ارشيف من : 2005-2008
يذهب سدى
ألهذا الدرك بلغ ثمن الدم؟ ألهذا الرخص وصل ثمن الجراح؟ أليس بالإمكان تعويم هذه السلعة وإعادة الاعتبار إليها؟ ألا يدرك أحد أن التفريط بالدماء العربية جعل مشهدها المأساوي في مرتبة العادي، وفي مقام الباهت؟
ثمة حاجة، ربما، إلى تنبيه العرب، إلى أن الدماء العربية، لم تعد تجدي نفعاً، ثمة إلحاح على الوعي العربي، كي يدرك أن الإنسان العربي بات بضاعة كاسدة، وأن إتلافه لا يثير شفقة أحد، وإن كان يثير آلاماً موضعية، وخوفاً موضعياً، وقرفاً عاماً.
شريط الأنباء الدائم، ينقل يوميات الدم العربي، بدم بارد، بحبر بارد، بيأس بارد: يقول الشريط: الدماء العراقية على قارعة العنف المذهبي والطائفي والعبثي، كثير منه يسفك بأيدٍ عربية.
الدماء الفلسطينية تخلت عن الحرام، وباتت حلالاً وطنياً، ترتكبه أسلحة فلسطينية، كان قد تم تدريب زنادها وفوّهاتها لتطلق على العدو الإسرائيلي. الدماء اللبنانية الزكية التي رفعت كرامة لبنان في عدوان تموز، تم تبخيسها في التيه السياسي اللبناني، وتحوّل الحفاظ عليها حراماً، احتراماً لنزق الشرعية الدولية. الدماء العربية، يا من تبقى من العرب، تسفك بأيدٍ عربية فصيحة القتل وبليغة الفتك.
شريط السياسة يفضي إلى رسم المشاهد التالية: انسحبت "اسرائيل" من غزة، فدخل القطاع في عتمة دمه. ويمكن ترجمة المشهد التالي: محاصران يتقاتلان. دمان ينزفان ودم واحد. فيما دماء العدو مصانة بالانسحاب، وأي تماس بها، يعطي العدو صكاً بالسفك بلا رحمة.
غزة، بين أيدي المحاصرين، تعيش حصارين: حصاراً دامياً من الخارج، وحصاراً دموياً متفجراً في الداخل، فأي جحيم هذا؟
تحضر الولايات المتحدة لانسحاب جيشها، عاجلاً أو آجلاً، والعالم يخشى أن يفجّر الانسحاب الأميركي، ما تبقى من أرض العراق وشعبه، عدد القتلى العراقيين بأيدي العراقيين، يفوق أضعافاً مؤلفة، ما ارتكبه الاحتلال الأميركي، والكارثة أن الجميع يؤكد، أن العراق بيد مذاهبه وإثنياته ومناطقه وقبائله وعشائره، سيكون أشد مضاضة "فظلم ذوي القربى، هو كذلك، أشد وطأة من وقع الحسام المهند".
أخرجت "اسرائيل" من لبنان بالقوة، حاولت العودة مرة أخرى، ففشلت، ولكن فريقاً لبنانياً، يصرّ على أن الوقت لم يحضر بعد لوضع حدود للانهيار، ولوقف الهرولة إلى الهاوية، لم يستطع العدو الإسرائيلي أن يفتك بالوحدة اللبنانية، بعد العام 1995، فلماذا يتم تبديد وحدة مرغوبة، بشروط تبيد الوحدة؟
في التاريخ، فصول أمثولات: عندما يبلغ الخطر مدى يهدد الأمن والاستقرار والوجود، تلجأ الجماعات السياسية، إلى تأليف حكومات اتحاد وطني، حتى الحكومات الدكتاتورية، تفتح أبوابها أحياناً لإشراك قوى مبعدة عن السلطة، لصياغة قرارات مصيرية.
إلا في لبنان:
عنف في الشمال، مخيم نهر البارد، دخل مرحلة الغرغرينا، انتماءات "فتح الإسلام"، تثير الشبهة، والصبغة "القاعدية"، ومع ذلك يتم التعامل معها، كظاهرة سياسية عابرة.. عنف اغتيالي، يطال أكثر من قائد وقيادي وإنسان عادي. عنف متجوّل، تفجيراً وتفخيخاً واغتيالاً وتسليحاً وتدريباً و.. ومع ذلك ينظر إلى ذلك بعين التشكيك المتبادل.
إن الأخطار الكبيرة تحيط بلبنان وليس في الأفق الا الغيوم السود والأيادي السود، والنيات السود، وبناءً عليه، فإن أمام اللبنانيين، فرصة أخيرة، ليوقفوا هذا الانزلاق إلى الكارثة.
فالحرب الأهلية في العراق قد تجد توأمة لها، في غزة والضفة الغربية، وفي لبنان، عندها يذهب العرب سدى، كما ذهبت دماؤهم.
نصري الصايغ
الانتقاد/ العدد 1219 ـ الجمعة 15 حزيران/يونيو 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018