ارشيف من : 2005-2008
إسرائيل تدق طبولاً فارغة للحرب مع إيران: تهديدات ومناورات وأقمار تجسس
يحيى دبوق
تثير تصريحات وزير المواصلات الإسرائيلي شاؤول موفاز في واشنطن، والتهديدات التي أطلقها ضد إيران، إضافة إلى المناورات العسكرية المشتركة مع الأميركيين في صحراء النقب الفلسطيني المحتل، وأخيرا إعلان المؤسسة الأمنية الاسرائيلية إطلاق قمر تجسس جديد قادر على إعطاء صورة استخبارية أفضل عن إيران، تثير تساؤلات عن إمكان إقدام إسرائيل على شن ضربة عسكرية على المنشآت النووية الإيرانية، و/أو أنها مقدمة لعملية عسكرية أميركية تشارك فيها إسرائيل؟
إن عملية دراسة إمكانية إقدام إسرائيل على ضرب إيران لا تستند بالتأكيد الى "الرسائل" الإسرائيلية الثلاث المعلنة أخيرا (تهديد موفاز، المناورات المشتركة وإطلاق أفق 7)، وهي لا تنهي بالتأكيد أي استنتاجات سابقة سواء خلصت إلى أن "إسرائيل" و/أو الولايات المتحدة الأميركية ستقدم على ضرب المنشآت النووية الإيرانية أو إيران ككل، إذ تبقى هذه "الرسائل" مؤشرات توكيد أو نفي على تفصيل يرد لاحقا، لكن من المفيد الإشارة إلى النقاط التالية كبداية تذكيرية للمقاربة والقدرة الإسرائيلية تجاه توجيه ضربة عسكرية لإيران:
* أطلق وروّج القادة والمحللون الإسرائيليون منذ منتصف التسعينيات مصطلح "نقطة اللاعودة" التي باتت جزءاً لا يتجزأ من المقاربة الإسرائيلية والدولية للملف النووي الإيراني، وأصرت "إسرائيل" على ان ما يفصل إيران عن القدرة النووية هو ستة اشهر، بعد ذلك لا يمكن القيام بأي عمل من شأنه منع إيران من حيازة قنبلتها النووية الأولى. ونقطة اللاعودة والاشهر الست ثبتت في أي حديث تقديري تناول الملف النووي الإيراني، إلى ان استنفدت "إسرائيل" بشكل مفرط الاهداف الموضوعة لهذا المصطلح لدرجة أنه لم يعد مجديا اطلاقا، ويمس مصداقية الاستخبارات الإسرائيلية، فعمدت إلى انهاء المصطلح وسحبه من التداول.
* من المفيد الإشارة إلى انه لم يطرأ أي تغييرات خاصة ودراماتيكية على القدرة العسكرية الإسرائيلية بكل ما يتعلق بتوجيه ضربة للمنشآت النووية الإيرانية، سواء لجهة الاستخبارات الضرورية للقيام بأصل الضربة وتوقع جدوى منها، وسواء بالامكانيات الميدانية واللوجستية الضرورية بدورها لاي ضربة من هذا النوع.
إلى ذلك، من المفيد الإشارة إلى ان المحللين العسكريين الإسرائيليين اعترفوا وفي مناسبات عدة ان "إسرائيل" قاصرة اليد عن منع إيران من مواصلة مساعيها النووية، وهو ما حاول القادة (الرسميون) الإسرائيليون المواربة فيه. وللتذكير يمكن الإشارة إلى ما اورده المعلق الأمني للقناة الأولى في التلفزيون الإسرائيلي يؤآف ليمور (16/4/2006)، الأمر الذي يفيد أيضا في تصويب قراءة القدرة الميدانية الإسرائيلية، والكلام يعود إلى مصادر عسكرية إسرائيلية تعنى بالملف النووي الايراني:
"أن قصف هدف (إيراني) واحد يستلزم على الأقل ربع طائرات الأف 16 التي يمكنها حمل 10 أطنان من الذخيرة، إضافة إلى ثُمن طائرات الأف 15 من اجل حمايتها في الجو ذهابا وإيابا. كما يتطلب الأمر طائرات تزويد بالوقود واتصالات وحربا إلكترونية وإنذارا، وعلى الأقل مروحيتين تحمل مقاتلين من اجل إنقاذ طيارين في حال تعرضهم للإصابة، وكل ما قلناه هو لمهاجمة هدف واحد فقط. يضاف إلى ذلك أن الأمر يتطلب أيضا من سلاح الجو التعامل أيضا مع بطاريات الدفاع الجوي لإيران وقواذف صواريخ الشهاب التي ستطلق تجاه إسرائيل، هذا ولم نتحدث بعد عن التنسيق الإلزامي مع الأميركيين المسيطرين على الخليج الفارسي وعلى المسارات الجوية في الطريق"، والحديث هنا يكاد يتعلق بكل سلاح الجو الإسرائيلي الفاعل للقيام بضربة إسرائيلية لهدف إيراني واحد من اصل عشرات أو مئات الأهداف المتعلقة بالملف النووي الإيراني.
