ارشيف من : 2005-2008
غزة في قبضة حماس وعيون الإسرائيليين تتربص بالحصار والنار
غزة ـ عماد عيد
تاريخ جديد بدأ في قطاع غزة بسقوط كل المواقع العسكرية والأمنية الفلسطينية التابعة للسلطة الفلسطينية في قبضة القسام، والقوة التنفيذية التابعة لحركة حماس بعد المعارك التي شهدها قطاع غزة، وأدت إلى مقتل مئة وستين فلسطينياً، وإصابة المئات بجراح، كثير منهم أصيبوا بإعاقات دائمة.
السقوط اعتبرته حماس والقسام تحريراً ثانياً من قبضة العملاء والانقلابيين، فيما اعتبرته فتح والسلطة الفلسطينية انقلابا على الشرعية الفلسطينية.
وبعيداً عن تبادل الاتهامات بين الجانبين حول شرعية ما حدث من عدمها فإن صوراً ومشاهد كثيرة رافقت عملية سقوط القطاع أو تحريره أو الأحداث الدامية التي عصفت به للمرة الأولى في تاريخه قال عنها البعض إنها مؤلمة، وقال بعض آخر إنها مروّعة، وقال آخرون إنها صدمة، فيما تحولت هي إلى حديث الساعة في كل مكان من القطاع في السيارات والمنازل والدواوين والشوارع والمستشفيات وفي كل مكان يتجمع فيه الناس، وما زالت آثار ما حل بالقطاع ومستقبله المجهول هي حديث الساعة لأي اثنين يلتقيان مع بعضهما في مكان ما من القطاع، والحال ينطبق على بقية مناطق الأراضي الفلسطينية والى حد ما في الدول العربية، كما أنها أصبحت جزءا هاما من المداولات في المحافل الدولية، ولكن ربما بشكل سلبي وليس كما كان عليه الحال عندما كانت المعركة بين الشعب الفلسطيني بكل انتماءاته وبين العدو الصهيوني.
أبشع هذه الصور والمشاهد من وجهة نظر هؤلاء هي مشاهد العدد الكبير من القتلى والجرحى وحدوث تجاوزات في عمليات القتل من قبيل وقوع إعدامات على الاسم أو بشكل ميداني وانتقامي، بل وقوع أعمال تمثيل بعد القتل بالسلاح نفسه كما أثبتت ذلك روايات شهود العيان ومصادر حقوق الإنسان الفلسطينية وكما جاء في بعض الصور التي نقلتها فضائية الأقصى التابعة لحركة حماس، كما في مشهد قتل سميح المدهون من فتح، والمطلوب لحركة حماس واستمرار عرض مشهد القتل.
لكن المشاهد المؤلمة ربما تلك التي رافقت عملية اقتحام المقرات الأمنية وبدأت بصور استسلام من بقي داخل هذه المقرات وخروجهم بالملابس الداخلية رافعين أيديهم فوق رؤوسهم إلى جانب عمليات الاعتقال الجماعي التي ظهرت أيضا على شاشات بعض الفضائيات كما حصل في عدد من مناطق القطاع. على أن الاسوأ تلك المشاهد التي صورت المسلحين والملثمين والمواطنين على حد سواء وهم يقتحمون المقرات ويقومون بأعمال نهب لمحتوياتها من دون السلاح والعتاد والأجهزة والوثائق التي استولى عليها أعضاء كتائب القسام وأصبحت بحوزتهم، كذلك تعرض بعض المنازل لنفس المصير من نهب وحرق، سواء كانت تعود إلى مسؤولين أو أفراد في الأجهزة الأمنية، أو إلى أناس آخرين مثل منزل الرئيس الراحل ياسر عرفات الذي شهد عمليات تخريب ونهب كانت بمثابة تخريب لحقبة تاريخية من مقتنيات الرئيس بدل أن تتحول إلى متحف، وكذلك مقر الرئيس الحالي محمود عباس ومنزل مفوضة عمليات الاونروا في غزة كارين أبو زيد الذي تعرض هو الآخر إلى النهب بما فيه من مجوهرات وتحف وأمتعة.
هذا الوضع طال أيضا بعض المؤسسات المدنية التابعة لفتح أو النقابات العامة التي تسيطر عليها فتح مثل نقابة الصحفيين التي استولى مسلحون على محتوياتها وأمروا بإغلاقها إلى إشعار آخر من دون معرفة الأسباب حتى الآن، ومن دون أن يستلم الصحفيون أي تفسير من أي جهة كانت.. أما المشهد الذي لاقى رد فعل قانونياً فهو الإعدام بشكل ميداني، أو إقامة محاكم ميدانية سريعة يحضرها بعض قادة حماس أو القسام وتجرى محاكمة لبعض أفراد من فتح، لكنه لم يثبت أن أعدم احد من الأفراد المحكومين في هذه المحاكم، وفي غالبيتهم صدر عنهم عفو من قبل هذه المحاكم.
