ارشيف من : 2005-2008
صحافيو المعارضة يحترمون القضاء ويمثلون أمامه بينما صحافيو السلطة يتهرّبون
لم يسبق للمحاكم اللبنانية أن شهدت منذ قيامها، سَوْقَ أحد من الصحافيين بالقوّة، بواسطة سيّارة إسعاف إلى ديارها ورحابها، للمحاكمة على رأي قاله أو مقالة انتقادية كتبها، كما فعل وزير العدل في الحكومة غير الشرعية شارل رزق، مستخدماً نفوذه لدى النيابة العامة وضغطه المعنوي عليها، ليغطّي استفادته غير المشروعة بحكم موقعه، من عقود أبرمتها شركته الخاصة مع إدارات رسمية ومرافق عامة ومؤسّسات حكومية.
كما أنّ سجلات المحاكم وقصور العدل على كثرتها، تخلو من واقعة اقتياد إعلامي أو إعلامية مع رضيعها أو طفلتها، حتّى في عزّ العمل بقانون المطبوعات الجائر قبل تعديله على أثر حملة القمع التي شنّتها حكومة الرئيس رفيق الحريري في العام 1993 لإسكات عدد من الصحف وتعطيلها، ممّا حتّم صدور تعديلات قانونية مهمة على المرسوم الاشتراعي رقم 104/1977، كان أبرزها وأرقاها منع تنفيذ التوقيف الاحتياطي بحقّ الصحافيين، في خطوة كبيرة اعتبرت إطلاقاً ليد الحرّيّة الإعلامية المسؤولة.
والمفاجئ للمراقبين أنّ القضاء نفسه لم يتحرّك من قبل مثلما فعل في قضية الزميلة مريم البسّام، وحتّى في أوج الانتقادات الجارحة التي وُجّهت لرئيس الجمهورية العماد إميل لحود، مع أنّه رمز البلاد والمؤتمن على الدستور، ويخصّه القانون وحده دون سائر الرؤساء والمرجعيات والمسؤولين بمواد قانونية تمنع الإساءة إليه أو التطاول عليه أو ذمّه أو تحقيره، ولكنْ جرى التغاضي عنها ووضعها في إطار القول السياسي البحت! علماً أنّ النيّات ومدلول الكلمات المصرّح بها ولا سيّما من قبل "الشباطيين" ووسائل إعلامهم، لا تحتاج إلى كثير تفسير أو تعليل، وتنمّ عن الذهاب بعيداً في الإساءة المقصودة، وهو ما لم يحصل مع أي رئيس سابق للجمهورية في تاريخ الجمهورية اللبنانية.
وعندما قامت النيابة العامة التمييزية بواجبها لجهة ملاحقة مدير المخابرات الأسبق في الجيش اللبناني والسفير الأسبق جوني عبده والصحافي في جريدة "المستقبل" فارس خشّان في العام 2006، بسبب التعرّض للرئيس لحود والقدح والذمّ به، على أثر مقالة حمل مضمونها تعابير وألفاظاً ونعوتاً قاسية وقليلة الحياء، تعاطى قضاء التحقيق مع هذه القضيّة بطريقة عادية جدّاً، ولم يحضر المدعى عليهما إلى دائرة التحقيق لاستجوابهما برغم "إبلاغهما بالمواعيد أصولاً"، بل ظلاّ طليقين وبعيدين عن الاستجواب، وفي ذلك قلّة تقدير للقضاء ونيل من سمعته وهيبته، حتّى صدر القرار الظني في 30 حزيران/ يونيو من العام 2006 بإحالتهما على المحاكمة أمام محكمة المطبوعات، وهذه نتيجة متوقعة في ظلّ الكلام الجارح الصادر عن عبده والمكتوب بيد خشّان.
وانسحب الأمر ذاته على محكمة المطبوعات في بيروت التي عقدت ولا تزال تعقد جلسات للمحاكمة في هذه الدعوى من دون أنْ يمثل عبده وخشّان أمامها، وتضطرّ إلى إرجائها، وربّما يستمرّ الأمر على هذا المنوال من المماطلة والتسويف حتّى تسقط بمرور الزمن أو بصدور عفو، على غرار العفو الذي أطلقه الرئيس لحود في بداية عهده في العام 1999 وأسقطت بموجبه الدعاوى والقضايا الكثيرة المقامة من الحقّ العام على صحافيين وجرائد ومطبوعات وتلفزيونات.
وقد حفل عهد "الشباطيين" وحكومة فؤاد السنيورة بمآثر غير حميدة على الإطلاق في التعاطي مع الانفتاح الإعلامي الذي ينشده لبنان المعروف بأنّه بلد الحريّات، حيث كان الشعراء والأدباء والصحافيون والسياسيون والمناضلون من مختلف الدول العربية يلجأون إليه للاستمتاع بمناخات الحرّيّة المنتشرة فيه، والتعبير عمّا يختلج في قلوبهم وعقولهم وضمائرهم وتطلعّاتهم، من دون وجود رقيب أو حسيب، والكتابة في صحفه من دون أي موانع، باستثناء الرقابة الذاتية.