* أثّرت الحرب الأخيرة على لبنان سلبا على عنصر الردع الإسرائيلي الذي يعتبر عماد النظرية الأمنية الإسرائيلية والقادر على حمايتها من دون ان تلجأ في احيان كثيرة إلى استخدام القوة، إذ ان الخشية من مواجهة "إسرائيل" أو عقابها كان كفيلا للكيان الصهيوني بان يمنع اعداءه من مهاجمته، لعدم الجدوى من الفعل العدائي ضده أو خوفا من العقاب الذي لـ"إسرائيل" القدرة على توجيهه للأعداء، بل ان الردع الإسرائيلي منع بعض القادة العرب من اصل التفكير في مواجهتها.
تراجع قدرة الردع الإسرائيلي لدى اعدائها على اثر الفشل الإسرائيلي في الحرب الأخيرة على لبنان، كان تراجعا كبيرا جدا إلى درجة ان "المنبطحين" العرب اعترفوا به صراحة، وأسسوا عليه في مقارباتهم المختلفة مع "إسرائيل". وهو تراجع انعكس أيضا على الداخل الإسرائيلي إذ تراجعت الثقة لدى الجمهور الإسرائيلي بجيشه وقدرته على منع اعداء "إسرائيل" من المس بها بشكل ناجح. ويكفي ان نتتبع المقاربة الإسرائيلية السابقة للحرب لكل ما يتعلق بالتهديد الذي يشكله الجيش السوري ضد إسرائيل، إذ كان يعادل صفرا أو دون الصفر قبل الحرب (تصريحات متكررة للقادة الإسرائيليين العسكريين والسياسيين) إلى الخشية من اقدام سوريا على شن حرب عليها، ما استتبع ارسال تطمينات إلى دمشق ان "إسرائيل" لا تنوي مهاجمتها، وهو مستوى من "التنازل" الإسرائيلي غير مسبوق إسرائيليا وغير محمود أيضا.
* من التداعيات السلبية الإضافية لفشل الحرب الأخيرة على لبنان، والتي تقلق القادة الإسرائيليين كثيرا، تراجع الثقة الأميركية بقدرة "إسرائيل" على ان تلعب دور الذراع العسكرية التي تقدم على توجيه ضربات لا يمكن أو لا تريد الولايات المتحدة القيام بها لسبب أو لظرف محدد. وبالتالي عمد الإسرائيليون منذ انتهاء الحرب إلى اعلان مكونات قدرة إسرائيلية عسكرية واستخباراتية وامنية مستجدة لديهم تدحض ما رسخ بالأذهان نتيجة الفشل في الحرب، علما أن البعض منها إعلامي لا يعبر عن الوقائع والحقائق الميدانية والقدرات الفعلية، بل ان بعضها يصل إلى مستويات "الفبركة" المفضوحة (المشروع الخيالي للجيش الإسرائيلي ـ ستيف اوستن ـ واليد الالكترونية التي تزود بها الجندي الإسرائيلي القادرة على حمل اطنان).
في "الرسائل" الإسرائيلية الثلاث الأخيرة (تهديد موفاز، المناورات المشتركة مع الأميركيين، واطلاق قمر التجسس افق 7) يمكن الإشارة إلى التالي:
تهديدات موفاز
يأتي "التهديد" الذي أطلقه الوزير شاؤول موفاز، رئيس الطاقم الإسرائيلي لمحادثات الحوار الاستراتيجي بين "إسرائيل" والولايات المتحدة بما يتعلق بالأخطار والتهديدات المشتركة، وعلى رأسها إيران، في إطار سياقات خاصة تتعلق بالمحادثات ومتعلقاتها، وبالتالي يتوجب فهم التصريح على انه غير ابتدائي ومتصل بسياقات الحوار الاستراتيجي المبني أساسا على مناقشة الخطر النووي الإيراني، بمعنى آخر انه لا يمكن لموفاز أن يطلق تصريحات مغايرة لا تشتمل على عامل تهديد.