الأحداث العاصفة كانت مدخلا مفضلا لإحداث عاصفة أخرى على الصعيدين القانوني والسياسي، فقد اصدر الرئيس الفلسطيني عدة مراسيم، أولها إقالة الحكومة برئاسة إسماعيل هنية، وتنصيب حكومة للطوارئ برئاسة وزير المالية في حكومة هنية، سلام فياض، وثانيها اعتبار القوة التنفيذية التابعة لوزارة الداخلية وكتائب القسام خارجة عن القانون، كما اصدر تعليمات بتعيينات جديدة على الصعيد الأمني، وكلف زكريا الآغا عضو اللجنة المركزية لحركة فتح بتشكيل لجنة عليا لمتابعة شؤون حركة فتح في قطاع غزة بعد حالة الانهيار والعجز والخوف الذي سيطر على قواعد ومؤسسات الحركة، وذلك عقب المؤتمر الصحفي الذي عقده أمين سر الحركة السابق في القطاع احمد حلس، والذي اعتبر بداية لملمة الفتحاويين من جديد إزاء هذه الحالة.
المجلس المركزي واللجنة التنفيذية في منظمة التحرير أيدا قرارات الرئيس عباس، ويبدو أن هناك قرارات جديدة أخرى، في حين اعترفت الجامعة العربية وغالبية دول العالم بحكومة الطوارئ، ودعمت قرارات عباس، وفي المقابل فإن حماس رفضت هذه القرارات واعتبرتها غير قانونية وغير دستورية، واعتبرت حكومة هنية المقالة شرعية، وبمثابة حكومة تسيير أعمال، وعقدت أول اجتماعاتها بحضور خمسة وزراء في غزة من حماس، وأصدرت عددا من القرارات والمواقف، ولكن التحدي لحكومة عباس هو كيفية تسيير الأمور في غزة على اعتبار انه لم يعد هناك مقرات ولا وزارات ولا أجهزة تنفيذية قادرة على تنفيذ قرارات الحكومة، وفي ظل عجز فتح عن أي فعل حتى الآن مقابل استمرار حملات التفتيش وجمع السلاح من أعضائها من قبل حماس.
هذه الحالة ربما خلقت واقعا غير مسبوق وتاريخياً قد يؤسس لمرحلة تاريخية جديدة سيترتب عليها ولا شك قضايا جوهرية كثيرة.. ومع كل المتابعات من قبل المحللين والمراقبين فإن أحدا منهم ليس بمقدوره أن يصل إلى تصور أو توقع لما سيحدث في القطاع خلال الأيام المقبلة، غير أن ثلاثة سيناريوهات هي الأكثر ترجيحا حتى الآن، الأول وهو الأهم، أن يتعامل الكيان الصهيوني مع كيانين، الأول في الضفة بزعامة فتح، والآخر في غزة بزعامة حماس، وهو تحقيق للحلم الصهيوني الشاروني على الأقل خلال الأيام القليلة القادمة، ويستخدم للضغط على حماس بالتعامل مع الكيان أو الوصول إلى طريق مسدود، وبالتالي اللجوء إلى خيارات أخرى، وهو قادم لا محالة.. أو اللجوء إلى الخيار العسكري من قبل إسرائيل على اعتبار أن مسلحي حماس خارجين عن القانون حتى بحكم القانون الفلسطيني، وقطع الطريق على تعاظم قوة حماس التي ستشكل خطرا حقيقيا على "إسرائيل" إن استمرت في التعاظم، وذلك بمباركة قوات دولية يمكن أن تساهم أو تحل في القطاع بعد هذا الخيار، وهو خيار مؤجل حتى الآن.. أو الحل الوسط وهو أن تدعم بعض الدول اللجوء إلى التفاهم من جديد والجلوس الى طاولة المفاوضات، وهنا يجب أن تدفع حماس ثمنا باهظا من التنازلات حتى تعيد الأمر إلى ما كان عليه، ومن ثم عودة السلطة الفلسطينية، وهو أمر مستبعد حتى الآن على الرغم من تشكيل لجنة عربية لتقصي الحقائق.. وعليه فإن قطاع غزة ينتظره مستقبل مجهول مفتوح على كل الاحتمالات، الراجح فيها هو الخيار العسكري، وإن تأجل بعض الوقت.
وقد بدأت سلسلة من المؤشرات الإسرائيلية التي ترجح التعامل مع القطاع عبر الخيار الثاني، وهو استخدام القوة عبر عمليات توغل محدودة أدت إلى سقوط عدد كبير من الشهداء والجرحى.
الانتقاد/ العدد1220 ـ 22 حزيران/يونيو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018