ارشيف من : 2005-2008
تململ في صفوف الموالاة وارتياح لدى المعارضة للتحرك الفرنسي:هل غيّرت فرنسا سياستها الشيراكية؟
منذ ان وصل نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه في فرنسا بدت معالم تغيير واضحة في السياسة الفرنسية تجاه لبنان، وأخذت دبلوماسية باريس ـ وخاصة تجاه لبنان ـ منحى مختلفا عما كانت تعتمده سياسة الرئيس السابق جاك شيراك. هذا بالحد الأدنى ما يبدو من تعاطي فريقي الموالاة والمعارضة في لبنان مع الحراك الفرنسي، تعاطٍ يوحي بأن ساركوزي أسدل الستار على حقبة من السياسة الشيراكية الشخصانية واعتمد بدلا عنها سياسة تعيد إلى بلاده دورها الطبيعي في علاقاتها المتوازنة مع الأطراف اللبنانية.
فمنذ تولي برنار كوشنير وزارة الخارجية الفرنسية بدأ الاهتمام بالوضع اللبناني، فقام بزيارة بيروت ثم الدعوة التي وجهها لمختلف القوى اللبنانية الممثلة في البرلمان اللبناني، يضاف إليها ممثلون عن المجتمع المدني، إلى الاجتماع في فرنسا في الثامن والعشرين من الشهر الجاري في مساع لتقريب وجهات النظر.
طبعا الدعوة الفرنسية هي من أجل إرساء جو من الثقة بين اللبنانيين ومساعدتهم على الحوار والتباحث في مشكلة بلدهم، وفق ما أوضح الموفد الفرنسي إلى لبنان جان كلود كوسران الذي اجتمع خلال الايام الماضية في بيروت مع مختلف القيادات اللبنانية، لإطلاعهم على أجواء وأهداف التحرك الفرنسي لحل الازمة اللبنانية. وخرج كوسران بانطباع يوحي بأن مختلف القيادات اللبنانية مرحبة بالدعوة.. ولدى سؤاله عن موقف حزب الله من المشاركة أجاب: التقينا ممثلا عن حزب الله (مسؤول العلاقات الدولية في الحزب نواف الموسوي) وكان موقفهم ايجابيا، وهم يحبذون مبدأ المشاركة". وعقب إنهاء كوسران لقاءاته في لبنان أعلن المتحدث باسم الخارجية الفرنسية جان باتيسيت ماتيي "أننا في مرحلة التشاور، وأن الاجتماع غير الرسمي لا يهدف إلى حسم المسائل الأكثر حساسية من الناحية السياسية".
مسار الدعوة الفرنسية يبدو انه يجد صعوبة في المرور لدى الفريق الأكثري الذي عبر بصراحة عن عدم رغبته بالمشاركة في اللقاء الفرنسي تحت ذرائع مختلفة، فسرها المراقبون بأنها محاولة لتعطيل مسعى باريس.
وترى مصادر متابعة أن "السبب الأساسي في ايحاء الفريق الأكثري بعدم رغبته أو تشجيعه للدعوة الفرنسية هو الإدارة الاميركية التي تريد أن تربط لبنان بأزمتها في العراق وتمنع أي حل للأزمة اللبنانية بعيدا عن حل لمأزقها في العراق".
وتشير المصادر إلى أن "المسؤولية تقع على عاتق السلطة في قوى الرابع عشر من شباط التي ارتضت أن تكون أداة للوصاية الأميركية في لبنان، وبالتالي عملت على رهن البلد للسياسة الاميركية ومصالحها".
وانطلاقاً من هذه الرؤية يُفسر رفض سمير جعجع ووليد جنبلاط الحوار، إذ ان هناك اعتقادا واسعا لدى أكثر من طرف لبناني بأن الإشارة الاميركية غير المشجعة أُعطيت لتعطيل المبادرة الفرنسة.
كيف تقرأ المعارضة التحرك الفرنسي؟ وهل باتت تسير الدبلوماسية الفرنسية وفق نهج جديد؟ ولماذا هذا الانزعاج لدى فريق الاكثرية من المبادرة الفرنسية الى حد رفضها؟
"الانتقاد" سألت بعض وجوه المعارضة عن أجواء المبادرة الفرنسية:
يرى رئيس حزب الاتحاد الوزير السابق عبد الرحيم مراد أن "رفض المبادرة جاء بطلب من الولايات المتحدة الاميركية، وأن الفريق الاكثري يلبي بذلك طلبات الولايات المتحدة". مشيرا إلى ان "هذا الفريق ربط سياسة البلد بالسياسات الاميركية عندما وافق على إقرار المحكمة الدولية بهذا الأسلوب وبهذا الشكل". واعتبر مراد أن "الولايات المتحدة تريد عبر قرارات الأمم المتحدة (1559و1701 و1757..) أن تبقي لبنان ورقة بيدها، بمثابة العصا التي تشهرها في وجه من يخالف سياستها في المنطقة.. وهي تصر على تحقيق حلمها بإنشاء نظام الشرق الأوسط الجديد، كما أنها منزعجة من بعض الرافضين لهذه السياسة، وعلى رأس هذه الدول سوريا وإيران".
