ارشيف من : 2005-2008
"مسألة الحجاب" لمرتضى المطهري : الفصل القاطع بين الخاص والعام
كان آية الله العلامة الشهيد مرتضى المطهري ـ وُلد (قده) في 13 جمادى الأولى في العام 1338هـ في قرية فريمان من قرى محافظة خُرسان ـ عَلَماً فكرياً فذّاً من أعلام الإسلام الخُلص، إذ إنه كان عالماً من العلماء المعدودين والمشهودين في نضاله الفكري الخّلاق على الساحة الفكرية الإسلامية. فلقد نَذَر نفسه مجاهداً فكرياً مسخّراً كل إمكانياته وطاقاته الفكرية والعلمية حتى الرمق الأخير من حياته، في خدمة محاربة الأسس الفكرية والفلسفية التي تستهدف تشويه الإسلام. وقد شرح هدفه من كفاحه هذا في كتابه "العدل الإلهي" بالقول: "حيث أمسكت القلم وكتبت المقالات والكتب، لم يكن لي هدف من كل ما كتبته، إلاّ حلّ المشاكل والجواب عن الأسئلة المطروحة في عصرنا في مختلف الجوانب الإسلامية. وقد كتبت في الفلسفة والاجتماع والأخلاق والفقه والتأريخ.. ومع أن مؤلفاتي تختلف من حيث الموضوع، ولكن الهدف العام أمر واحد، هو أن الشريعة الإسلامية المقدسة مجهولة لدى العامة، وقد حُرّفت حقائق هذا الدين في أنظار الناس بصورة تدريجية، والسبب الأساس في تفرّق جمع من الناس عن هذا الدين هو التعاليم الخاطئة التي أُلقيت باسم الدين. وإن هذا الدين المقدس يتعرض للضربات بصورة أشدّ من قبل بعض من يدّعي حمايته.
فالهجوم الاستعماري الغربي بدعم من عملائه المعروفين والمجهولين من جهة، والقصور أو التقصير الصادر عن المدّعين بحماية الإسلام من جهة أخرى، كان السبب في الهجوم التدرجي على الأفكار والنظريات الإسلامية. ولهذا فإنني ـ وأنا عبد ضعيف ـ رأيت من واجبي أن أقوم بما أستطيع إسداءه من خدمةٍ في هذا المجال". نعم، لقد كان هذا نهجه الذي سلكه بإصرار قاهر حتى قضى (قده) استشهاداً في 4 جمادى الثانية عام 1399هـ، على يد فئة ضالة يغذيها أعداء الإسلام.
هذه نبذة مختصرة جداً عن صاحب الكتاب الذي نحن بصدده والموسوم بـ"مسألة الحجاب" (طبعة رابعة ـ عن الدار الإسلامية ـ بيروت)، وقد وضعه المؤلف دفاعاً عن الإسلام، لذا فهو يحب التوقف عنده والتأمل بمعطياته، ذلك أن هذا الكتاب في موضوعه، هو بمثابة البوصلة التي تحدّد الاتجاه الصحيح والمطلوب بتصويبها نقطة الانطلاق الوحيدة نحو تحقيق الهدف الوجودي الأسمى المتمثل بالوصول الى مجتمع إنساني نظيف برمّته أخلاقياً.
ففي ظلّ شيوع ثقافة إعلامية غربية معولمة مليئة بالابتذال الداعي ـ تلميحاً وتصريحاً ـ الى السفور والإباحية، يأتي هذا الكتاب ـ الذي عبر تقديمه للأفكار الإسلامية وأحكامها القاطعة في مسألة فرض الحجاب على المرأة ـ يجدّد الدعوة الصريحة وبإلحاح الى تشجيع وتعميق وتجذير وبالتالي بلورة وتعميم مقومات ثقافة إسلامية ـ أخلاقية مميزة لا تعدو كونها امتثالاً تطبيقياً حرفياً للأوامر القرآنية للبشر (ذكراً وأنثى) لأن يتخذوا من الستر البدني الوافي المحتشم والوقور، درعاً واقية تبعدهم بالمطلق عن ارتياد بؤر الانحراف والفساد، وتجعلهم بمأمن من الوقوع في براثن الانحلال بتجنيبهم السقوط المروّع والمدّوي في مستنقعات الرذائل والفواحش والموبقات.
فمسألة وجوب حجاب المرأة على الصعيد الاجتماعي العام والخاص أيضاً يطرحها المؤلف هنا بعمق ودراية في هذا الكتاب الذي يتضمن مبادئ ومقومات الفلسفة الاجتماعية للإسلام التي رأس أصلها وجوب الحجاب للنساء.
لوضع الحدود القاطعة بين الإباحة المذمومة والمقيتة وصيانة المرأة وحصانتها من الاعتداء الجنسي، وبالتالي الإعلاء من شأنها الاجتماعي برفع وتعزيز قيمتها المعنوية كإنسانة جديرة بالاحترام والتقدير.. و"الإسلام لا يريد ـ إطلاقاً أن تكون المرأة عضواً عاطلاً عن العمل وكلاًّ على المجتمع، فستر البدن باستثناء الوجه والكفين لا يحول دون أي نشاط ثقافي أو اجتماعي أو اقتصادي.. بل إن الذي يؤدي الى تعطيل الطاقة العملية للمجتمع هو تلويث محيط العمل بالممارسات الشهوانية". ففي الإسلام موقف وسط ـ وهو العقيدة الوسطية أساساً، إذ يقوم على قاعدة "لا إفراط ولا تفريط" ـ بين حجب المرأة وتكبيلها وبين الاختلاط الاجتماعي السوي الذي تُظهر فيه المرأة حياءها وعفتها وتحافظ بالتالي على كرامتها.
