ارشيف من : 2005-2008

مصطفى فروخ الفنان، الناقد، والإنسان

مصطفى فروخ الفنان، الناقد، والإنسان

الحديث عن الفنان مصطفى فروخ، هو أن تمزج السيرة الذاتية مع الألوان، لتخرج بالصورة الكاملة، لاسم استثنائيّ التجربة والنتاج.
هو طفل يرسم على كل ورقة بيضاء تقع تحت يديه، وشاب طموح حمل رسالة الفن إلى روما وباريس، وهو رجل ثائر شهد على عصره بسخرية تدعو إلى البكاء.. هكذا، يمكن اختصار مراحل حياة فروخ (1901 ـ 1957) المدماك التأسيسي في تاريخ الفن اللبناني الحديث، والقامة الفنية الشاهقة بشموليتها الإبداعية إلى تميزه في فن التصوير والرسم والكاريكاتور، كان ناقداً فنياً ثاقب البصيرة، ومؤرخاً فنياً متعمقاً في فنون الغرب والشرق معاً.
ترك مصطفى فروخ 5000 لوحة بمختلف التقنيات بيعت في لبنان والخارج، وترك كتباً "مطبوعة": "رحلة إلى بلاد المجد المفقود"، "قصة انسان من لبنان"، "الفن والحياة"، "طريقي إلى الفن"، "وجوه العصر".
درّس فروخ الرسم فترة طويلة في الجامعة الأميركية (بيروت)، ودار المعلمات الرسمية، ومدرسة مار افرام، وألقى العديد من المحاضرات، وعرضت لوحاته  في متاحف عالمية في روما وفرنسا ونيويورك، ودخل اسمه عام 1950 في قاموس الفن العالمي.
في شارع عبد القادر الخرسا، وسط الطريق التي تصل بين منطقة حوض الولاية والبسطة التحتا، بدأ مصطفى فروخ رحلته على الأرض، في عائلة متواضعة مؤلفة من خمسة أولاد.
يقول هاني فروخ: كان والدي أصغر إخوته، إلا إنه كان أكثرهم حركة، في سن السابعة بدأت تظهر موهبته في الرسم، وبدل أن يكتب على الورق فروضه المدرسية، راح يرسم رفاقه في الصف، وكان يتفنن في تشويههم.
في سن العاشرة، تردد إلى محترف إحدى الرسامات، فتأثر بأسلوبها، إلا أن هذا التأثر ما لبث أن زال، عندما تعرف عام 1916 الى الفنان حبيب سرور.
شكل هذا اللقاء نقطة تحوّل هامة في حياة الشاب مصطفى، إذ راح ينهل منه مبادئ الرسم الصحيح، وسيشرب منه أسرار صياغة اللوحة، أما في العام 1921 فقد درس على الفنان خليل الصليبي.
عام 1924 تجمع لدى مصطفى فروج مبلغ يكفيه ليسافر به إلى ايطاليا، وهناك درس في الأكاديمية الملكية للفنون (روما). انفتحت أمام فروخ أبواب المعرفة الفنية فامتشق الريشة والقلم وراح يسجل ويرسم ما تقع عليه عيناه بنهم.
كان فروخ شغوفاً بصقل موهبته على أسس تطبيقية ونظرية معاً، ومدركاً بأنه لا بد مع العمل اليدوي من ثقافة تجلوه وتصقله ليبرز في ثوب متألق وسخي، فتعاون الفكرة الطيبة والمعرفة الحقة والأصول الدقيقة على براعة الفنان في ما ينتجه.
بعد نيله الدبلوم ودع ايطاليا ممتلئاً بمعارضها الفنية، كانت باريس محطته التالية (1927) حيث زار متحف اللوفر ليثقف عينه ويتبحر بخصوصية كل مدرسة فنية وكل فنان.
تربية فروخ الفنية والجمالية على الفنون الكلاسيكية في روما والدراسة الأكاديمية فيها، حالت بينه وبين تقبل ما يتمخض عنه المجتمع الصناعي في فرنسا من مفاهيم حداثية معاصرة كانت تهشيماً لكل القيم. ان فروخ الذي لم يستوعب تيارات الحداثة الصاخبة آنذاك، كان أميناً مع نفسه وتطوره الذاتي وتطور مجتمعه آنذاك، وهو الطالع من مجتمع متزمت لا يفهم اللوحة الواقعية أو الكلاسيكية، فكيف يتذوق لوحة تكعيبية أو دادئية مستقبلية! كان فروخ ابن سياق مجتمعة وحامل قضية النهضة القومية عبر الفن الجميل، وكان يعتبر الرسم "رسالة اجتماعية إصلاحية بعيدة الأثر يترتب عليها انقلاب من أسلوب التفكير ومنحى الخلق وسمو الغاية".
وكان فروخ مسكوناً بهواجس النهضة القومية وتطور المجتمع واليقظة  الحضارية، لذا كان في كتاباته دائم المقارنة بين مجتمع وطنه والمجتمع الغربي.
العودة الى لبنان
عندما عاد فروخ من باريس سنة 1932 كان فكره يضج بالمشاريع الفنية التي كان يأمل تنفيذها للدولة اللبنانية من لوحات وجداريات كما يجري في الغرب.
كان لبنان في ذلك الحين تحت سلطة الانتداب الفرنسي، وكانت الحركة الثقافية في طريقها الى الازدهار.
سنة 1943 خرج الفرنسيون من لبنان وحصلنا على الاستقلال، فبرز على الساحة الفنية ثلاثة فنانين: عمر الأنسي، قيصر الجميل ومصطفى فروخ، وتبعهم لاحقاً الفنان صليبا الدويهي الأصغر سناً.
كان فروخ مثالياً في موقفه الفني وكان يقول: الفن يجب أن يكون في خدمة المجتمع والإنسان العربي، وأرسى ظاهرة، هي فكرة الفنان الرسول، والفن الرسالة وليس المهنة، في حين كان الفنان عمر الأنسي منزوياً في برجه العاجي في منزله في تلة الخياط، يرسم الغزلان والمناظر تحت مبدأ الفن للفن.
الانطباعية
كان فروخ يقصد الطبيعة راصداً حركتها أو يقف أمام طبيعة صامتة. يذهب الى المناطق الجبلية مؤرجحاً ريشته مع تمايل الصنوبر، وما يلوح له من بيوت القرميد وحركة الأنهار وانسيابات الوديان.
يقول الناقد أحمد بزون: "لعل علاقة فروخ المباشرة بالطبيعة، وانتقاله من روما الى باريس، أثّرا في أسلوب تصويره الطبيعة، فرسخا تحولاً أسلوبياً نحو الانطباعية أضيف الى كلاسيكية الأكاديمية الثابتة.
في سنة 1952 أصيب فروخ بمرض عضال، فكان تارة يلازم الفراش، وتارة أخرى يعود الى التصوير، وقد استمر على هذه الحال حتى سنة 1956. والغريب في الأمر أنه في هذه المرحلة أنتج أكثر لوحاته إشراقاً وفرحاً حتى وافته المنية في صباح السبت 16 شباط 1957 في مستشفى المقاصد.
عبد الحليم حمود
الانتقاد/العدد1219 ـ الجمعة 15 حزيران/يونيو 2007

2007-06-15