ارشيف من : 2005-2008
الوجه الآخر لعصمته قبل البعثة : الإعداد الإلهي للرسول الأكرم(ص)
النبوة سفارة ربّانية ومهمة إلهية تتعيّن من قبل الله سبحانه وتعالى لهداية البشرية. وهو يصطفي لها من عباده مَن يشاء، ويعصمهم من كل ما يخل بهذا الاصطفاء، قبل نبوتهم وبعدها. ذلك أن الغرض من بعثة الأنبياء لا يتحقق إلاّ بعصمتهم. فلو احتمل قوم ما صدور الكذب أو الذنب عن النبي المبعوث إليهم أو أنه كان معروفاً بينهم صدور مثل ذلك عنه قبل نبوته فإنهم لا يركنون إليه ولا يطمئنون لكلامه، ولذا فإنهم لا يتبعونه.
ورسول الله الأكرم(ص) قد وُلِدَ ونشأ وشبّ مطهّراً مبرّأً من الذنوب والمعاصي وعادات الجاهلية وعقائدها وسلوكها.
وُلد أكرم الخلق محمد(ص) في مكة المكرمة، وفي أشرف بيت من بيوتها، فقد اصطفاه الله من بني هاشم، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفى قريشاً من سائر العرب، قال(ص): "إن الله خلق الخلق، فجعلني في خير خلقه، وجعلهم فرقتين، فجعلني في خير فرقة، وخلق القبائل فجعلني في خير قبيلة، وجعلهم بيوتاً فجعلني في خيرهم بيتاً، فأنا خيركم بيتاً، وخيركم نفساً".
ونسبه (ص) من أطهر الأنساب، حيث لم يختلط بشيءٍ من سفاح الجاهليّة، وتمتدّ أصول هذه الطهارة حتى تصل إلى آدم (ع)، قال (ص): "خرجت من نكاح، ولم أخرج من سفاح، من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي، لم يصبني من سفاح الجاهلية شيء".
كانت نشأة الرسول الأكرم (ص)، منذ ولدته أمه إلى أن بعثه الله عز وجل رحمة للعالمين، أكمل نشأة. تولاه الله تعالى فأدبه ورباه فكمله. ورعاه فحفظه مما كان يشين حياة قومه من وثنية، وعادات مسترذلة، حتى غدا أكمل إنسان في بشريته، لم يستطع أحد أن يريبه في حياته، أو يرمي شبابه بغميزه أو ريبة على كثرة الخصوم، والأعداء المتربصين، فضلاً من الله ونعمة، والله ذو الفضل العظيم.
وبذلك الفضل العظيم تحدث المصطفى بنعمة ربه عز وجل قائلاً "أدبني ربي فأحسن تأديبي".
وقد أجمعت الأمة على هذا الأدب الرباني، وأن حياة نبيها قبل البعثة وبعدها أمثل حياة وأكرمها وأشرفها، فلم تعرف له فيها هفوة، ولم تحصِ عليه فيها زلة، بل إنه امتاز بسمو الخلق، ورجاحة العقل، وعظمة النفس، وحسن الأحدوثة بين الناس.
فمن أين له هذا؟ وهو الذى نشأ في بيئة سيطرت عليها الجاهلية، سيطرة كاملة في مجال العقيدة والفكر، وفى مجال الأخلاق والسلوك، وطبعت الناس بطابعها البغيض حتى لا تكاد تجد إنساناً يسلم من وراثة البيئة، وعدوى التقاليد الجاهلية الموروثة عن الآباء والأجداد.
فكيف نجا سيدنا رسول الله من تلك المؤثرات القوية؟
إن الإنسان العادي قد يستطيع أن تعاف نفسه شيئاً يكرهه ولا يستسيغه بحكم الفطرة السليمة، لكن من المحال عقلاً أن يعيش في عزلة روحية كاملة، وهجرة نفسية تامة لقومه، فيسلم له عقلة من الخرافات، وتسلم روحه من الجهالات، ويسلم وجدانه من التلوث بشيء يغضب الله عزوجل.
نعم لقد كان فى المجتمع العربي حنيفيون وحدوا الله ودعوا إلى توحيده، وكان هناك كرماء، وكان هناك أوفياء، وكان هناك أناس عرفوا بالعفة والتنزه عن الفواحش، ولكن كان عزيزاً جداً أن تجد فى هذه البيئة إنساناً جمع الله فيه كل هذه الصفات وغيرها مثل ما جمع الله ذلك فى النبي محمد(ص).
إنك لا تستطيع أن تدرك سر كمال عقله وعقيدته وأخلاقه، وبراءته من كل نقائص ومثالب بيئته التي نشأ فيها إلا أن تقول: إنه الإعداد الإلهى للنبوة.
إنها العصمة الربانية! تلك التي حفظته من بيئة الجاهلية أربعين عاماً، لم يصبه أذى من غبارها، فشب أكمل الناس خَلقاً وخُلقاً.
جاء عن ربيب الرسول وابن عمه ووصيّه الذي لم يفارقه قبل بعثته وعاشره طيلة حياته، في تصوير هذه الشخصية الفذة. فقد قال عن الفترة التي سبقت البعثة النبوية وهو يتحدّث عن الرسول (ص): "ولقد قرن الله به (ص) من لدن أن كان فطيماً اعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكــارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره".
وعن الإمام محمد بن علي الباقر (ع) وهو بصدد الإشارة إلى مسألة الإعداد الإلهي الخاص لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) قبل الدعوة: "ووكل بمحمد ملكاً عظيماً منذ فصل عن الرضاع يرشده إلى الخيرات، ومكارم الأخلاق، ويصده عن الشر ومساوئ الأخلاق".
ولقد كان من آثار ذلك الإعداد الرباني المباشر له، أن المصطفى (ص) كان موحّداً لله عز وجل منذ سني حياته الأولى، وكان يعلن عداءه للأوثان بلا تحفظ.
وكان يحج بيت الله تعالى، ويأبى تناول ما يذبح على النصب، فضلاً عن تسميته على كل طعام، وحمده لله تعالى بعده، إلى جانب ما تحلى به من الاستقامة في الخلق، والتزام الفضيلة في القول، والعمل، حتى سماه قومه (الصادق الأمين) كصفة مميزة له من سواه.
وعُرِفَ عنه النفور من الاوثان، والتأمّل في ملكوت السماوات والارض، ثمّ الخَلْوَة والانفراد والتعبّد في مرحلة الشباب. وقبل أن يأتيه جبريل (ع) في غار حِراء، كان يرى في المنام الرؤيا الصّادقة، وهي درجة من درجات الوحي، كما كان يذهب إلى غار حِراء يخلو فيه ويتعبّد. وحين بلغ الاربعين سنة من عمره الشريف اختاره الله سبحانه نبيّاً ورسولاً وهادياً للبشرية جمعاء.
وتتضح بجلاء بعض معالم شخصيته(ص) قبل البعثة من خلال نص حفيده الإمام الصادق(ع): ان الله عزّ وجلّ أدّب نبيّه فأحسن أدبه فلمّا أكمل له الأدب قال: (وإنّك لعلى خلق عظيم) ثم فوّض اليه أمر الدين والاُمّة ليسوسَ عباده.
اسماعيل زلغوط
الانتقاد/ العدد 1219 ـ الجمعة 15 حزيران/يونيو 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018