ارشيف من : 2005-2008

"سياحة عربية في بيروت" والحكومة الثانية منتصف تموز إذا فشلت الوساطات

"سياحة عربية في بيروت" والحكومة الثانية منتصف تموز إذا فشلت الوساطات

ظللت الشكوك نتائج مهمة الوفد الوزاري العربي برئاسة الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى في بيروت، التي جاءت إثر غياب عربي عن الوضع اللبناني استمر أشهراً عدة بعد فشل المهمة الأولى لموسى نتيجة تعنت فريق السلطة وعدم توافر الضوء الأخضر الأميركي للحل. وبدا من خلال ما استجمع من مواقف معلنة وغير معلنة، أن المهمة الجديدة لموسى لم تتجاوز إطار التواصل مع طرفي الصراع: فريق السلطة والمعارضة، ومحاولة إيجاد قواسم مشتركة في الطروحات لحل الأزمة، من دون أن ترقى هذه المهمة العربية إلى مستوى المبادرة التي تمليها خطورة الوضع الذي يمر به لبنان. وظهر أن كل ما عوّل عليه الوفد العربي هو العمل على إعادة "حوار الطرشان" الذي ثبت سابقاً أنه لم يؤد إلى أي نتيجة بسبب تعنت فريق السلطة بناء على أوامر أميركية بمنع أي حل للأزمة في لبنان. وهذا ما دفع البعض إلى طرح تساؤلات عما إذا كانت هذه المهمة الجدية بمثابة "سياحة عربية في لبنان".
ولاحظت مصادر متابعة عدة معطيات تحكم على هذه المهمة بالفشل، ومنها:
أولاً: ان العامل الأول المؤثر والقادر على إمرار التسوية في لبنان هو العامل الأميركي، وواضح أن الأميركي ما زال يرفض الحلول على الساحة اللبنانية في سياق استمرار مشروع الفوضى الخلاّقة في المنطقة، وهو ما ترجم في استمرار إطلاق المواقف المتناقضة من قبل أركان فريق 14 شباط تجاه الحل المطلوب، حيث توزعت بين مقدم للاستحقاق الرئاسي على ملف حكومة الوحدة وواضع للشروط وطالب للضمانات قبل تشكيل الحكومة أو توسيع الحكومة الحالية الفاقدة للشرعية.. في حين سمع عمرو موسى موقفاً موحداً من أركان المعارضة مفاده أن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية هو وحده الكفيل بإيجاد مخرج للأزمة تمهيداً للتقدم نحو التفاهم على الاستحقاق الرئاسي. وإلا فإن الأمور ذاهبة نحو خيار الحكومتين.
ثانياً: ان فريق السلطة الذي كان المبادر إلى دعوة المجلس الوزاري العربي للانعقاد الأسبوع الماضي في القاهرة بعد اغتيال النائب وليد عيدو، والذي نتج عنه تشكيل الوفد الوزاري لزيارة لبنان، عمل على أجندة جديدة ومنسقة كانت معدة بعد إمرار المحكمة الدولية في مجلس الأمن تحت الفصل السابع، وهذه الأجندة تركز خلال المرحلة الراهنة على إثارة مسألة الحدود بين لبنان وسوريا وجعلها أولوية، وإثارة زوبعة بشأنها انطلاقاً من البعد العربي وصولاً إلى ترويجها دولياً وصولاً إلى استصدار قرار جديد من مجلس الأمن لنشر قوات دولية بين لبنان وسوريا، في سياق المشروع الأميركي الصهيوني ضد لبنان تحت ذريعة تهريب السلاح، وهو ما لم تثبته أي وثائق، وأكد عدم صحته الجيش اللبناني الذي يتولى مراقبة الحدود من خلال ثمانية آلاف عسكري منتشرين على طول هذه الحدود ومعابرها الشرعية وغير الشرعية. ولاحظت المصادر المتابعة تزامناً بين تصعيد فريق السلطة وتركيزه على هذا الموضوع مع زيارة رئيس وزراء العدو ايهود أولمرت إلى واشنطن ومطالبته بنشر قوات دولية على الحدود بين لبنان وسوريا، حيث بدا المطلب واحدا والهدف واحدا لكلا الطرفين، أي فريق السلطة وأولمرت، وهو استصدار قرار عن مجلس الأمن بنشر قوات دولية على الحدود بين لبنان وسوريا.
وترى مصادر معارضة أيضاً أنه اضافة إلى هذه الأجندة، فإن فريق السلطة سعى لإثارة ملف  الحدود وجعله أولوية خلال زيارة عمرو موسى إلى بيروت لهدف ثانٍ هو التغطية على رفضه مطلب حكومة الوحدة الوطنية.

