ارشيف من : 2005-2008
فريق السلطة نحو المزيد من القتل للدستور
لماذا سارع فريق السلطة إلى استثمار دم المغدور النائب وليد عيدو في بورصة الانتخابات الفرعية، وفي هذا التوقيت بالذات، وما هي حقيقة نيات الفريق الحاكم، وما هي رهاناته، والى أين يريد دفع الأوضاع؟
دعونا نتسالم ابتداءً، بأن هذه الحكومة الغاصبة للسلطة حوّلت الدستور اللبناني إلى لعبة بيدها، فهي تلجأ اليه حين ترى في ذلك مصلحة لها، وتضرب به عرض الحائط حين يناقض مصالحها، وهي أكثر من ذلك تتعامل مع الدستور على طريقة من يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعضه الآخر، ولا تمانع في نفس الوقت من الجمع بين الشيء وضده، كما فعلت حين اتخذت قرارها بإجراء الانتخابات الفرعية، مبررة ذلك بالمادة 41 من الدستور، وفي الآن نفسه قررت تجاوز إمضاء رئيس الجمهورية لمرسوم اجراء الانتخابات، وهو توقيع منحه إياه الدستور.
باختصار ثمة تعطيل عملي للدستور يتخذ لنفسه طريقاً اسمه التباين والخلاف في قراءة بنوده، وسن قواعد غير مسبوقة من قبيل الضرورات تبيح المحظورات، وهذا التعطيل ضروري لفريق السلطة ليحرر نفسه من كل القيود والاعتبارات والأصول الدستورية، وفرض ما يحقق أهدافه بحكم الأمر الواقع، وضمان الشرعية من خلال الاعتراف الدولي وبعض العربي المضمون مسبقاً.
الأمر عينه ينطبق على تعامل حكومة فريق السلطة مع رئيس الجمهورية، وهذا الفريق ومنذ استقالة نواب أمل وحزب الله والوزير يعقوب صراف، وهي عملياً تتعامل مع رئيس الجمهورية وكأنه غير موجود، وهي من يملأ فراغ السلطة بالكامل. باختصار نحن أمام مشروع انقلابي بالكامل لا هم له إلا الإمساك بكامل مؤسسات السلطة بدءاً من رئاسة الجمهورية ومروراً بالحكومة وانتهاء بمجلس النواب.
ولذا، فهذا الفريق لا يبالي بالأصول الدستورية، ولا بالوقائع السياسية، ولا بالقواعد الديمقراطية، وإنما كل همه هو الإمساك بالخيار السياسي للبنان كاملاً عبر الإمساك بمؤسسات السلطة. وإذا كان هذا الفريق يشكل أكثرية في مجلس النواب حالياً، يصبح مفهوماً لماذا هدفه المركزي والجوهري هو احتلال موقع رئاسة الجمهورية، لأنه من خلال الإمساك بهذا الموقع يكون قد أمسك بكل مؤسسات السلطة بما فيها الحكومة.
وإلا لو كان هذا الفريق حريصاً على الديموقراطية كما يدعي، لكان وافق على الذهاب إلى انتخابات نيابية مبكرة، ولكانت حكومته قدمت استقالتها خصوصاً بعدما باتت هي المشكلة، بل وأساس كل المأزق السياسي الوطني العام. ومن نافل القول، ان الانتخابات والاستقالات هي من صلب العمل الديمقراطي، وليس تذرع هذه الحكومة بأن بقاءها هو بيد مجلس النواب إلا حجة، أوهن من بيت العنكبوت، لا سيما بعدما استقر الميزان الشعبي على معادلة أكثرية وأقلية معروفة، تلغي عملياً المعادلة التي سبق وأفرزت المجلس النيابي الحالي.
إذا كان الهدف المركزي لفريق السلطة هو الإمساك بموقع رئاسة الجمهورية تصبح كل مناورات هذا الفريق مفضوحة، ويصبح مفهوماً لماذا عطل هذا الفريق كل المبادرات السابقة، كما يصبح معروفاً سلفاً مصير المبادرات القادمة.
وهذا ليس ضرباً من التبصير، وإنما ما تؤكده مواقف أركان فريق السلطة نفسه: فجعجع أول من دعا إلى التركيز على الاستحقاق الرئاسي وجعله أولى الأولويات، وتابعه على ذلك جنبلاط، وأخيراً جاء موقف النائب الحريري الذي قال بالحرف بأن حكومة الوحدة الوطنية صارت وراءه، وأن المطلوب التركيز على الاستحقاق الرئاسي.
من هنا، فإن التحرك العربي الجديد محكوم بالفشل مسبقاً، ما لم يحقق لفريق السلطة أهدافه.
