ارشيف من : 2005-2008
خيارات واشنطن الجديدة في العراق.. مؤشر للفشل أم ماذا؟
بغداد ـ عادل الجبوري
اثار اعلان الولايات المتحدة الاميركية نيتها تسليح الميليشيات السنية وابناء عشائر في العراق ردود فعل متفاوتة، تمثلت في مجملها بالرفض والتحفظ، او في افضل الاحوال بالترحيب الحذر. أول ردود الافعال الرافضة للخطوة الاميركية جاء على لسان رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الذي رأى ان اية خطوات بهذا الاتجاه ينبغي ان تتم تحت اشراف الدولة العراقية التي يجب ان تحصل على ضمانات بأن ذلك لن يؤدي الى تشكيل ميليشيات جديدة.
مع ان واشنطن تجنبت الرد الصريح والمباشر على موقف المالكي، ربما لاجل عدم تصعيد المواقف حول مثل تلك القضية الحساسة والمثيرة للجدل، لكن يبدو انها تتعامل مع الموضوع بجدية وتتحرك بوتائر سريعة. ولعل المواجهات المسلحة في منطقة العامرية الواقعة في اقصى الجانب الغربي للعاصمة العراقية بغداد مطلع الشهر الجاري بين تنظيم القاعدة من جهة، وجماعات مسلحة من الجيش الاسلامي وكتائب ثورة العشرين من جهة أخرى، سلطت الاضواء على جانب من "الأجندة" الاميركية القديمة ـ الجديدة في التعاطي مع الجماعات المسلحة.
فالقوات الاميركية سارعت الى تلبية نداء الجماعات التي تصدت لعناصر تنظيم القاعدة والجهات السياسية المساندة لها، كالحزب الاسلامي العراقي بزعامة نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي، ولم تنف التقارير التي تحدثت عن تمويلها لتلك الجماعات بالاسلحة والعتاد للحؤول دون هزيمتها امام تنظيم القاعدة، والاكثر من ذلك انها لم تتردد في تقديم الدعم والاسناد لمجاميع كانت في السابق، وبحسب تقارير اجهزة الاستخبارات الاميركية، قد نفذت عمليات مسلحة استهدفت القوات الاميركية في العراق، ومن تلك الجماعات ميليشيات مسلحة تنشط في منطقة العامرية والمناطق القريبة منها تطلق على نفسها اسم "وطنيو بغداد"، حيث يتزعمها ضابط سابق في الجيش العراقي المنحل برتبة رائد.
وكانت صحيفة واشنطن بوست الاميركية قد اشارت في سياق تناولها وتغطيتها لاحداث العامرية الى ان القوات الاميركية اقامت علاقات مع عشرات الميليشيات السنية المسلحة في منطقة العامرية تطلق على نفسها "وطنيو بغداد"، وان الميليشيات المشار اليها هي جماعة يعرف الاميركيون انها تضم عددا من المقاتلين شنوا هجمات على القوات الاميركية في وقت مضى، لكنهم ـ أي الاميركيين ـ ضمنوا تقديم الدعم لتلك الجماعات، وسمحوا لقوات الجيش العراقي بتزويدهم بالذخيرة، واكثر من ذلك هو ان الاميركيين يخططون لجعل هذه الجماعة قوة شرطة العامرية بعد ان رفضت قوة من الشرطة العراقية العمل في تلك المنطقة.
وعلى ضوء القراءات التحليلية للمعطيات والحقائق الماثلة على الارض، وللمعلومات المتسربة من خلف الكواليس فإن الولايات المتحدة راحت تفعّل برنامج دعم واسناد جماعات حزبية وعشائرية سنية، بعد ان كانت قد دخلت في مفاوضات معها منذ اكثر من عام تحت اشراف السفير الاميركي السابق في بغداد زلماي خليل زاد، انطلاقا من دوافع وحسابات عديدة من بينها:
- استرضاء جهات داخلية عراقية سنية، وجهات خارجية عربية تتمثل بحكومات دول عربية مثل المملكة العربية السعودية ومصر والاردن، ترى ان المعادلة القائمة حاليا للحكم في العراق تنطوي على كثير من الغبن والحيف للكيان السني، وترى ان واشنطن قادرة على تعديلها، والاخيرة تعتقد ان قيامها بذلك سيساهم في تجاوب اكبر من تلك الجهات وبمساهمتها في مواجهة تنظيم القاعدة.
