمور إلى اللحظة الأخيرة من ولايته الرئاسية، ما يعني أن المعارضة باتت على عتبة استنفاد فرص الحلول التي تجاوبت معها إلى أقصى الحدود دون نتيجة  قبل أن تلجأ إلى خياراتها السياسية البديلة إذا أصرّ فريق السلطة ورعاته الأميركيون على الاستمرار في "التعنت والمكابرة" ورفض إيجاد الحلول.
المصادر المتابعة تلفت إلى أن تبدل التفاؤل الحذر الذي ساد الأسبوع الماضي نتج عن الموقف الأميركي الذي تبين أنه لم يعطِ الضوء الأخضر في اتجاه الحلول برغم بعض الإيحاءات السابقة التي فُهم منها تسهيل للمبادرة التي أعاد اطلاقها السفير السعودي في لبنان عبد العزيز خوجة. وبدا للمصادر المتابعة أن الحسابات الاقليمية لواشنطن تريد الاستمرار بدفع لبنان نحو حالة اللااستقرار في سياق مخطط الفوضى الخلاقة. وقد لاحظت الأوساط ترجمة لهذا التوجه الأميركي في تصريحات كل من رئيس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية سمير جعجع ورئيس الحزب الاشتراكي النائب وليد جنبلاط في أعقاب زيارتين قام بهما السفير الاميركي في لبنان جيفري فيلتمان  إلى "ثنائي تعطيل المبادرات"، حيث أعطى التعليمات "بإطلاق النار" على المبادرات الساعية لتشكيل حكومة وحدة وطنية.. فكرر جعجع حديثه عن أولوية الاستحقاق الرئاسي على ملف حكومة الوحدة الوطنية، وكذلك أطلق جنبلاط النار على المبادرات على طريقته المعهودة في نسفها، بدءاً من طرح الأسئلة وطلب الضمانات! والالتزام بتطبيق القرارات الدولية وصولاً إلى نفي علمه بوجود مبادرات للحلول. وليس بعيداً عن هذا التعطيل لتشكيل حكومة وحدة وطنية لفت المراقبين تعاطي فريق السلطة مع المبادرة الفرنسية بعقد مؤتمر حوار للقوى اللبنانية على مستوى قيادات الصف الثاني في باريس نهاية الشهر الحالي، حيث قلل من أهمية هذه المبادرة الفرنسية التي شكلت بداية التحول في السياسة الفرنسية مع الرئيس الجديد نيكولا ساركوزي لجهة الانفتاح على جميع الأطراف السياسية في لبنان، وليس على طرف واحد كما كان قائماً في عهد الرئيس السابق جاك شيراك. وقد برز الموقف الشباطي في العديد من تصريحات أركان فريق السلطة التي قللت من أهمية المبادرة والنتائج التي يمكن أن يصل اليها المؤتمر. وأضيف إلى هذه المواقف تأخير رئيس الحكومة اللاشرعية فؤاد السنيورة موعد استقباله موفد وزير الخارجية الفرنسي جان كلود كوسران مرتين. وقد فسّر موقف فريق الرابع عشر من شباط من المبادرة الفرنسية على أنه تظهير للانزعاج الأميركي من الموقف الفرنسي الجديد تجاه الوضع في لبنان وعدم تنسيق باريس مع  واشنطن بشأن هذا المؤتمر.
مصادر المعارضة تلفت إلى حالة ارتباك وتباين داخل فريق السلطة في هذه المرحلة، حيث الطروحات المتناقضة بين أطرافه، فساعة يريد هذا الفريق حكومة جديدة على أساس الاتفاق على برنامج سياسي، وهو ما يتطلب استقالة السنيورة، لكنه ما يلبث أن يتراجع عن هذا الطرح! وتارة يطرح هذا الفريق توسيع الحكومة الحالية مع إبقاء بيانها الوزاري على حاله، ولكن يربط الأمر بضمانات بشأن الملف الرئاسي وغيرها من الالتزامات المطلوب من المعارضة تقديمها.