بكلمة أخرى، إن هذا الفريق لا يريد حكومة الوحدة الوطنية، واذا كان يريدها فمقابل أن تتنازل له المعارضة عن موقع رئاسة الجمهورية، وبالتالي لا تكون شريكة له في تسميته، ففريق السلطة يريد مقايضة المعارضة بحكومة الوحدة الوطنية التي لن تعمر أكثر من بضعة أشهر مقابل إمساكه بموقع رئاسة الجمهورية لمدة ست سنوات، وهذه لعمري قسمة ضيزي.
هذا الإطار السياسي العام هو الذي يجب أن ننظر من خلاله إلى إصرار فريق السلطة على إجراء الانتخابات الفرعية ضارباً عرض الحائط بكل الأصول الدستورية، فهذا الفريق يستهدف من هذه الخطوة جملة أمور أبرزها:
أولاً: تجاوز وضعه المهتز على كافة الصعد.
ثانياً: الظهور بمظهر من يملك المبادرة السياسية، والقادر على فرض إرادته على الجميع ولو بالقوة.
ثالثاً: الضغط على فريق المعارضة من خلال تصويره شريكاً في عملية الاغتيال في ما لو لم يوافق على إجراء الانتخابات الفرعية.
رابعاً: افتعال مشكلة مع المعارضة في ما لو تم اجراء الانتخابات الفرعية خارج الأصول الدستورية، وخطورة هذه المشكلة أنها مفتوحة على أزمة في غاية الخطورة، لأنها ستضع المعارضة أمام خيار من اثنين: إما الاستسلام لسلوك فريق السلطة مع ما يعنيه من ذلك من تشجيع لهذا الفريق على الإقدام على خطوة مماثلة باتجاه الاستحقاق الرئاسي، بكلمة أخرى، يدرك فريق المعارضة، أن هذه الانتخابات هي بمثابة بروفة مصغرة، فإذا ما نجحت بأقل ردود فعل ممكنة، ستتكرر على نحو أكبر وأخطر مع الاستحقاق الرئاسي اذا لم يتم التوافق على الرئيس المقبل.
وإما القيام برد فعل مدروس وكبير من شأنه ان يمنع فريق السلطة من تحقيق أهدافه من خطوة إجراء الانتخابات الفرعية.
خامساً: يدرك فريق السلطة أيضاً أن لا معركة انتخابية على مقعد النائب المغدور وليد عيدو، وأن المعركة الفعلية ستكون في منطقة المتن، وتحديداً في المكان الذي شغر باغتيال النائب بيار الجميل، والمعركة هناك ـ في حال حدوثها ـ ستكون بين الرئيس السابق أمين الجميل والجنرال عون، فاذا كتب فيها الفوز للأول، سيوظفها فريق السلطة في وجه التيار الوطني الحر، ليؤكد من خلالها تراجع تمثيله المسيحي، والذي بدوره يمكن سحبه على قوة ترشيحه لرئاسة الجمهورية، حيث أن حجة عون الرئيسية أنه هو الممثل المسيحي عموماً والماروني تحديداً الذي يحظى بأوسع تمثيل شعبي ونيابي، والكفيل بالتالي أن يمثل الموارنة من موقع قوي في مواجهة ممثلين أقوياء لدى باقي الطوائف.
وفي حال فشل الجميل، يستطيع فريق السلطة وتحديداً الحريري وجعجع وجنبلاط، من أخذها عليه مذلة، وأنهم لا يستطيعون حمل ترشحه لموقع الرئاسة، إذ كيف لفاشل في الانتخابات النيابية أن يكون رئيساً للجمهورية.
خلاصة القول هنا، إن فريق السلطة لن يتورع من الذهاب حتى النهاية في سبيل إشباع شبقه بالسلطة، ومدفوعاً بالغواية الأميركية، وخدمة لمصالحها. إن من يرفع شعار يا قاتل يا مقتول، لن يتورع عن استخدام أي وسيلة، ومهما كانت محرمة، ومهما كانت مكلفة لينقذ نفسه، ولا يهم عندها من يكون المقتول، ما دام المهم انقاذ القاتل، هذا البعض لن يتورع عن قتل الوطن خدمة لشهواته السلطوية، ومدفوعاً بيأسه القاتل، ان اليأس هو اعلان موت السياسة، وعندما تموت السياسة يصبح كل شيء مباحاً.
لبنان على مفترق خطر ومصيري، ويبدو أن الجميع قادم على المواجهة الشاملة المفتوحة على الكثير من المجهول.
مصطفى الحاج علي
الانتقاد/ العدد1220 ـ 22 حزيران/يونيو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018