ارشيف من : 2005-2008

ثقافة الهزيمة وثقافة الانتصار

ثقافة الهزيمة وثقافة الانتصار

التزمت وسائل الإعلام العربية ـ الممولة جيداً ـ على مدى الأيام العشرة الأولى من شهر حزيران الجاري تقديم مواد اعلامية حول "النكسة"، والمقصود بها نكسة العام 1967، وتبارت كثير منها في دراسة أسباب الهزيمة ودورها في المرحلة الحالية التي وصلنا اليها وانعكاساتها في السياسة والاقتصاد والمجتمع والأدب والشعر والتاريخ.
ثمة أدب هزيمة وروايات من أحشائها خرجت وروائيون وأدباء عاشوا في خلالها (ولا يزالون).. هكذا تكرست آلة دعائية ضخمة في القنوات المتلفزة الفضائية الكبرى وصحف العرب الدولية الخضراء والحمراء لإعادة تذكير الجميع الصغار والكبار بمعنى الهزيمة واقترانها بتاريخ العرب منذ 1914 و1948 حتى 1967، في عزف متسق على وتر واحد: "العربي المهزوم".
هي أيدلولوجية عربية رسمية تصلح غطاء لكل رذائل النظام العربي السائد: نظام "الاستتباع" السياسي يحتاج إلى ثقافة "استتباعية"، هنا يأتي دور "الهزيمة" كسلاح ثقافي يبرر لهذا النظام كل صنوف الخذلان التي يمارسها بحق أمته، وكل جرائم التوسل والاستعباد السياسي التي يمارسها أمام سلطة العالم الأولى.
من دون ثقافة "الهزيمة" كيف يبرر هؤلاء الحكام زحفهم الميمون إلى الحج في البيت الأبيض واجتماعات كونداليزا رايس مترئسة مدراء المخابرات العرب ومعهم وزراء خارجيتهم لرسم سياسات بلادهم الداخلية والخارجية.
هي إذاً أوركسترا الهزيمة في إعلام ممول جيداً تريدنا أن نبقى دوماً في "زمن الهزيمة"، لكي تعطي نفسها غطاءً لكل تنازل، ومبرراً لعدم مواجهة المشروع الإسرائيلي وعدم حشد قدراتنا النفطية والعلمية والدبلوماسية والاغترابية لإضعافه فضلاً عن اسقاطه.
لم تقم صحيفة واحدة أو فضائية واحدة في هذا العالم البترودولاري بتخصيص ملف حقيقي أو بث معتد به لدراسة الانتصار اللبناني عام 2000 وأسبابه وظروفه ومعانيه الحقيقية. هم لا يريدون الانتصار أصلاً، وضد ثقافة الانتصار.
كما ان نصر العام 2006 لم يأخذ من هذه الوسائل حتى الآن حقه، إذ ما زالت "اسرائيل" المعتدية تلحس مبرد الهزيمة المدوية حتى الآن استقالات وإقالات وشروخاً في الجسم العسكري والطبقة السياسية، وانهيار أحزاب وقيادات، ومع ذلك عميت عيون "الروائيين" ومسؤولي الصفحات الثقافية ومعدي البرامج الوثائقية في إعلام العرب الدولي عن التمثل بالعدو في نقطة واحدة فقط، هي كيف انتصر العربي اللبناني في جنوب لبنان علينا؟ من آلمته الهزيمة في لبنان يجب أن يحفزه النصر، أما عندما يراد للهزيمة أن تصبح "ثقافة" فهذه سياسة رسمية تعاكس تماماً طموحات الأمة التي شاهدناها بعد العام 2000 أو خلال وبعد عدوان 2006، وهي تتحرق لتشارك ولو بالتظاهر في دحر العدو واستذواق النصر في كل امكانات النصر والمواجهة والصمود، بعكس كل طروحات جماعة الهزيمة والأيديولوجية المهزومة كما أسماها المفكر العربي الراحل ياسين الحافظ، وأصدر كتاباً خاصاً تحت هذا العنوان لتعود للحكام الهزيمة: ان الأمة لم تقاتل فعلياً لتهزم، ومن قاتل هو أنتم، من عينكم الاستعمار حكاماً فلم تزجوا بالأمة كلها في الصراع، بل قاتلتم نيابة عنها دون تخطيط ولا امكانيات ولا نية بالنصر، فوصلتم إلى هزيمتكم أنتم وليس الأمة.
أعطى ياسين الحافظ مثالاً على ذلك في عدد القوات المحاربة عام 1949 في فلسطين، ليكشف أن مقابل 100 ألف صهيوني محارب كان هناك بين 35 وأربعين ألف عربي من كل الدول والجيوش. إذاً حتى بالمعيار العددي كان الإسرائيلي مجهزاً والحكام العرب غير جاهزين ولا يسمحون لغيرهم من المجتمع الأهلي بالقتال.
أما حرب 1967 فلم يحصل فيها قتال فعلي، خصوصاً في سيناء، إذ يقدر الخبراء أنه لو أعطي الجيش المصري أوامر بالقتال حتى من دون غطاء جوي، لأنزل بالقوات الإسرائيلية المهاجمة خسائر بالغة، ولمنع احتلال كامل سيناء، وعلى الأقل منع احتلال قناة السويس، ولتغيرت إذن معادلة الربح والخسارة حتى بنفس عدد شهداء القوات المصرية ومعداتها.. ولكن بروح القتال لا الهزيمة والانسحاب. أما في الضفة الغربية فالاتفاق المسبق بين حاكم الأردن وبعض الجنرالات الإسرائيليين على حدود احتلالهم وعدم أخذ قرار فعلي بالقتال من قبل السلطة الأردنية، أعطى الإسرائيليين المهلة المناسبة لاجتياح كل الضفة (بدل الجزء المتفق عليه)، اضافة إلى القدس.
باختصار الأمة لم تقاتل فعلياً، ولو قاتلت دون النظام أو شبه الدولة العربية القائمة في كل قطر فالأغلب أنها ستنجح في دحر العدو، أو على الأقل منعه من النصر. وتجربتا لبنان وفلسطين قائمتان، حيث القتال النظامي  بالجيوش سبب الهزيمة، فيما الأمة قاتلت وانتصرت.
ثقافة الهزيمة هي ثقافة حكام عينهم الاستعمار ولم يأتوا بملء ارادة شعوبهم، أما ثقافة الانتصار فهي ثقافة الأمة المنتصرة.. ولو بعد حين.
د. حسين رحال
الانتقاد/ العدد1220 ـ 22 حزيران/ يونيو 2007

2007-06-22