وعلى هذا الأساس تعرب المصادر عن الحيرة في التعاطي مع طروحات هذا الفريق الذي لا يعرف هو ماذا يريد.. وهذا المعنى أبلغه رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى خلال محادثة هاتفية بينهما قبل أيام، حيث قال له ان فريق السلطة لا يعرف ماذا يريد، فكيف نعرف نحن ماذا يريد؟!

"المعارضة وتقييم المرحلة"
لكن برغم ضبابية الموقف بشأن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية والتعقيدات الكبيرة التي تحول دون تشكيلها، فإن المعارضة الوطنية تجري تقييماً للمرحلة السابقة والحالية، وتؤكد أوساطها أنها حققت العديد من الإنجازات المهمة التي "حفظت البلد والدستور"، وأن طروحاتها السياسية باتت شبه مسلم بها من معظم الشعب اللبناني، إضافة الى التأييد الإقليمي والدولي لها والتأكيد أنها المخرج الوحيد للحل في لبنان. وفي مقدمة هذه الطروحات مطلب "حكومة الوحدة الوطنية"، فهذا الطرح الذي كان الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله أطلقه في خطاب الانتصار في أيلول الماضي والذي وُوجه حينها بحملة عنيفة رافضة من قبل فريق السلطة، بات الآن مطلباً وطنياً يشبه الإجماع، وقد أيدته الكنيسة المارونية وبات يقرّ به فريق السلطة، وإن كان يكابر في تأخير الإقدام عليه. كذلك بات هذا المطلب مؤيداً من جميع الدول الأوروبية التي ترى فيه مخرجاً للأزمة، ويشكل مصلحة لتعزيز الاستقرار في لبنان. وتعرب مصادر المعارضة عن اعتقادها بأن فريق السلطة لا بد له في النهاية من قبول مطلب حكومة الوحدة والتخلي عن المكابرة، لأن المعطيات المحلية والإقليمية لم تعد في مصلحته ومصلحة داعميه في الخارج، وخصوصاً الولايات المتحدة.
أما الملف الآخر الذي تعتبر مصادر المعارضة أنها حققت انجازاً بشأنه فهو الاقتراب من خط النهاية في تثبيت قضية نصاب الثلثين في جلسة انتخاب رئيس الجمهورية. وتشير الى أن فريق السلطة أدرك متأخراً أن مسألة إقدامه على انتخاب رئيس بأغلبية النصف زائد واحد ستؤدي الى تهديم لبنان، وتعني نهايته كدولة ونظام وصيغة، وأن هذه المسألة ليست بالسهولة التي روّج لها هذا الفريق بعض الوقت من أنه يمكن أن يجتمع في أي مكان لانتخاب رئيس بالأغلبية المطلقة من أصوات النواب.
والمسألة الثالثة التي تؤكد المعارضة أنها أثبتت صحة موقفها تجاهها هي قضية أزمة نهر البارد، حيث كان طرحها من البداية هو عبر الحل الأمني والقضائي والسياسي، وهو ما عبّر عنه بشجاعة وطنية الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله. وقد أثبتت الأحداث أن هذا الحل هو الحل الأجدى الذي يحفظ الجيش وينهي ظاهرة فتح الإسلام ويحمي المدنيين الفلسطينيين.. أما ما هو حاصل حالياً فيؤدي الى استنزاف قدرات الجيش من دون الوصول الى نتيجة حاسمة. وترى المصادر أن استمرار الخيار العسكري ترغب به واشنطن وبعض أركان السلطة، وخصوصاً الثنائي سمير جعجع ووليد جنبلاط، لأنه سيؤدي إذا استمر مرحلة طويلة الى  استنزاف الجيش وإضعافه، ما ينعش "رهان التقسيم" الذي يحلم به الرجلان، وبالتالي فإن التقسيم يقود الى التوطين، وهو جوهر المشروع الأميركي الحالي في لبنان الذي لا بد من التصدي له.
هلال السلمان
الانتقاد/ العدد 1219 ـ الجمعة 15 حزيران/يونيو 2007

2007-06-15