ارشيف من : 2005-2008
بوش: صعوبات ومنزلقات متزايدة
شبه منبوذ في بلاده في ظروف هبوط شعبيته وتقلص سلطاته وسيل الاستقالات الذي يضرب كبار الرموز في إدارته والأحكام القضائية بحق إجراءاته والمعارضة المتصاعدة، من قبل الشارع والكونغرس وأعضاء حزبه الجمهوري، لسياساته وحروبه التي انكشفت ـ في العراق وأفغانستان ولبنان وفلسطين ـ عن أفخاخ قاتلة، أو عن إحباط مدمر للأعصاب في المواجهة حول الملف النووي الإيراني...
يبدو أن الرئيس الأميركي جورج بوش قد فقد كل وسيلة للحركة غير الإمعان في الهروب إلى الأمام والخبط العشوائي على طريقة من عيل صبره وفقد رباطة جأشه. حشد محموم لحاملات الطائرات في الخليج، المشحون أصلاً بالقواعد العسكرية ومناورات عسكرية في الخليج تسبقها وتعقبها مناورات مشتركة في النقب مع الجيش الإسرائيلي، وجولات محمومة لمبعوثيه على بلدان المنطقة والعالم بلغت ذروتها مع جولته الأوروبية التي استغرقت ثمانية أيام وتخللتها مشاركته في أعمال قمة البلدان الصناعية الثمانية.
وبين هذا وذاك عربدات وتهديدات ومحاولات للحشد ضد إيران وروسيا وسوريا والمعارضة اللبنانية قوبلت، والحق يقال، بشكل إيجابي في بعض البلدان، ومن قبل بعض الجهات التي باتت تنطبق عليها صفة الجهات "المتسولة"، ولكن بشكل سلبي من قبل البلدان والجهات الأكثر حضوراً وفاعلية، من خلال تظاهرات التنديد الشعبية والتعارضات الواضحة مع كبار الحلفاء، كما هو الشأن فيما يخص الملف البيئي، ومع صغارهم على ما تشهد عليه تفاعلات الوضع في تشيكيا المنقسمة، كإرهاص لما سيكون عليه حال أوروبا كلها، حول مشكلة الدرع الصاروخية، والمواجهات المفتوحة على "الخوف" مع روسيا التي عادت مؤخراً لترتدي وجهها السوفياتي وسط التلويح بالصواريخ وسباق التسلح وتعليق الاتفاقيات التي سجلت، خلال العقود الأخيرة، كشهادات دامغة على ما بدا وكأنه انتصار للغرب ونهاية للتاريخ في المواجهات الدولية.
وفي مؤشر قد يكون أكثر دلالة على سوء الطالع، تعطلت بالرئيس بوش، في وسط الشارع، سيارة الليموزين التي كان قد ركب فيها ليبلغ بها المقر البابوي، ثم لم تتسع بوابة الفاتيكان لمرور سيارة الليموزين البديلة، ما اضطره إلى الترجل وقطع بقية المسافة سيراً على قدميه. نتيجة قد تكون أكثر رحمة به مما ينتظره في الأيام والشهور القادمة حيث تشير التوقعات إلى القهقرى أو الزحف على ماء الوجه للخروج من المأزق العراقي وسائر مآزق المنطقة، ولا سيما من مأزق الدرع الصاروخية ومختلف المآزق في المواجهة مع روسيا.
الرفض الروسي الحازم والمفتوح على استخدام حق الفيتو في وجه مشاريع القرارات الأميركية ـ الأوروبية حول استقلال كوسوفو ووضعها تحت إشراف دولي، أوقف عقارب الساعة في نقطة اللاحل وأدخل العلاقات الروسية الغربية في امتحان صعب. صعوبات مماثلة تكتنف مشكلة الدرع الصاروخية مع ميل واضح نحو تسجيل النقاط لمصلحة روسيا.
