ارشيف من : 2005-2008
العقرب الأميركية... عندما تلدغ نفسها
إذا كانت الدرع الصاروخية في أوروبا ذات طابع دفاعي لمواجهة الصواريخ الإيرانية، على ما تقوله مزاعم الإدارة الأميركية، فإنها تشكل، بالمنطق نفسه، إحراجاً كبيراً للوكالة الدولية للطاقة الذرية وللمفاوضين الأوروبيين حول الملف النووي الإيراني، بمقدار ما تزيد من إحساس إيران بالنيات الأميركية العدائية تجاهها. بهذا المعنى تكلم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في وقت تعهدت فيه إيران بتقديم إجابات على جميع الأسئلة حول طبيعة برنامجها النووي السلمي. وإذا كانت سياسة العقوبات المعتمدة تجاه إيران قد أثبت عدم فاعليتها باتجاه التوصل إلى حل يرضي أميركا، فإن المشكلة العراقية وما بات يرتبط بها من مشكلات امتدت إلى الخليج ولبنان وفلسطين، تضاف إلى الملف النووي الإيراني لتشكل مادة المفاوضات التي أجبرت واشنطن على الدخول فيها مع إيران وسوريا بموجب مقترحات بيكر ـ هاملتون، والتي تحاول من خلالها انتزاع أقصى ما يمكنها انتزاعه من مكاسب. لكن القدرة على انتزاع المكاسب تتطلب وضعاً قوياً من الناحية الاستراتيجية، ومثل هذا الوضع لم يعد في متناول الأميركيين في ظل ما يتعرضون له من هزائم في العراق وأفغانستان، وخصوصاً في لبنان حيث فشل استخدام أميركا للهراوة الإسرائيلية في ضرب المقاومة والبدء مجدداً في رسم خريطة الشرق الأوسط الجديد وفق ما صرحت به كوندوليزا رايس في بداية حرب تموز/ يوليو 2006.
الأوراق الوحيدة المتبقية للضغط في المفاوضات، في وقت تضيق فيه حدود المناورة أمام الرئيس بوش، وسط تصاعد عمليات المقاومة في العراق وتراكم التوترات بين واشنطن والحكومات العراقية المتتالية، هي اللجوء إلى التهويل العسكري. حشد بحري متزايد ومناورات أميركية في مياه الخليج وبحر العرب، ومناورات أميركية إسرائيلية في النقب، في وقت يتحدث فيه المسؤولون الإسرائيليون العائدون من واشنطن عن الوضع المفتوح على كافة الاحتمالات، في إشارة واضحة إلى الاحتمال الحربي وتوجيه ضربة عسكرية إلى إيران. تهويل واضح بعدما أثبت الاستخدام الفعلي الأقصى للقوة العسكرية فشله في العراق وأفغانستان ولبنان، وكبار المحللين الأميركيين أنفسهم يعترفون بأن ما يجري هو مجرد عربدة عسكرية أميركية ـ إسرائيلية، وان هذه العربدة وما يحيط بها من سياسات وإجراءات فاشلة لا تفعل غير تقوية مواقف الممانعة والمقاومة تجاه السياسات الأميركية. ولو افترضنا أن النزق والطمع المحموم في استعادة الهيبة من قبل أميركا و"إسرائيل" قد يدفعان باتجاه القيام بمغامرة عسكرية ضد إيران، في وقت تعاني فيه كل منهما من العواقب الوخيمة لمغامرات سابقة ضد خصوم لا يتمتعون بجزء يسير من قدرات إيران، فإن النتيجة ستكون كارثية عليهما وعلى حلفائهما في المنطقة باعتراف الجميع.
أدنى مظاهر الكارثة أن الغرب بأسره سيتعرض لانهيار فعلي نتيجة للتوقف الأكيد للإمدادات النفطية من الخليج. أما التداعيات الميدانية، في ظل قدرة إيران على استيعاب الضربات وتوجيه الضربات المؤلمة، فإن الجيوش والمصالح الأميركية في المنطقة ستتحول مع الكيان الصهيوني إلى مجرد وقود ملتهب، في ظل وقوعها في مرمى الصواريخ الإيرانية المتوسطة المدى، وفي ظل احتمالات تطور النزاع ليشمل أطرافاً كسوريا ولبنان ومنطقة القفقاس حيث تحركت، بالتوازي مع التصعيد الأميركي، مشكلات كاراباخ وأوسيتيا الجنوبية وأبخازيا. أما الوضع الملتهب في أفغانستان والذي بدأ يثير مخاوف حقيقية من انهيار الحلف الأطلسي، إضافة إلى تداعياته الباكستانية، فإنه قد يفضي، في حال اشتعال حرب أميركية على إيران، إلى مفاجآت، منها انقلاب الأوضاع في الهند وباكستان باتجاه تكوين تحالف معاد لأميركا وسط الإحساس المتزايد بثقل وطأة الوجود الأميركي وما يشتمل عليه هذا الوجود من مشاريع الزعزعة والفوضى البناءة. بعض المحللين الأميركيين شبهوا محاولات القفز في الفراغ التي يقوم بها الرئيس بوش حالياً بمحاولة نيكسون عام 1970 لتلافي الهزيمة في فيتنام عبر غزو كمبوديا. وكانت النتيجة خروج أميركا من الهند الصينية كلها برغم ما كانت تتمتع به يومها من قوة. ورجحوا أن محاولات بوش اليائسة وتحرشاته بإيران من شأنها أن تخرج أميركا من العالم وتعيدها إلى انعزاليتها التاريخية وما تنطوي عليه، على طريقة العقرب المحاصرة، من إمكانية لدغ نفسها بالعودة إلى حروبها الأهلية.
ع.ح
الانتقاد/ العدد 1219 ـ الجمعة 15 حزيران/يونيو 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018