"الخيارات الأخرى"
في هذه الأثناء، وفيما كانت المعارضة تعرب عن أملها بنجاح مهمة موسى ووصولها إلى نتائج إيجابية بتشكيل حكومة وحدة وطنية، فإنها كانت تتحضر بالمقابل لحسم خياراتها السياسية إذا فشلت الوساطات بعدما باتت "فرص السماح" شبه منتهية، وخصوصاً مع إقدام فريق السلطة على خطوة جديدة بخرق الدستور تمثلت بالدعوة إلى انتخابات فرعية في المتن الشمالي وبيروت في الخامس من آب المقبل لملء المقعدين اللذين شغرا باغتيال النائبين بيار الجميل ووليد عيدو، من دون توقيع رئيس الجمهورية العماد إميل لحود على مرسوم دعوة الهيئات الناخبة، وهو ما ينص عليه الدستور، وذلك لأنه يعتبر أن هذه الحكومة غير شرعية وغير دستورية، وكأنها غير موجودة.
وعليه فإن المعارضة سرّعت مؤخراً من عملية "المشاورات" بين أركانها، وهو ما برز في زيارتي وفد حزب الله برئاسة رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد إلى كل من رئيس تكتل التغيير والإصلاح النائب العماد ميشال عون ورئيس تيار المردة الوزير السابق سليمان فرنجية الأسبوع الماضي، والاتصال الهاتفي الذي أجراه النائب عون برئيس مجلس النواب نبيه بري واتفاقهما على اتخاذ إجراءات قريبة للحل، وزيارة فرنجية إلى الرئيس عمر كرامي في طرابلس ومن ثم زيارة الأخير لفرنجية في بنشعي. هذا التواصل اضافة إلى التنسيق البعيد عن الأضواء بين أركان المعارضة، لاقى دعوة رئيس الجمهورية العماد إميل لحود المعارضة إلى حسم خياراتها وشروعه مطلع الشهر المقبل بجولة مشاورات معها في قصر بعبدا لتقييم المراحل السابقة والمرحلة الراهنة، على أن تنتهي هذه المشاورات منتصف شهر تموز باتخاذ "قرار حاسم" إذا فشلت جميع فرص الحل، على أن يكون هذا القرار الذي سيتخذه الرئيس لحود بالتنسيق مع المعارضة هو تشكيل حكومة ثانية تمنع فريق السلطة من التفرد والاستئثار بمقدرات البلد وخياراته السياسية، وهذا الخيار بات شبه أكيد اذا لم تتسارع الوساطات الإقليمية والدولية لإيجاد حل للأزمة يقوم على تشكيل حكومة وحدة وطنية تؤمن الشراكة الحقيقية وتخرج البلاد من المأزق الذي وضعته فيه السلطة الحاكمة على مختلف الصعد: السياسية والاقتصادية والأمنية. ومن التوقعات المتداولة للقرارات التي ستتخذها الحكومة الجديدة اذا ما شُكلت، هي الدعوة لإجراء الانتخابات الفرعية في المتن الشمالي وبيروت بتوقيع من رئيس الجمهورية على مرسوم دعوة الهيئات الناخبة، وعندها ستخوض المعارضة هذه الانتخابات بكل قوة، خصوصاً في دائرة المتن الشمالي التي تحمل أبعاداً سياسية لها علاقة بالاستحقاق الرئاسي وبشعبية التيار الوطني الحر، وبالمقابل قياس حضور فريق الرابع عشر من شباط الذي سيخوض هذه الانتخابات من خلال ترشيح الرئيس أمين الجميل، وهو المرشح أصلاً لرئاسة الجمهورية، فإذا سقط في هذه الانتخابات يكون قد شُطب من معادلة الاستحقاق الرئاسي.
 في جميع الأحوال فإن فترة  الأسابيع الثلاثة المقبلة ستكون حاسمة، فإما يُتوصل خلالها إلى حلول للأزمة عبر تشكيل حكومة وحدة وطنية، وإما تتجه الأمور إلى خيار الحكومتين إذا أصرّ فريق السلطة ورعاته الأميركيون على التعنت ومنع تحقيق الحلول التي يصبو اليها السواد الأعظم من الشعب اللبناني.
هلال السلمان
الانتقاد/ العدد1220 ـ 22 حزيران/ يونيو 2007

2007-06-22