مع ذلك، يمكن لـ"تهديد" موفاز أو يوصّف واقعا مغايرا لما أراد إظهاره من خلاله، إذ انه أشار إلى انه قال تحديدا: "يجب العمل على وقف تخصيب اليوانيوم في إيران في الأشهر القريبة المقبلة. وصحيح حتى اليوم انه ينبغي العمل عبر العقوبات الاقتصادية، لكن إذا لم تحقق هذه (العقوبات) هدفها فينبغي الإبقاء على كل الخيارات مفتوحة" (معاريف 8/6/2007). أي أن موفاز اقر بضرورة العمل عبر العقوبات الاقتصادية، وهو ما يوجب التأمل كونه يصدر عن وزير إسرائيلي معني، وأجّل الضربة إلى ما بعد وضوح قدرة هذه العقوبات على إعطاء نتائج مرجوة منها. بمعنى اخر، لا يشير "تهديد" موفاز إلى ضربة وشيكة، بل يخدم في سياقاته الرؤية التي ترى تراجع اصل الضربة العسكرية لإيران التي كان يرى التقدير شبه الجامع "حتمية" حصولها في الصيف الحالي.
المناورات المشتركة:
ابتداءً، يشار إلى أن المناورات العسكرية، سواء كانت مناورات برية أو جوية أو بحرية، ومهما كان نوعها، تعتبر رسائل موجهة تخدم سياقات سياسية معينة إذا ما كانت كاميرات التصوير فيها والترويج الإعلامي لها تساوي أو تزيد عن الأسلحة المستخدمة في المناورات.
إضافة إلى ذلك، لا يمكن لسلاح الجو الإسرائيلي ان يقدم أية قيمة مضافة على قدرة سلاح الجو الأميركي في حال أراد توجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية والبنى التحتية في إيران، إذ لا يحتاج الأميركيون لاضافة أي قدرة على قدراتهم الهائلة الموجودة في حوزتهم والقادرين من ناحية عملياتية على توجيهها لإيران.
ومسألة اكتفاء الأميركيين بقدراتهم الخاصة تنسحب أيضا على المسألة اللوجستية بعد توزع القواعد الأميركية حول إيران، سواء في العراق أو في مياه الخليج والمحيط، وسواء في تركيا وافغانستان وغيرها.
لا يمكن ان نجد معنى للمناورات المشتركة سوى في إعادة الاعتبار لإسرائيل بعد فشلها الذريع في لبنان خلال الحرب الأخيرة. والمناورات محاولة غير موفقة تريد القول ان إسرائيل حية في المسألة النووية الإيرانية وستبقى معنية عسكريا فيها. ولعلها تخدم الداخل الإسرائيلي وتوجه رسالة طمأنة للاسرائيليين ان هناك ما يعمل عليه، وان "إسرائيل" غير مكتوفة الايدي ولديها خيارات.
افق 7
لم يتسن من المتابعة العلنية لما ينشر في "إسرائيل" وتعليقات المختصين حوله، توكيد وجود النجاحات التي أسندت لأفق 7، القمر التجسسي الإسرائيلي الجديد. وعلى فرض نجاح إطلاق القمر وبدئه بالعمل وتوفير مادة استخباراتية عن إيران تمكن "إسرائيل" من معرفة أكثر وضوحا عما يجري في إيران، الا ان القمر الجديد يبقى مفردة صغيرة تحتاج إلى اخذ مكانها والمزاحمة بين مفردات كثيرة، وبالتالي لن تقدم أي جديد، على خلفية ان الأميركيين وغير الأميركيين يوجهون عشرات الاقمار الصناعية إلى إيران. يسجل للاسرائيليين انهم وسعوا قدراتهم الاستخبارية في حال نجح القمر التجسسي الجديد في العمل، لكنه لن يقدم جديدا على صعيد الملف النووي الإيراني.
الانتقاد/ العدد 1219 ـ الجمعة 15 حزيران/يونيو 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018