ارشيف من : 2005-2008

عقوبة اللجوء المؤبد

عقوبة اللجوء المؤبد

عدد اللاجئين يزداد عاماً بعد عام، هذا يعني أن العالم أقل أمناً، والأقوى أكثر ظلماً، ومجلس الأمن فاشل جداً.
معظم اللاجئين يعودون، كما دلت الأعوام الفائتة، عادوا إلى مواطنهم وبلادهم. هذا يعني أن رفع الظلم عن اللاجئ، هو في إعادته إلى وطنه.
كل اللاجئين الفلسطينيين، البالغ تعدادهم أربعة ملايين ونصف مليون، والموزعين في لبنان وسوريا والأردن والشتات العربي والدولي، لم يعودوا بعد إلى وطنهم. هذا يعني أن هناك من ظلم ظلماً موقّتاً، وهناك من ظلم ظلماً مؤبداً. وهذا يعني كذلك، أن العالم المتمدن جداً، همجي جداً، وأن اسرائيل الديموقراطية، عنصرية واستيطانية، ومجلس الأمن، تابع لمن يجره بأنفه.
معظم اللاجئين، في الحسابات الدولية، باتوا عرباً، أضيف إلى الفلسطيني، العراقي، الذي أنعمت عليه واشنطن بالمقابر الديمقراطية، والنعوش الطائفية والمذهبية، وهذا يعني، أن سنة اللجوء عربية، وقد تتطور أكثر وتنمو كالفطر المأساوي.
نصف الشعب اللبناني تهجّر في حروبه الداخلية وأكثره لم يعد، ومن عاد، عاد اسمياً، انقسم لبنان جغرافياً، الحرب فرزت معظمه، وما يجري راهناً، سيفرزه إلى الأبد.
أكثرية ساحقة من بغداد، ومدن عراقية، قامت باصطفاء سكناها إلى جانب عشيرتها ومذهبها ودينها، ومن لم يفعل ذلك سلك طريق الهجرة إلى الأردن أو سوريا أو لبنان، أو سلك طريق الجبانة.
من المسؤول؟
هل يكفي أن يتذكر العالم اللاجئ ويكدس الكلام حوله، ولا يفتي بأمور كثيرة أهمها:
ـ ميثاق يرعى حقوق المهاجرين في بلاد هجرتهم.
ـ جدول زمني لإعادة المهجرين إلى بلادهم.
ـ معاقبة المهجر كمرتكب جريمة حرب.
كان تشومسكي على حق عندما دعا إلى ذلك مع المفكر الراحل إدوارد سعيد. اذا كان المجتمع الدولي ومؤسساته غير قادرة على منع التهجير في أزمنة الحروب الخارجية والداخلية، فعلى المجتمع الدولي أن يسن شرعة ملزمة، للحفاظ على حقوق وكرامة المهجرين، وليس على خبزهم وطعامهم الذي يقدم لهم بمنة ومذلة.
مأساة الانقلاع كبيرة، أكبر منها، مأساة الشعور الدائم بالاغتراب والابتعاد والتمييز وفقدان الأمان والكرامة والعمل، ويقع لبنان في رأس قائمة الدول التي تفننت في ممارسة الاضطهاد والإذلال والكبت، أيام المكتب الثاني، ثم ممارسة الاستغلال والاسترقاق والحصار والاستخدام والاستعباد والعقوبات الجماعية، في زمن المخابرات التي تحكمت وتجبرت. فالفلسطيني في لبنان باستثناء فترة "الفوضى الهدامة" في الحروب اللبنانية، كان سلعة وخردة.
وبعد الحرب، مورست ضده عقوبة جماعية، فمنع من العمل والسفر والعودة، ألزم بأن يعيش جحيمه كي يهاجر مرة أخرى، وكي يودع لبنان وحق العودة، فتوزيع البؤس على البؤساء الفلسطينيين لم يكن بهدف الحفاظ على حق العودة، بل بهدف إلغاء هذا الحق وإراحة اسرائيل إلى الأبد من قنبلة سكانية تهددها.
وبالأمس، وفي غمرة التهجير المستدام للفلسطينيين من مخيم نهر البارد انتقل الفلسطينيون إلى مخيم آخر، ليضاف بؤس إلى بؤس، وتضاف جراح على جراح، ويروي عديدون، ومنهم مؤسسات دولية مهتمة بحقوق الانسان عن جد، وليس على الطريقة الاميركية، ان عدداً من الهاربين من نيران القتال في المخيم، كانوا يتعرضون للضرب والكلام البذيء والتهديد بالقتل، لكونهم من المخيم، ولأنهم فلسطينيون.
إذا كان العالم قد تخلى عما ارتكبته سياساته الآثمة، إذا كان المجتمع الدولي عاجزاً عن ممارسة أبسط واجباته في حماية المدنيين في الحروب، وحماية اللاجئين بعد الحروب، لاعتبارات تمس مصالح واشنطن وتل  أبيب، فهذا يعني، أن مجلس الأمن، بات موظفاً في توزيع البؤس ورعايته، وأكثر من ذلك، في تصدير العنف وتعميمه.
يوم اللاجئين كل عام.. يعيشه اللاجئون كل يوم، ولكنهم يعيشون وحدهم، على الهامش، في الأطراف، داخل المعازل، ضمن مخيمات في مهاجر.
الموت، يبدو أحياناً أكثر رحمة وعدلاً، من اللجوء، مع كل العذاب والذل والاستعباد والاتهام.
يوم اللاجئين طوال هذا اليوم في فلسطين، نصف قرن ونيف، فمتى نبدأ بـ:ألا أيها الليل الطويل ألا انجل"؟ ما زالت القمة تسد أبواب الصبح البخيل.
نصري الصايغ
الانتقاد/ العدد1220 ـ 22 حزيران/يونيو2007

2007-06-22