ارشيف من : 2005-2008

الزهراء: الإنسان الكامل من منظاري الجمال والجلال

الزهراء: الإنسان الكامل من منظاري الجمال والجلال

انها الإنسان على صورة المرأة، المرأة التي صورتها الفلسفات المتعاقبة إنساناً ناقصاً يكمّل وجود الرجل ويجبر نقصه او يلبي حاجاته ونزعاته الى الأنس واللذة، المرأة التي كانت في بعض فلسفات الشرق القديم مخلوقاً بين الإنسان والحيوان، والتي أضحت في فلسفات الغرب الحديث بضاعة وسلعاً وممتلكات او منظومة "ديكورات" للترويج والتسويق.. فإذا كانت جميلة فإن لها موقعاً في المدنية الغربية الحديثة والمتقدمة، وإن لم تكن كذلك سقطت من الاعتبار لتبحث لها عن موقع آخر قد يرتبط بالعمل والإنتاج او بالتسويق لذوات الجمال.. وهكذا ما بين تفريط الشرق القديم وإفراط الغرب الحديث ضاعت إنسانية المرأة ومواهبها وكمالاتها وتضاءلت فرص الإفادة من النصف الآخر للإنسان في دوائر الاجتماع المختلفة، لا سيما حسن الاستثمار للعاطفة الجياشة وللحنان المنقطع النظير من أجل البناء والتربية وصناعة المناخات العاطفية الملائمة لنمو الإنسان في ذكره وأنثاه.. فصحيح ان المرأة تشبه الرجل وتتساوى معه في غالبية الحقوق المنتزعة او المقررة بحسب الخلق لكليهما على قاعدة التساوي في الوجود وفي الإنسانية، لكنها تختلف عنه ذلك الاختلاف التكويني الذي يجعل من الطرفين (الرجل والمرأة) زوجاً كريماً، أي منتجاً للعيش مع الاستقرار والهدوء والسكينة، بما يفسح في المجال للإعمار والبناء والتطوير والاستمرارية في الحياة.
واستمرت الجدلية بين دعاة الحقوق للمرأة والسلوك المهين لها، وبين دعاة الحرية للمرأة الهابطين بها الى أسفل سافلين.. وكانت الإشكالية على الدوام هي الاعتدال او العدالة في النظرة الى المرأة وفي السلوك تجاهها، وما بينهما اشكال في إسقاط المكانة على الواقع، وما بين إفراط وتفريط حُرمت الإنسانية على الدوام نتيجة الاختلال في الموقع الذي شغلته المرأة على نحو الإجمال.
وقد حل الإسلام في وسط عالم الإنسان بوسطيته واعتداله، فالنظرة الى المرأة هي نظرة خالقها الذي يعلم حقيقة اللمسات الإبداعية في خلقها، والسلوك تجاهها هو حكم إلهي يفترض العدالة وعدم الظلم او الغبن او المهانة.. ولكي يكون الإسلام تاماً في منظومته وفلسفته وقيمه وفي أحكامه وسلوكياته، كان لا بد من النموذج النسوي الذي يعكس تمامية الرسالة في أبعادها النظرية والعملية، والذي يظهر إشراقة النهج وجماليته، فكانت الزهراء (ع) في المظهر الأتم، ومعها نساء كثيرات جسدن روعة الرسالة وحكمتها وتلألؤها.
لقد اشتهرت الزهراء (ع) في مقام الجلال بالهيبة والجبروت والكبرياء، فقد قيل بحقها في هذا المجال ما لم يُقل بحق أحد من العالمين: فاطمة يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها، وإن أذيتها هي أذية للمولى جل وعلا. وبناءً على ما أجمع عليه رواة المسلمين في حق فاطمة وفضلها وفي مقامها الجلالي، فإن أحد معايير الرضا والغضب لله تعالى هو مقدار رضا وغضب الزهراء (ع)، فالذي ترضى عنه الزهراء يرضى عنه الله، ومن تغضب عليه الزهراء (ع) يغضب عليه الله. وعندما نقف عند غضب الله فهو لا ينسجم ولا يترافق مع الإسلام، فالله لا يغضب على المسلم المذنب مهما كانت ذنوبه، وإنما يغضب عليه اذا أخرجته ذنوبه وموبقاته من الإسلام، أي يغضب الله على الكافرين والمشركين والمنافقين.. من هنا فإن السعي لتحصيل رضا الزهراء (ع) هو أحد الأبواب الواضحة لنيل رضا الله تعالى، وإن أحد دواعي تجنب غضب الله تعالى هو مجانبة الوقوع فيما يغضب الزهراء عليها السلام.. هذا في مقام الجلال، أما من منظار الجمال، فإن الزهراء (ع) كانت مثال الإنسان الكامل في الأبعاد المختلفة للشخصية: (الوعي، والثقافة، والعلم، والأخلاق، والقيم، والعبادة، والسلوك، والأداء الحكيم، والرسالية والجهاد والتضحية)، فهي العالمة، المحدثة، المبلغة، الرسالية، المجاهدة، الصابرة، الممتحنة، التي واءمت بين الأدوار ووفقت بين المهام ووازنت بين الوظائف، فكانت خير أُم وخير بنت وخير زوجة وخير داعية الى الله، لم تؤثر مهمة على أخرى، ولم تطغ بعض الاهتمامات على أخواتها، لم تبتل بتقصير ولا بإفراط ولا تفريط، كانت لأبيها الأم، ولزوجها الشريك الصالح، ولأبنائها المربية العظيمة المثالية، وقد أحسنت لجيرانها ودعت لهم، وحضت على الجهاد وواست الثكالى والأرامل، وحمّست على القتال، ودافعت عن الإسلام في أحلك الظروف، حتى يمكننا القول إنه لولا تحرك الزهراء (ع) في أواخر أيامها وما أدلت به من مواقف وآراء، لكانت خدشة كبيرة أصابت الإسلام، ولصعب على الأجيال المتعاقبة أن تميز الخبيث من الطيب والمؤمن من المنافق. اذاً هي التي حمت الإسلام في حياتها وفي شهادتها، وهي الكوثر الذي أنجب للإسلام السادة والقادة والولاة والأئمة، وهي التي سمعت الحق النازل من السماء والمحدثة من جبرائيل، وهي التي في الجلال تحمل المظلومية المتراكمة للبشرية عبر آلاف السنين لأنبياء ظُلموا وأولياء اضطهدوا ومؤمنين استضعفوا.. وهي في الجمال تحمل كل الخصائص الكمالية للبشرية من الاعتقاد والمفاهيم والمبادئ الى أدق تفاصيل السلوك. وما بين جلالها وجمالها كانت المجاهدة الشهيدة التي سيظهر في يوم من الأيام ان السر الذي دفن معها هو سر الحماية والحصانة والسلامة للإسلام.. فالسلام عليها يوم وُلدت ويوم استُشهدت ويوم يقف آخر أحفادها عند قبرها معرفاً لها كاشفاً عن سرها مظهراً لأمرها وشأنها، مميطاً اللثام عن مقامها الجمالي الجلالي الذي هو النور، بل هو سر النور الذي به انكشفت ظلمات البر والبحر، وأضحى الكون صالحاً للحياة.. بل إنه سر الحياة.
بلال نعيم
الانتقاد/ العدد1220 ـ 22 حزيران/ يونيو2007

2007-06-22