ارشيف من : 2005-2008
الدبلوماسية الفرنسية : مفارقة النفوذ والمصالح
باريس ـ نضال حمادة
لم يكن مستغربا التحرك الدبلوماسي الفرنسي الأخير على أكثر من ساحة دولية ساخنة، خصوصا في منطقة الشرق الأوسط. فهذا التحرك الدبلوماسي الواسع جاء تأكيدا لتصريحات الرئيس الفرنسي الجديد نيكولا ساركوزي الذي أكد مرارا نيته القطيعة مع عهد الرئيس شيراك الذي شابته سياسة المحاباة الشخصية والمصالح الضيقة على حساب سياسات بقيت ثوابت بالنسبة للتوجهات الخارجية في السياسة الفرنسية على مدى نصف قرن هو عمر الجمهورية الخامسة في فرنسا.
غير ان ما فاجأ المراقبين سرعة التحرك الفرنسي على الساحة اللبنانية، بعد إقرار المحكمة ذات الطابع الدولي، واندلاع حرب مخيم نهر البارد التي تستنزف قدرات الدولة اللبنانية، فضلا عن استنزاف الرصيد الشعبي لحكومة فؤاد السنيورة التي اعتمدت سياسة الشحن الطائفي وسيلة لتغطية ارتهانها الكلي للإدارة الأميركية وبرنامجها المعلن لتغيير خارطة العالمين العربي والإسلامي بما يتناسب مع أيديولوجية المحافظين الجدد في أميركا و"إسرائيل".. ومن هنا يطرح المراقبون للوضع في المنطقة ولتوقيت الحملة الدبلوماسية الفرنسية فيها أسئلة مشروعة هي:
1 ـ ماذا تريد فرنسا ساركوزي من دعوة الفرقاء اللبنانيين للاجتماع في فرنسا أواخر شهر حزيران/ يونيو الجاري؟
2 ـ هل أطلعت فرنسا حليفتها في الشأن اللبناني الولايات المتحدة الأميركية على نيتها في توجيه تلك الدعوة؟
3 ـ ما هي حظوظ نجاح هذا اللقاء وهل تمللك فرنسا أوارقا للحل بعيدا عن أميركا؟
مصادر صحفية فرنسية واسعة الاطلاع أعربت عن عدم تفاؤلها بأي نتيجة يمكن أن تصدر عن اللقاء اللبناني في حال حصوله. مضيفة ان المبادرة أتت من مستشار الرئيس جان دافيد ليفيت الذي شغل منصب سفير فرنسا في واشنطن إبان ولاية شيراك الثانية، حيث ساهم بشكل فعال في صياغة القرار 1559 وتعزيز التعاون الفرنسي الأميركي في الشرق الأوسط بعد الخلاف الشهير في مجلس الأمن الدولي قبيل احتلال العراق. وتعتقد هذه الأوساط أن الذي أقلق السلطات الفرنسية عدم حسم معركة مخيم نهر البارد بالسرعة المرجوة، ما قد يتسبب بإضعاف حكومة السنيورة. وأضافت تلك المصادر: ان الدوائر الرسمية في الغرب رصدت عينات من الرأي العام في بعض الدول العربية حول أحداث مخيم نهر البارد، وكانت النتيجة مقلقة من ناحية الشعور الشعبي المناوئ للتيار الحاكم في لبنان.. وهذا الوضع الصعب إضافة إلى رغبة الرئيس ساركوزي بإظهار تمايزه عن شيراك في التعاطي مع كل الفرقاء اللبنانيين، وإرادة فرنسا لعب دور فعال في لبنان ساهم في إطلاق المبادرة الفرنسية. وتلاحظ المصادر نفسها أن الدوائر المختصة في وزارة الخارجية الفرنسية فوجئت بإعلان وزير الخارجية برنارد كوشنير عن المبادرة، وهذا ما انعكس اضطراباً في الرد على تساؤلات الصحافيين في بداية الأمر.
في الشأن اللبناني تبقى الولايات المتحدة اللاعب الغربي الأكبر ولا يمكن لفرنسا تجاهل هذه الحقيقة، خصوصا بالنسبة الى الرئيس ساركوزي الذي يعتبر مقربا من واشنطن، لذلك فمن الطبيعي أن لا تدخل فرنسا في مبادرة تثير انزعاج واشنطن في وقت تتقاطع فيه المصالح الفرنسية والأميركية لتصل إلى درجة التحالف في ملفات لبنان والبرنامج النووي الإيراني، وهذا ما تؤكده المواقف المشتركة في مجلس الأمن الدولي والقرارات الصادرة باتفاق الطرفين ابتداء من القرار 1559 وصولا إلى القرار الأخير حول المحكمة ذات الطابع الدولي في قضية الحريري. في هذا السياق يقول المصدر الصحافي الفرنسي ان وزير خارجية فرنسا برنارد كوشنير أبلغ نظيرته الأميركية غونداليسا رايس بالموضوع، وحصل على موافقتها. مضيفا ان الأمر مختلف بالنسبة للأميركيين الذين يعتبرون العراق أولوية.
المصدر المذكور يعلق على ذلك بالقول: ان الأميركيين واثقون من عجز المبادرة الفرنسية عن تحقيق أي نتيجة تذكر، وهم بموافقتهم عليها يريدون استغلال فشلها لإبعاد الفرنسيين في الوقت الحاضر عن الملف اللبناني وإدارته كليا من قبل الولايات المتحدة، في عملية المد والجزر المستمرة مع سوريا، حيث تعتقد الولايات المتحدة أن مجال المناورة مع سوريا سوف يكون أكبر بعد صدور قرار مجلس الأمن الدولي الخاص بقضية اغتيال الحريري، وهي تريد الضغط بما يتناسب مع أجندتها التي لا تتطابق بالضرورة مع الرؤية الفرنسية للوضع في العراق، أو حتى المصالح التجارية للبلدين، وبالأخص صفقات بيع السلاح إلى دول الخليج العربية، حيث سعت وتسعى أميركا إلى إبعاد فرنسا عن هذه السوق الهائلة التي تُقدر بمئات المليارات من الدولارات! ويتساءل المصدر عن عملية إطلاق النار على المبادرة التي صدرت عن جعجع عقب اتصال ورده من السفير الأميركي في لبنان، على حد قوله المصدر نفسه.
في هذا المجال يمكن فهم عمل أميركا عبر اللوبي المؤيد لها عبر منع ساركوزي من تعيين الاشتراكي هوبير فيدرين وزيرا للخارجية بسبب مواقفه المتفهمة للقضايا العربية، فهي بذلك أمنت عدم عودة التواصل الفرنسي مع العرب الذي أمن دائما موطئ قدم للنفوذ الفرنسي في المنطقة. أما في ما يتعلق بسياسة الوزير الحالي برنارد كوشنير، فإن غالبية العارفين بخفايا دوائر القرار الفرنسية يجزمون أن دوره سوف يكون مقتصرا على تنفيذ ما يمليه عليه الرئيس نيكولا ساركوزي، بخلاف الحال مع شخصية بحجم هوبير فيدرين.
الانتقاد/ العدد1219 ـ الجمعة 15 حزيران/يونيو 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018