ارشيف من : 2005-2008

ردود فعل دينية وسياسية وشعبية غاضبة...مرقد الإمامين العسكريين تحت خط النار مرة أخرى!

ردود فعل دينية وسياسية وشعبية غاضبة...مرقد الإمامين العسكريين تحت خط النار مرة أخرى!

بغداد ـ عادل الجبوري
بعد عام وثلاثة شهور وعشرين يوما وفي يوم الاربعاء (13/6/2007) ايضا، كان مرقد الامامين علي الهادي والحسن العسكري عليهما السلام في مدينة سامراء (120 كم شمالي بغداد) على موعد مع عمل ارهابي اخر لا يقل بشاعة وهمجية عن العمل الارهابي الاول الذي وقع في صبيحة الثاني والعشرين من شهر شباط/ فبراير من العام الماضي.
واذا كان العمل الارهابي الاول قد استهدف قبة الامامين العسكريين، فإن العمل الاخير استهدف اثنتين من مآذن المرقد الأربع، واحالهما الى ركام من الانقاض.
لم تعلن اية جهة حتى كتابة هذه السطور مسؤوليتها عن تلك العملية، ولكن معظم اصابع الاتهام توجهت الى تنظيم القاعدة والجماعات التكفيرية السلفية، وجماعات من الاجهزة الحزبية والامنية والاستخباراتية للنظام السابق، دون ان تعفي الحكومة وقوات الاحتلال من مسؤولية ما حصل في سامراء مؤخرا وما حصل في غيرها.
واصابع الاتهام وجهت الى تنظيم القاعدة والجماعات التكفيرية وفقا الى معطيات وحقائق ومؤشرات عديدة تعزز فرضية او احتمال ضلوع هؤلاء في استهداف مرقد الامامين العسكريين، ومن تلك الحقائق والمعطيات والفرضيات، اعلان تنظيم القاعدة مسؤوليته عن العمل الارهابي السابق الذي ادى الى تدمير جزء كبير من المرقد، وكذلك فتوى اطلقها قبل شهور قلائل رجل الدين السعودي المتطرف بن جبرين دعا فيها الى تدمير ما تبقى من مرقد العسكريين، وتدمير كل الاثار والمعالم الاسلامية، وحث بكل صراحة ووضوح على العمل الجاد لتدمير مرقد الامامين العسكريين بالكامل.
الى جانب ذلك فإن هناك حقائق ومعطيات ومؤشرات عديدة تعزز فرضية تورط بقايا عناصر النظام السابق في المساهمة بارتكاب الاعتداء على المرقد الشريف، ومن بينها، ان الاعتداء الارهابي اعقب الليلة التي تم فيها استبدال قوة الحماية المؤلفة من عناصر ينحدرون جميعهم من مدينة تكريت مسقط رأس رئيس النظام السابق صدام حسين بقوة حماية من العاصمة بغداد، علما ان نزاعا نشب بين افراد القوتين قبل انجاز عملية التسليم والاستلام، والتي حسب ما يبدو انها تمت رغما عن قوة الحماية السابقة.
وعملية الاستهداف تمت بحسب مصادر مطلعة في الاجهزة الامنية بوضع عبوات ناسفة شديدة الانفجار عند قاعدتي المئذنتين، في نفس الوقت الذي تم فيه اطلاق قذائف هاون عليهما، الامر الذي ادى الى انهيارهما بالكامل. والغريب في الامر ان العملية وقعت  في ظل وجود مكثف لعناصر وزارتي الداخلية والدفاع هناك، ما يعزز فرضية وجود تواطؤ من قبل عناصر من قوات الداخلية والدفاع مع الجماعات الارهابية المسلحة.
شجب واستنكار ديني
وكان من الطبيعي ان تواجه عملية ارهابية من هذا القبيل، لم تكن الأولى من نوعها، تستهدف مرقدا دينيا مقدسا، بردود فعل غاضبة على مختلف الأصعدة والمستويات.
ولعل المرجع الديني اية الله العظمى السيد على السيستاني كان في مقدمة الشخصيات والقوى التي ادانت واستنكرت بشدة استهداف مرقد الامامين العسكريين. ففي بيان موقع من قبل مكتبه  بهذا الشأن اشار الى ان الايادي الاثمة عادت لتنتهك مرة اخرى حرمة الروضة العسكرية المطهرة في سامراء وتستهدف ما تبقى من معالمها المقدسة من المئذنتين المقدستين، في جريمة بشعة تعبر عن حقد مرتكبيها وبغضهم لآل النبي المصطفى صلى الله عليه واله وسلم وسعيهم المتواصل لاشعال نار الفتنة الطائفية بين ابناء العراق العزيز.
ودعا المرجع الديني المؤمنين الى التحلي بالصبر وضبط النفس، في ذات الوقت الذي دعا فيه الجهات الحكومية المسؤولة الى تحمل مسؤوليتها وتوفير الحماية اللازمة للحرم المقدس واجراءات اعادة تشييده.
مراجع دين وعلماء كبار اخرون في مدينتي النجف الاشرف وكربلاء المقدسة واماكن اخرى عبروا عن نفس الموقف، ومنهم اية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم، واية الله العظمى الشيخ اسحاق الفياض، واية الله العظمى السيد صادق الشيرازي، واية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي واية الله العظمى الشيخ بشير النجفي، واية الله الشيخ محمد مهدي الاصفي.
وفي الاطار العام عبر هؤلاء المراجع والعلماء عن جملة نقاط جوهرية تتمثل فيما يلي:
