ارشيف من : 2005-2008
أي مبادرة لا تلبي مطالب وشروط قوى 14 شباط ساقطة حتماً
عاد الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى الى بيروت مدفوعاً بقرار عربي استثنائي، في محاولة لاستكمال المبادرة التي سبق أن طرحها في بيروت، ومعالجة الوضع الحكومي وتمرير الانتخابات الفرعيّة المقرر إجراؤها لا دستورياً في الخامس من آب المقبل، وصولاً إلى الاستحقاق الرئاسي، خصوصاً بعد أن أصبح ملف المحكمة الدولية في عهدة مجلس الأمن. ولم يقترن هذا المسعى المستجد بمبادرة محددة، لأنه لما يحظَ بتوافق عربي ـ دولي بات لازماً لحل الأزمة في لبنان، ولم يقترن بعصا سحرية استمدت طاقتها من عواصم القرار في الولايات المتحدة وفرنسا والاتحاد الأوروبي وسوريا وإيران، وهو ما جعل من هذا المسعى جهداً استطلاعياً لا يحمل معه معطيات واضحة وطروحات محددة عن شكل الحل المفترض للأزمة.
ولا شك في أن هذا المسعى الجديد سيصطدم بتعنت قوى الأكثرية التي أمعنت وما زالت في اعتماد المنهج التخريبي لحال الاستقرار الداخلي، خصوصاً أن سياسة تعطيل مبادرات الحل تحكم أداء هذه الفئة التي باتت أسيرة التزاماتها إزاء الإدارة الأميركية، منذ ما قبل حرب تموز 2006، وبدء اجتماعات طاولة الحوار والتشاور، وحتى بعد سقوط شرعية حكومة فؤاد السنيورة مع استقالة الوزراء الستة في 11/11/2006. وفي كل محطة من هذه المحطات يبرز العنصر الأميركي عبر وضع العصي في دواليب الحل، بدءاً من رأس الهرم الأميركي وصولاً إلى سفيره في بيروت، من دون الأخذ بعين الاعتبار مصلحة لبنان على مستوى استقراره الداخلي أو على مستوى علاقاته العربية والدولية.
ولا يبتعد إصدار حكومة السنيورة مرسوم إجراء انتخابات نيابية فرعية في بيروت والمتن الشمالي في الخامس من آب 2007 عن المساعي الشباطية للتخريب الداخلي، وكالعادة استغلال الأجواء التي تلي عمليات الاغتيال، كما حصل منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري وصولاً إلى اغتيال النائب وليد عيدو، ولا تزال تصر على إجراء هذه الانتخابات برغم لا دستوريتها بسبب عدم توقيع المرسوم من قبل الرئيس إميل لحود، وعدم إجماع الأطراف السياسية اللبنانية عليها، وعدم موافقة البطريرك الماروني نصر الله صفير الذي فشل جعجع في إقناعه بأنها لا تنتقص من دور رئاسة الجمهورية.
وكانت المساعي السعودية ـ الفرنسية ـ الإيرانية للحل التي ركّزت في الأولوية على تأليف حكومة وحدة وطنية، كمدخل لمسار تذليل العقبات العالقة، إحدى أبرز ضحايا الإنجازات الشباطية، حيث أحبط السياديون الجدد بتوجيه أميركي واضح، الجهود المكوكية التي أجراها الموفد الفرنسي جان كلود كوسران في بيروت، وفي كل من المغرب والقاهرة وواشنطن، لترتيب لقاء حواري يعقد في باريس نهاية هذا الشهر، وتشارك فيه الأطراف السياسية اللبنانية المعنية. وقد تردد أن السنيورة طلب من الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي تأجيل هذا اللقاء، علماً بأنّ الأخير وجّه دعوة إلى السنيورة لزيارة باريس في 26 حزيران الجاري. إلا أن بروز مواقف متعنتة من قبل بعض أقطاب قوى 14 شباط، ولا سيما سمير جعجع ووليد جنبلاط، عرقل هذا المسعى برغم ما أعلن من تصريحات مؤيدة بالعموم، لكنها مشترطة بالخصوص، وهو ما تقاطع مع الضغط الأميركي على باريس لتعديل جدول الأعمال بتأجيل اللقاء واستثناء حزب الله من الدعوة، لوقف ما تعتبره واشنطن انفتاحاً فرنسياً على حزب الله، وبالتالي توجيه ضربة مباشرة للدبلوماسية الفرنسية في أول اختبار خارجي للحكومة الساركوزية.
