ارشيف من : 2005-2008
الفاضل اللنكراني: سند الثورة والإمام
هكذا هم مراجعنا العظام، ركائز الدين وعمدة المسلمين في التعرف الى دينهم ودنياهم، بما يحبه الله ويرضاه. نقرأ في هذه العجالة بعضاً من سيرة شيخنا الراحل، لنتعلم السير والسلوك في دروب من اختار الحق، فما زحزحت قدمه عن الطريق.

تعود أصول عائلة اللنكراني إلى إحدى قرى القفقاز، انتقل والد شيخنا بعائلته الى مدينة مشهد المقدّسة حيث الحوزة العلمية لمدينة زنجان، ثمّ انتقل إلى مدينة قم ليواصل فيها نشاطه العلمي فقهيّاً وأستاذاً.
في سنة 1350هـ وُلد لهذه الأسرة العلمية ولد حمل اسم النبي الأعظم تبركاً، فكان محمد الفاضل تحت ظلّ رعاية والده الكريم، الذي راح يوليه اهتمامه، فنما حتّى أنهى دراسته الابتدائية، وكان متفوّقاً.
شدّته الحوزة مبكراً، فغادر دراسته الأكاديمية والتحق بها بادئاً بذلك مشواره العلمي، وهو في السنة الثالثة عشرة من عمره المبارك، وكان فيها نموذجاً رائعاً للتلميذ المنظّم في تفكيره، المواظب في عمله.
صفات كثيرة ميزت شيخنا الراحل، عُرف سماحته بدقّته وجديّته وحبّه لدرسه، بشكل يتناسب مع ما اتسمت به ذهنيته من قدرة فائقة على منهجة أعماله الحوزوية ونشاطاته الفكرية ومتابعاته العلمية، ما جعله أكثر تفوّقاً من غيره وأسرع اجتيازاً لمراحل دراسته برغم ما اتصفت به من صعوبة ومشقّة، فأنجزها بصورة كاملة دقيقة، مستوعباً جميع موادها، متقناً بحوثها، فكان حقّاً طالباً منتفعاً وأستاذاً نافعاً.
تزامل في دراسته الحوزوية مع المرحوم الشهيد آية الله الحاج السيّد مصطفى الخميني، النجل الأكبر لسماحة الإمام الخميني قدّس سرّه الشريف، حيث كانت تربطهما علاقة متينة وصداقة حميمة. وطالما درسا دروسهما الحوزوية وتباحثا فيها سنين طويلة.
درس شيخنا الراحل على كبار العلماء، ومن بينهم:
ـ سماحة آية الله العظمى السيّد البروجردي قدّس سرّه الشريف.
ـ سماحة آية الله العظمى الإمام الخميني قدّس سرّه الشريف.
ـ سماحة آية الله العظمى السيّد محمّد حسين الطباطبائي قدّس سرّه الشريف.
ومع مواظبته تحصيل دروسه عند هؤلاء الكبار من العلماء وعند غيرهم في الحوزة العلمية، كان مشغولاً أيضاً بالتدريس. ففي ربيعه الخامس عشر كان طالباً متفوّقاً كما كان أستاذاً جيّداً، وهذا أمرٌ يندر أن يحصل إلاّ لعدد قليل من علماء الحوزة وفضلائها.
كان يحضر دروسه قرابة ثمانين تلميذاً من طلبة الحوزة وممّن كانوا في سنّه، حتّى أثار نشاطه العلمي هذا انتباه كثير ممّن يشاهدونه.. بل راح درسه يضمّ جمعاً من الشيوخ الذين أكبروا في هذا الشاب العالم فتوّته واستيعابه وقدرته التدريسية المبكرة والمتميّزة.
وما إن بلغ السنة التاسعة عشرة حتّى توسّعت حلقات درسه وتجاوز عددُ حضّارها المئات. فراح سماحته يدرِّس بعد ذلك "كفاية الأصول" للمحقّق الخراساني، وهو آخر كتب مرحلة السطوح وأعمقها. فقد درّس هذا الكتاب ستّ دورات كاملة، كما درّس كتاب "المكاسب" للمحقّق الأنصاري خمس دورات كاملة.