-  إنّ تلك الاعمال الاجرامية لا تخرج عن سياق المخطط الرامي الى تفجير فتنة طائفية بين المسلمين الشيعة والسنّة في العراق خاصّة، وفي العالم الإسلامي على وجه العموم، والمستفيد الأول من هذه الفتنة هو الولايات المتحدة الأميركية التي تخطط للهيمنة على العالم الإسلامي وتثبيت نفوذها السياسي والعسكري فيه.
- إنّ ابناء الطائفة السنية في العراق يرفضون ويشجبون هذه العمليات بحق أهل البيت عليهم السلام وحرماتهم، كما يرفضها الشيعة، ويرفضون دعاة التكفير وعمّال التفجير والتفخيخ، وتهجير العوائل الشيعية من بيوتهم وأحيائهم ومدنهم، كما يرفضها ابناء الطائفة الشيعية.
- مطالبة الحكومة العراقية باتخاذ موقف حازم وقوي من الفئات التكفيرية الضالة والحاقدة، وان تبادر الى الكشف عن الأيدي المجرمة التي تطاولت على حرمات أهل البيت عليهم السلام بأسرع وقت ممكن، وان ينفذ فيهم حكم الله تعالى العادل على المفسدين في الأرض، وتوفر الحماية اللازمة لمرقد الإمامين العسكريين عليهما السلام من عبث هذه الفئة المجرمة وتطاولهم وإفسادهم.
ولم تقتصر ردود الفعل المستنكرة والمدينة لذلك العمل الارهابي على المرجعيات الشيعية في العراق، بل ان المرجعيات والاوساط الدينية السنية سارعت الى التعبير عن مواقفها الغاضبة لذلك العمل.
وفضلا عن الشخصيات الدينية السنية التي ادنت استهداف مرقد الامامين العسكريين بشدة، فإن ديوان الوقف السني استنكر ما قامت به الزمر التكفيرية الضالة، من خلال استهدافها لواحد من الرموز الدينية المقدسة، وكذلك فإن هيئة علماء المسلمين التي تعد احد العناوين الدينية السنية في العراق اصدرت بيانا ادانت فيه تفجير منارتي الامامين العسكريين في سامراء، صباح الاربعاء، وحملت الهيئة بشكل مباشر قوات الاحتلال الأميركية والحكومة الحالية المسؤولية الكاملة عن التفجيرات.
 .. وسياسي                   
 سياسيا فإن المواقف الغاضبة جاءت بنفس النسق والسياق، فرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي اعتبر في حديث متلفز عقب العملية الارهابية، انها امتداد للمساعي الخبيثة لإيقاع الفتنة بين المواطنين وايجاد شرخ في الوحدة الوطنية، مشيرا الى أنها وقعت قبل يومين من البدء بخطة إعمار المرقدين المقدسين بسامراء. 
ودعا رئيس الوزراء الى ضبط النفس وتوجيه رد الفعل العنيف تحديدا ضد عناصر القاعدة والارهابيين الذين يستهدفون العراقيين، واعلن عن تشكيل لجنة تحقيق للوقوف على  ملابسات العمل الارهابي، وامر باحتجاز المسؤولين عن حراسة المرقد الشريف للتحقيق معهم والوصول الى خيوط الجريمة.
اما زعيم كتلة الائتلاف العراقي الموحد (الاغلبية) في البرلمان العراقي السيد عبد العزيز الحكيم فقد اكد ان القوى الارهابية هي المسؤولة عن هذه الجريمة, وانهم كانوا يهدفون من وراء ذلك الى اشعال الاقتتال الطائفي بين ابناء الشعب العراقي بعد ان فشلت محاولاتهم السابقة، ودعا الى محاسبة الاجهزة الامنية المقصرة في تأمين الحماية الكافية للمرقد الشريف، ودعا كذلك الجماهير الى ادراك هدف الجريمة وضبط النفس امام محاولات اشعال الفتنة، مشيرا الى ان مجرمي القاعدة والصداميين الذين يعمدون الى استهداف مقدسات المسلمين من سنة وشيعة هم اعداء للجميع ولا بد من الوقوف وقفة واحدة امامهم وانزال اقصى العقوبات بهم.
وفي نفس السياق اصدر مكتب رئاسة الجمهورية بيانا بهذه المناسبة عبر فيها عن غضبه واستنكاره لتلك الجريمة، داعيا جميع العراقيين الى الهدوء وضبط النفس والتصرف بحكمة لتفويت الفرصة على اعدائهم وافشال المخططات الرامية لجرهم الى صراعات ونزاعات طائفية لا جدوى من ورائها.
وفي ذات الاتجاه تحدث الشيخ خالد العطية رئيس مجلس النواب العراقي بالوكالة في بيان له صدر بهذا الخصوص، دعا فيه الشعب العراقي الى التهدئة وعدم الانجرار وراء مخططات الزمر الارهابية التكفيرية لاثارة الفتنة الطائفية، وفي نفس الوقت حث الحكومة العراقية على اجراء التحقيق اللازم واتخاذ الاجراءات الامنية للحفاظ على المزارات والمراقد الدينية الشريفة.
كما شدد رئيس التيار الصدري سماحة السيد مقتدى الصدر على عدم الانجرار وراء الفتنة معلنا تعليق عضوية نواب الكتلة الصدرية في البرلمان لحين قيام الحكومة بإعادة بناء جميع المساجد والحسينيات التي طالتها الاعتداءات.   
وجاءت عشرات البيانات والتصريحات لأحزاب وحركات وقوى سياسية مختلفة الاتجاهات ومنظمات المجتمع المدني وجهات حكومية لتعبر عن ذات الموقف، وكذلك التظاهرات والمسيرات الجماهيرية الحاشدة التي خرجت في مدينة سامراء نفسها ومناطق من العاصمة بغداد ومدن اخرى برغم اجراء حظر التجوال فيها.