ووجد مراد في "المبادرة الفرنسية محاولة لتأخذ فرنسا دورها في المنطقة، وليس في لبنان فقط، وهذا ما يزعج أميركا التي أوحت إلى حلفائها برفض المبادرة".
ويربط مراد "انزعاج الفريق الشباطي من المبادرة الفرنسية لأنها تكشفهم، فقد كانوا يدعون بأنه بعد المحكمة يمكن تشكيل حكومة وحدة وطنية، وكانت وعودهم كاذبة، وبالتالي هم منزعجون من تغيير السياسة الفرنسية، كما ان لديهم هواجس من أن تتخلى عنهم الإدارة الاميركية".
ويزيد مراد على ذلك أن "رفض الفريق الأكثري للمبادرة هو "لقناعة هؤلاء بأن حمايتهم تكمن في استفرادهم بالسلطة بهذا الشكل، وأن أي مشاركة وطنية معهم من قبل المعارضة ستنهي مكاسبهم السياسية والمادية ومصلحتهم بشكل عام". مشيراً إلى أن "مصالح فريق السلطة تحققت من خلال التعيينات الإدارية والعسكرية، إضافة إلى بعض المكاسب المادية من خلال الصفقات الخيالية التي قاموا بها".
ويلمس مراد وجود "تغيير فرنسي فعلي على الساحة اللبنانية، ففرنسا تسعى لتأكيد أنها غيرت سياستها في لبنان، لتنظر الى الأمور بالتساوي بين الأطراف اللبنانية".
عون
ويعلق عضو تكتل التغيير والإصلاح النائب سليم عون على موقف الموالاة بالقول: "إنهم لا يريدون أن يكشفوا نياتهم، وعندما تدعو فرنسا إلى لقاء فإنها ستكون بطريقة مباشرة وغير مباشرة شاهدة على الحوار الذي سيجري، وستكتشف حقائق كثيرة وهذا هو السبب الأساسي لرفض هذه القوى الفعلي للدعوة". ويشير إلى أن "بعض هذه القوى تعلن ترحيبها، لكنها في الحقيقة تريد أن تقول (لا).. وتوحي بأنها مع الحوار وأنها مستعدة له، خاصة أنه سيكون هناك شهود فرنسيون وغير فرنسيين، إضافة إلى وجود ممثلين عن المجتمع المدني في اللقاء المرتقب".
ويرى عون أن "الحوار سيحدد المشاكل التي سيُتحدث عنها". ويضيف: "نحن كتيار وطني حر أو معارضة لدينا من الحجج ما يقنع به غيرنا، فعندما يقول العماد ميشال عون ان قانون الانتخابات غير عادل وإن المجلس الدستوري غير موجود، فلن يجد الطرف المقابل جواباً منطقياً، لكن عندما يكون هناك شهود على الحوار لا يستطيعون إخفاء الحقيقة".
ويعتقد عون أن "الحوار إذا لم يكن مفيدا ولا يحلّ مشكلة، فإنه لا يضر، لكنه سيوضّح الصورة ويقرّب نحو الحل ويساعد الأطراف الخارجية على فهم أكثر للمشكلة اللبنانية، ذلك أن الخارج عندما يسمع من الكل ويتحاور معهم فإنه سيتفهم واقعيا المشكلة اللبنانية".
ويجزم النائب عون أن "هناك تحولا كبيرا في طريقة تعاطي الإدارة الفرنسية الجديدة، وأن هذا التعاطي ملموس بشكل جيد". ويلفت إلى أن "فرنسا رجعت كما نعرفها أي الدولة الصديقة لكل لبنان وليس مع فريق أو عائلة، التي اختصرت الحكم على مدى اثني عشر سنة". ويقول: "اليوم عادت إلى علاقاتها الطبيعية مع كل لبنان، وهذا شيئ طبيعي ويطمئننا". ويؤكد ان "فرنسا أنهت العلاقة الشخصانية ورجعت إلى القواعد الأساسية والأصول وعادت إلى علاقاتها الطبيعية، وتعتبر أن كل الأطراف بالمستوى نفسه. وهذا هو الشيء الطبيعي".. في السابق كانوا يرفضون أن يستمعوا إلينا، أما اليوم فالوضع تغير ووزير خارجية فرنسا يتعاطى كما يجب، والتأثيرات الشخصية غير موجودة".
العضو الآخر في تكتل التغيير والإصلاح النائب عباس هاشم اعتبر أن "الدعوة التي وجهتها فرنسا تقوم أساسا على حرص فرنسي على فهم كل الآراء السياسية في الواقع اللبناني، وهي بديل عن الرؤية الأحادية التي اشتهرت بها الإدارة الفرنسية أيام الرئيس شيراك. وهذا ما يدفع ببعض القوى التي قامت أساسا على حركة مثلثة: الأليزيه فرنسا ـ قصر قريطم ـ قصر الصنوبر بيروت أن تبدي بعضا من الانزعاج، لأن الأمور ستنكشف وسيكتشف القاصي والداني أن الرؤية الأحادية هي التي ساهمت في إسقاط الاستقرار في لبنان الذي يقوم أساسا على التوافق".
مصعب قشمر
الانتقاد/ العدد 1219 ـ الجمعة 15 حزيران/يونيو 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018