باتت سياسة تعطيل الحلول سمة بارزة لدى فريق السلطة الذي يمعن في الاستئثار بالحكم وأخذ البلد نحو الارتهان للوصاية الدولية، من دون الالتفات إلى مخاطر هذه السياسة على مستقبل لبنان واللبنانيين. واتضح ذلك في رفض هذا الفريق كل المبادرات السابقة اللبنانية منها والعربية، بتأثير من الفيتو الأميركي الذي رفض دوماً إشراك حزب الله وإيران في أي شكل من أشكال الاتفاق. والسؤال الذي يُطرح حول مصداقية الأكثرية هو عن تنكرها لكل المواقف التي سبق أن أعلنتها، حيث كانت تقول دوماً "فلتقرّ المحكمة أولاً ثم يصار إلى تأليف حكومة وحدة وطنية"، وبعد أن أُقرّت المحكمة أعلنت رفضها الصريح لتشكيل هذه الحكومة.. ويبدو أن النائب سعد الحريري قد انساق وراء الثنائي جعجع ـ جنبلاط في هذا الرفض، بعدما أعلن هو نفسه إثر إقرار نظام المحكمة عن مبادرة للتسوية بموافقة سعودية، برغم عدم تضمنها أي برنامج عملي محدد وواضح من شأنه التشجيع على المضي في استئناف الحوار الداخلي، فضلاً عن بروز تباين واختلاف بين أطراف قوى 14 شباط بشأنها، وبالتالي نجح الفريق التخريبي المدعوم أميركياً في إجهاض محاولة أخرى، ولو مشوّشة، للحل.
وكان من أبرز تجليات التعنت الشباطي رفض المسعى السعودي ـ الإيراني مطلع العام 2007، خصوصاً بعد الزيارة التي قام بها نائب الأمين العام لحزب الله سماحة الشيخ نعيم قاسم إلى الرياض على رأس وفد قيادي من الحزب ولقائه العاهل السعودي الملك عبد الله، وما رشح من أجواء إيجابية عنه، وتذرّع الفريق الشباطي يومها بأن المبادرة السعودية ما هي إلا انعكاس لورقة سورية وضعها الرئيس بشار الأسد لدى لقائه الملك عبد الله، ومحاولة سورية للعودة إلى لبنان. وأطلق جنبلاط تصريحات نارية بادّعاء أن هذه المبادرة تكرّس النفوذ "الفارسي" في لبنان! فيما أجمعت قوى المعارضة على التجاوب مع أي طرح عربي، خصوصاً إذا جاء برعاية سعودية.
جاء إفشال هذا المسعى بعد أن كان الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى خاض في بيروت ثلاث جولات خلال أسبوعين أواخر العام 2006، مدعوماً بزخم مصري ـ سعودي، وأجرى سلسلة لقاءات على مدى ثلاثة أيام، طرح خلالها صيغة لتشكيل حكومة موسّعة من ثلاثين عضواً على أساس معادلة 19 للأكثرية وعشرة للمعارضة ووزير محايد، وكادت هذه المبادرة تبصر النور لولا انقلاب الأكثرية على مواقفها وتنكرها للتعهدات التي أطلقتها، معتمدة سياسة التباين المنسقة بين أطراف قوى 14 شباط.