رؤية واحدة للحدث
والملاحظ ان معظم المواقف الغاضبة والمستنكرة أشارت بوضوح الى قضايا محددة واضحة من بينها:

- ان الجهات المخططة والمنفذة ارادت كما هو الحال في المرات السابقة اشعال نار الفتنة الطائفية بين ابناء الشعب العراقي.
- ان قوات الاحتلال تتحمل مسؤولية كبيرة جراء كل ما يحصل في العراق، وهي بسبب سياساتها ومناهجها الخاطئة دفعت وما زالت تدفع بالامور الى اتجاهات خطيرة ومقلقة.
- ان الحكومة باعتبارها السلطة التنفيذية ينبغي عليها ان تظهر اقصى درجات الحزم والشدة في اتخاذ ما يلزم من اجراءات لحماية المراقد والاضرحة الدينية ومختلف اماكن العبادة، وتبذل كل ما في وسعها للحفاظ على ارواح المواطنين وممتلكاتهم ورموزهم.
والجانب المهم في ما ينبغي ان تضطلع به الحكومة ومعها كل الاطراف والجهات الفاعلة والمؤثرة هو الحؤول دون انزلاق الامور والاوضاع الى منعطفات حرجة وخطيرة مثلما حصل في العام الماضي بعد وقوع الاعتداء الاول على مرقد الامامين العسكريين، علما ان الشارع العراقي بات يشهد حالة احتقان حادة لكنها قد تكون حتى الان كامنة ولم يظهر منها على السطح الا النزر اليسير، ناهيك عن استغلال اطراف معينة او ذات الاطراف التي خططت ونفذت الاعتداء لاجواء الاحتقان والتأزم والغضب لتفجر قنابل اخرى وتزيد من خلط الاوراق وبعثرتها لعل ذلك يوصلها الى اهدافها النهائية. 
الانتقاد/ العدد 1219 ـ الجمعة 15 حزيران/يونيو 2007

2007-06-15