الدعوى الأميركية تقدم الدرع المزمع إنشاؤها في بولندا وتشيكيا على أنها وسيلة لصد الصواريخ "النووية" الإيرانية عن أوروبا، أو، عن قسم من أوروبا، لأن في الأفق مشروع درع أخرى في جورجيا لتغطية اليونان وتركيا وبلغاريا ورومانيا. لكن روسيا التي ترى في المشروع استهدافاً مباشراً لأمنها لحقت الكذاب إلى باب داره واقترحت، بمنتهى المكر ولأغراض التوريط المضاعف، إنشاء الدرع في العراق، أو بشكل أكثر قرباً إلى منطق المشاركة، في قاعدة تستأجرها روسيا في آذربيجان، حيث يمكن صد الصواريخ الإيرانية عن كامل أوروبا وغيرها بناجعية أكبر بكثير.
وكان من الطبيعي للمقترحات الروسية بهذا الشأن أن تدخل الأميركيين في حالة من الإرباك والحرج الشديدين لأن إقامة الدرع في جيورجيا أو العراق تعرقل المساعي الأميركية الهادفة إلى إعادة إحياء خطر البعبع السوفياتي في أذهان الأوروبيين، وبالتالي إلى المزيد من ربط القطار الأوروبي بالقاطرة الأميركية.
إضافة إلى ما تدفع إليه هذه المقترحات من تعميق للخلافات الأوروبية حول الدرع الأميركية التي بدأت تطل برأسها بشكل لافت في تشيكيا. الإرباك والحرج الأميركيان ظهرا بوضوح في الحملات الإعلامية الواسعة النطاق التي اجتهدت أيما اجتهاد في حشد محموم للأدلة على عدم صلاحية آذربيجان، تارة لأسباب فنية وأطواراً لأسباب جغرافية وسياسية.
وفي ظل وصول أزمة الدرع الصاروخية الأميركية ومشكلة كوسوفو إلى مستوى تواتر معه الكلام عن انبعاث الحرب الباردة وما ينطوي عليه ذلك من إثارة لهواجس أوروبا التي هددت روسيا بتصويب الصواريخ إليها، تحدث بلير إلى بوتين عن "خوف الناس" من تفاقم المشكلة، فيما أطلقت البروباغندا الغربية حملة منظمة على ثلاثة محاور:
الأول هو محور الترغيب في محاولة لاستغواء روسيا عن طريق مراكمة التصريحات حول التعايش والصداقة والشراكة والتحالف الاستراتيجي ضد الإرهاب وخطر الانتشار النووي، وعدم وصول تردي العلاقات إلى مستوى الحرب الباردة أو البغضاء التي كانت سائدة خلال الحقبة السوفياتية.
والثاني هو محور الترهيب عبر التركيز على تجاوزات روسيا في مجال التضييق على الحريات الديمقراطية.
والثالث هو محور محاولات الفت من عضد الروس ورفع معنويات الغربيين عبر التشديد على اهتراء الجيش الروسي وتخلف معداته وتدهور مرتبات جنوده، وما إلى ذلك من كلام هو أشبه بقصائد الهجاء أو التهريج منه إلى الخطاب السياسي والاستراتيجي المسؤول، على ما دأبت عليه القوى الغربية في المواجهات السابقة التي كانت تحقق فيها الانتصارات المبرمجة قبل الدخول في الحروب الرابحة مع خصوم توكل إليهم مهمة الهزيمة بشكل طوعي ومسبق. وسواء تعلق الأمر بالدرع الصاروخية أم بكوسوفو، فإن المشكلتين الناشئتين بين روسيا والغرب تستندان إلى ركام عال من المشكلات التي يلخصها، منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، سعي الغربيين الدؤوب إلى التضييق على روسيا من البلطيق والبلقان إلى أوكرانيا والقفقاس وآسيا الوسطى.
وإذا كانت روسيا ما بعد السوفياتية قد أسلست القياد، في ظل بوريس يلتسين، للانكشاف أمام رغبات الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي، فإن روسيا فلاديمير بوتين التي حولت نفطها من سلاح ضد نفسها إلى سلاح موجع لأوروبا تحديداً، والتي جددت ترسانتها العسكرية، والتي استفادت خصوصاً من هزائم أميركا وحلفائها في الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية، تبدو مصرة على تلقف الكرة والعودة إلى وضع يمكنها من احتلال ما يبدو أنه موقعها الطبيعي في إدارة الشأن الدولي، وذلك وسط حنق الغربيين وعجزهم عن الإمساك بخيوط اللعبة.
عقيل الشيخ حسين
الانتقاد/ العدد 1219 ـ الجمعة 15 حزيران/يونيو 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018