مؤلّفاته
الشيخ الراحل واحد من أولئك الأفذاذ الذين وصلوا الليل بالنهار مشمّرين عن ساعد الجدّ والمثابرة، وراح يؤدّي زكاة علمه لا للذين يعاصرونه، بل للآتين من بعدهم.. حتّى بلغت كتبه رحمه الله (40) مجلّداً أو تزيد، مملوءة بفكر رصين وعلم غزير عبر بيان ناصع واضح جميل.
جهاده السياسي برفقة الإمام
منذ أن بدأ سماحة السيّد الإمام الخميني ـ رضوان الله تعالى عليه ـ في عصرنا هذا يعدّ عدّته ويهيئ نفسه وأتباعه ومريديه لمقاومة الحثالة الفاسدة المتسلّطة على رقاب الناس، ورفع الظلم والحيف عن مظلومي هذه الأمّة المسلمة، راح الشيخ يتابع أستاذه في كلّ خطواته الجهادية، إيماناً منه بصحّة موقفه وصواب متبنياته ورصانة آرائه الصلبة والواعية التي كانت منبثقة عن الوظيفة الشرعية الملقاة على عاتقه رضوان الله تعالى عليه.
ولمّا أمر النظام جلاوزته بإلقاء القبض على السيّد الإمام، أصدر اثنا عشر من علماء الحوزة وأساتذتها ومنهم الشيخ الفاضل، بياناً يطالبون فيه رأس النظام بإطلاق سراح السيّد الإمام، لأنّه من المجتهدين الكبار، والدستور لا يجيز محاكمة من يصل من العلماء إلى هذه الرتبة.
ولمّا أحسَّ نظام الشاه المقبور بخطر الشيخ ألقى عليه القبض ونفاه إلى منطقة "بندر لنكه"، حيث الحرارة مرتفعة جدّاً، فقضى في هذا المكان النائي أربعة أشهر، ثمّ منها إلى مدينة يزد، فقضى فيها سنتين ونصف السنة من عمره الشريف متحمّلاً ما فيها من آلام ومعاناة.
مع الانتصار انصرف سماحته الى متابعة الدرس والتدريس، إلى أن انتقل الى جوار ربّه راضيا مرضيا، قرير العين بالجمهورية الاسلامية التي تحققت وشكلت وتشكل السند والحامي والمدافع عن كل مظلوم في هذا العالم.
هذا ونعى حزب الله الشيخ الراحل ببيان جاء فيه:
"إنا لله وإنا اليه راجعون" يتقدم حزب الله من صاحب العصر والزمان الإمام المهدي عليه السلام ومن سماحة الإمام السيد الخامنئي دام ظله ومن المراجع العظام والأمة الاسلامية، بأحر التعازي لوفاة آية الله العظمى سماحة الشيخ فاضل اللنكراني (قدس سره)، سائلين المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يرفع درجته مع الأنبياء والأولياء.
وتابع البيان: "ان سماحة الراحل الكبير كان من مراجعنا الكبار وأحد أساتذة الحوزة العلمية المبرزين، وكان له دور كبير في مسيرة الثورة الاسلامية المباركة وتأسيس نظام الجمهورية الاسلامية وحركة الصحوة التي قادها الإمام الخميني قدس سره. وقد تربى على يديه عدد كبير من العلماء والفضلاء المجاهدين.
وختم البيان: "مما لا شك فيه ان غياب هذا المرجع الديني المجاهد سيترك فراغا كبيرا في الساحة الاسلامية، فنسأل الله تعالى ان يطيل في عمر سائر المراجع العظام وعلمائنا الكبار، ليملأوا هذا الفراغ ويواصلوا هذه المسيرة".
الانتقاد/ العدد 1220 ـ 22 حزيران/يونيو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018