وصل الأمر بقوى السلطة إلى استهداف رئيس مجلس النواب نبيه بري نفسه الذي تعرّض لحملة شعواء، وخصوصاً من الحليف "اللدود" وليد جنبلاط. فمع بداية العام 2007 أطلق بري مبادرة تقضي بتشكيل حكومة من عشرة وزراء بشراكة كاملة، ويأتي إنجاح "باريس 3" في الأولوية، وكان يرغب في أن تكون مبادرته الاخيرة بمثابة عيدية، تشكل أرضية لتفاهم حول سبل حل الازمة، إلا أن التعطيل هذه المرة جاء بدعم شيراكي ـ أميركي تحت عنوان خطف المجلس النيابي، خصوصاً بعدما رفض بري استقبال عريضة موقعة من سبعين نائباً شباطياً تطالبه بعقد جلسة لإقرار المحكمة الدولية. وتسلّح فريق السلطة باجتهاد قانوني طلع به سمير جعجع، ليبرّر دستورية هذه الدعوة، بالقول: "إن الدستور نص على انه اذا تعذر على رئيس المجلس ان يدعو المجلس النيابي الى الاجتماع، فلنائب رئيس المجلس او العضو الاكثر (يقصد الاكبر) سناً، ان يدعو المجلس النيابي الى الاجتماع".
الرئيس بري نفسه كان تولى التفاوض باسم المعارضة لإخراج حل لبناني ـ لبناني وعقد سلسلة لقاءات مع النائب سعد الحريري الذي فاوض باسم الموالاة، وجرى التوصل إلى ورقة اتفاق ببنود واضحة وآليات تنفيذية محددة، إلا أن فريق السلطة، لا سيما المتضررين من أي صيغة حل قد يُتوصل إليها، وعلى رأسهم جنبلاط وجعجع، فتحوا النار على هذه المحاولة الإنقاذية الجديدة، فيما تولى البعض ترويج مقولة مفادها أن الحريري لا يمثل كل أطياف الموالاة.. في حين أكدت المعارضة تفويض الرئيس بري.. وهو ما دفع الرئيس بري إلى تجميد مبادرته، لأن الوقائع أظهرت عدم جدية وصدقية فريق السلطة في إخراج البلاد من الأزمة، إلى أن وصل به الأمر لعقد مؤتمر صحافي فنّد فيه كل ما جرى في اللقاءات الثنائية مع الحريري، ورد فيه على الافتراءات والأكاذيب التي ساقها فريق السلطة. وقد أكد السفير السعودي عبد العزيز خوجة بنفسه صحة ما أورده بري في هذا المجال.
ولم تكن مبادرة بري هي الوحيدة على المستوى اللبناني التي سقطت بفعل التخريب الشباطي، فقد سبقتها مبادرة الداعية الدكتور فتحي يكن بعد اجتماع موسع عقد في دارة الرئيس عمر كرامي، ونقلها للسنيورة الذي مارس سياسته المعتادة في المناورة وتقطيع الوقت ريثما تُجهز أسلحة القصف السياسي من قبل فريق السلطة، وبالتالي إسقاط المبادرة. والمصير نفسه لاقته مبادرة طرحها منبر الوحدة الوطنية وركّز فيها الرئيس سليم الحص على إعلان الرئيس لحود أن مهمة حكومة السنيورة هي لتصريف الأعمال، على أن تسقط المعارضة مطالبتها بتشكيل حكومة وحدة وطنية.. ولكن حظوة السنيورة لدى الباب الأميركي العالي لم تتقبل هذه المبادرة، باعتبار أن السنيورة خط أحمر لا يسمح بإسقاطه أو تجاوزه، وبالتالي فإن أي مبادرة لا تلبي طموحات ومطالب قوى 14 شباط وبشروطها هي ساقطة حتماً.
محمد الحسيني
الانتقاد/ العدد1220 ـ 22 حزيران/يونيو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018