- اضعاف حكومة نوري المالكي وتطويقها بالمشاكل والازمات، وحصرها في زوايا ضيقة للابقاء على كل الاحتمالات والخيارات مفتوحة، ولا شك ان الحديث الواسع الذي تتداوله منذ فترة اوساط ودوائر سياسية ووسائل اعلام في واشنطن عن نية الادارة الاميركية الاطاحة بحكومة المالكي والمجيء بحكومة اخرى لم يأت من فراغ.
- وفي نفس السياق فإن واشنطن وفي سياق صراعها مع طهران الذي باتت الساحة العراقية احد ابرز ميادينه، تسعى الى تحجيم قوة التيارات السياسية الشيعية القريبة من ايران، او تلك التي لها امتدادات وعلاقات هناك، وتتمثل بالاطار العام بكتلة الائتلاف العراقي الموحد (كتلة الاغلبية في مجلس النواب العراقي).
ولكن يبقى السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو، هل سيعود قيام واشنطن بتسليح بعض الميليشيات او العشائر السنية بنتائج ايجابية عليها ام انه سيزيد الامور تعقيدا؟
القراءات الاولية تذهب الى ترجيح الاحتمال الثاني لاسباب عديدة من بينها:
- ان تسليح بعض الميليشيات والمجاميع سيثير حفيظة واستياء مجاميع اخرى من نفس الطائفة والتوجه، ما قد يدفعها الى بناء تحالفات مع اطراف اخرى لتتبنى "اجندات" تتعارض مع "الاجندة" الاميركية.
- يفقد مصداقية الولايات المتحدة ويكشف زيف ادعاءاتها بالسعي الى حل وانهاء وجود الميليشيات وكل المظاهر المسلحة خارج مؤسسات الدولة الرسمية.
- سيشجع الميليشيات الموجودة على الارض حاليا، شيعية كانت ام سنية ام كردية، على تعزيز صفوفها وتدعيم إمكانياتها العسكرية والمالية واللوجيستية لضمان حالة تفوق، او بأدنى تقدير الحفاظ على حالة توازن مع أي ميليشيات مسلحة توجدها واشنطن.
- ذلك الخيار من شأنه ايجاد مزيد من التصدعات والانشقاقات والتقاطعات داخل الحكومة ومجلس النواب ومعظم ـ ان لم يكن كل ـ مفاصل صناعة القرار، وتسيير امور البلد، ويعزز من اجواء عدم الثقة ومناخات التآمر.
- وذلك الخيار ايضا من شأنه ان يعزز فرص التغيير السياسي عبر اسلوب الانقلاب العسكري، او شيء مقارب في بعض مظاهره وتجلياته لهذا الاسلوب، وهذا ما يعني انهاء التجربة الديمقراطية في العراق التي تعتبرها ادارة الرئيس جورج بوش مقدمة لنشر رياح التغيير الديمقراطي ونشر الافكار والممارسات الديمقراطية في كل ارجاء المنطقة.
- واخيرا فإن ملامح ومؤشرات الجدل والخلاف اخذت تلوح منذ وقت مبكر داخل اروقة مراكز صناعة القرار السياسي الاميركي حول خطوة خطيرة قد تؤدي الى تكبد واشنطن المزيد من الخسائر في صفوف قواتها المتمركزة في العراق بدلا من ان يحصل العكس.
واذا كانت هناك نتائج واثار ايجابية على الصعيد المرحلي الآني لتسليح مجاميع سنية لاحداث تغييرات وتعديلات على موازين القوى، فإن تلك النتائج والآثار الايجابية ستحشر في زوايا ضيقة وتجعل ادارة الرئيس جورج بوش في وضع اكثر حراجة وحساسية مما هو قائم حاليا، وهذا يعني بعبارة مقتضبة تعميقا للمأزق وهروبا لا جدوى منه الى الأمام!.
الانتقاد/ العدد1220 ـ 22 حزيران/يونيو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018