وللدلالة على ذلك يكفي التذكير بما حصل مع عدد من الصحف والمحطّات التلفزيونية المحسوبة على المعارضة، من إحالة على القضاء، وكانت الأعذار والأسباب تافهة وعادية جدّاً، إلى درجة أنّها تعبّر بمفردها عن الخطأ الفظيع الذي يرتكبه فريق السلطة بحقّ الحرية الإعلامية.
فهذا الوزير "الشباطي" غير الشرعي أحمد فتفت يقرّر ملاحقة الزميلة في تلفزيون "أن.بي.أن" (NBN) سوسن صفا درويش على زلّة لسان قالتها سهواً على الشاشة عن تمنّيها باغتياله، وطلب أن تحقّق لجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري معها، هادفاً من وراء ذلك تحقيق أمنية سياسية تطال الجهة التي تتبع لها هذه المحطّة.
بينما طرقت هتافات مناصري تيّار "المستقبل"، بما فيها من شتائم وسباب وكلام بذيء وإثارة للنعرات الطائفية والمذهبية والتحريض على العنف والقتل خلال تشييع النائب وليد عيدو، آذان الكون كلّه، بما فيها آذان النائب العام التمييزي القاضي سعيد ميرزا الذي كان حاضراً وبقي ساكتاً، وهذه الهتافات والموشّحات حدثت على مرأى ومسمع من النائب سعد الدين الحريري الذي حاول "تهدئة" مؤيّديه ولو على عيون الشاشات التي كانت تنقل التشييع، فلم يردّوا عليه، فتركهم يبذلون قصارى جهدهم في إطلاق ما في قواميسهم من مفردات سوقية.
وها هو الصحافي في تلفزيون "الجديد" (NTV) الزميل فراس حاطوم يسعى وراء سبق صحافي لكشف الغموض الذي يلفّ حقيقة شاهد الزور في جريمة اغتيال الحريري، السوري محمد زهير الصدّيّق، فيدخل شقّته بناء لإذن شفهي منه، وتقوم النيابة العامة التمييزية بملاحقته بداعي التلاعب بأدّلة موجودة في الشقّة وأخذها معه، وبمخالفة قرار قضائي يمنع الدخول إلى هذه الشقّة المختومة بالشمع الأحمر، ويوقَّف ويحال على المحقّق العدلي القاضي إلياس عيد الذي لم يزر هذه الشقّة للاطلاع على محتوياتها منذ تسلّمه التحقيق، معتمداً على ما وصله من لجنة التحقيق في عهد المحقّق التضليلي الألماني ديتليف ميليس، فضلاً عن أن القاضي ميرزا ادّعى على الصدّيق بجرم إعطاء شهادة كاذبة.. والغريب أنّ الصديق نفسه لم يدّعِ على حاطوم إلاّ بعدما طُلبَ منه القيام بذلك لتغطية الخطأ القضائي.
والغريب أنّ الصحافيين المنضوين في صفوف المعارضة يسارعون إلى تلبية أي تبليغ قضائي يوجّه إليهم، ويمثلون أمام القضاة المعنيين، ومن ثمّ محكمة المطبوعات، بينما يتهرّب صحافيو السلطة والقوى "الشباطية" من القيام بواجبهم تجاه القضاء، وكأنّهم فوق القانون، أو كأنّ القانون صنع ووضع ليطبّق على سواهم، معتمدين في هذه التصرّفات على دعم سياسي يستطيع حمايتهم من الملاحقة القضائية، بانتظار أن تفصل محكمة المطبوعات في الدعوى سلباً أو إيجاباً، بإصدار حكم بالإدانة والتغريم أو البراءة.
والمثال الواضح على ذلك هو تمنّع صاحب مجلّة "الشراع" حسن صبرا، مرّات عديدة، عن المثول أمام القضاء، حتّى لو كان هناك مدّعٍ شخصي استهدفه بإحدى كتاباته، كما حصل في الدعوى المقامة ضدّه من نوّاب كتلة "التغيير والإصلاح" التي يرأسها النائب العماد ميشال عون. ولم يكتفِ صبرا بهذا التهرّب، بل إنّ من حضر عن مطبوعته لم يفصح عن اسم كاتب المقال الذي تبيّن أنّه اسم وهمي جرى التخفّي خلفه للفرار من الملاحقة القضائية.
ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ محكمة المطبوعات تسعى جاهدة إلى عقد مصالحات، قدر الإمكان، بين المتقاضين، وتقريب وجهات النظر بين الصحافيين والمدعين من سياسيين وفنانين ومواطنين، فتنجح أحياناً وتخفق أحياناً أخرى. كما أنّ هناك قضاة رفضوا تولّي رئاسة محكمة المطبوعات ليقينهم بأنّه لا يمكن ملاحقة صحافي على رأي كتبه وفكرة دبّجها، حتّى لو كانت عامرة بالانتقادات اللاذعة.
علي الموسوي
الانتقاد/ العدد1220 ـ 22 حزيران/يونيو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018