وعلى هذا الأساس يتناول العلامة المطهري مسألة الحجاب بدءاً من وجودها التاريخي وصولاً الى عالمنا المعاصر، مُبدياً وجهة نظر الإسلام كاملة في هذه المسألة، وذلك رداً على كل المقولات والنظريات الغربية التي اتهمت الإسلام بأنه ظالم للمرأة بإجبارها على ارتداء الحجاب، لأن ذلك ـ برأيهم ـ يجعلها كائناً ضعيفاً مستغلاً ومهدور الحقوق، مقيّد الحركة، وبالتالي مهمشاً ومعزولاً اجتماعياً.
يقول مطهري: إن الثابت تاريخياً أن الحجاب قبل الإسلام كانت له مصداقية لدى بعض الأمم، فقد كان الحجاب ظاهرة في إيران القديمة، وبين اليهود، وربما في الهند أيضاً.. ويؤكد أن الحجاب كان لدى تلك الأمم أكثر تشديداً عمّا جاء به في شريعة الإسلام "الذي صنع تحوّلاً بهذا الاتجاه".
وكدليل شامل على ذلك إلى جانب ما أورده مطهري هنا من فقرات من كتب لمفكرين غربيين تؤكد ما يرمي اليه، يورد فقرة من كتاب "كونت جوبينو" بعنوان "ثلاثة أعوام في ايران" تقول: "ان الحجاب في المرحلة الساسانية لم يكن مقتصراً على ستر المرأة، بل على إخفائها، وقد بلغ الإخفاء في تلك المرحلة حدّ أنه إذا كان لدى شخص امرأة جميلة في منزله، فلا يتيح فرصة ليطلع عليها شخص آخر، ويبقيها مخفية ما أمكن، اذ لو عُرف أن لديه امرأة جميلة في منزله فسوف تخرج عن ملكه، بل لعله لا يطمئن الى حياته أيضاً".
ومع أن الحجاب الإسلامي لم يكن كذلك أبداً، ذلك لأن "الإسلام دين جاءت كل أحكامه على أساس مصلحة وحكمة"، فقد سعى المناهضون لظاهرة الحجاب عموماً الى إبراز جملة ممارسات ظالمة بوصفها عللاً لهذه الظاهرة، ولم يميزوا في ذلك بين الحجاب الإسلامي وغير الإسلامي، فأوحوا بأن الحجاب الإسلامي ينطلق من هذه الممارسات الظالمة أيضاً، وطرحوا نظريات متنوعة بصدد أسباب ظهور الحجاب، فاعتبروا الحجاب حيناً وليد لونٍ من ألوان التفكير الفلسفي والنظرة العقلية للعالم، وذكروا حيناً آخر الجذر السياسي والاجتماعي للحجاب، وذهبوا حيناً ثالثا الى اعتباره معلولاً لأسباب اقتصادية، وحيناً الى دخالة عوامل أخلاقية أو نفسية في ظهوره. لقد ناقش المؤلف هنا هذه النظريات بعقل واع وأشبعها تحليلاً ونقداً على أساس من الشريعة الإسلامية، مثبتاً أن الإسلام لم يأخذ بنظر الاعتبار كل هذه العوامل في فلسفته الاجتماعية، ذلك أن أيّاً من هذه العوامل لا ينسجم مع الأسس المعروفة والعامة للتفكير الإسلامي، الذي أراد من الحجاب للمرأة "أن تستر بدنها حينما تتعامل مع الرجال، وأن لا تخرج أمامهم مثيرة.. فالنصوص القرآنية تثبت هذا المعنى"، ذلك أن الستر الذي فرضه الإسلام "حيث يتعامل مع جوهر مسائل الحياة، لا يعني أن لا تخرج المرأة من بيتها، ولم تطرح في ثقافته مسألة حبس المرأة وسجنها في الدار".
ويقول المؤلف: ترجع فلسفة الحجاب الإسلامي ـ بنظرنا ـ الى عدة عوامل ـ يشرح أبعادها بشكل تفصيلي ـ بعضها ذو جانب نفسي، والآخر ذو جانب أسري، وبعضها ذو بُعد اجتماعي، وآخر يرتبط برفع مستوى المرأة واحترامها والحيلولة دون ابتذالها.. وتنبثق كل هذه العوامل من قاعدة أعمّ وأشمل هي: أن الإسلام حصر ألوان المتعة الجنسية في محيط الأسرة والزواج القانوني، ويبقى المحيط الاجتماعي العام ميداناً للعمل والإنتاج خلافاً لنُظم الغرب في عالمنا المعاصر، حيث يختلط العمل والإنتاج باللذة الجنسية. فالإسلام يريد فصل هذين المحيطين أحدهما عن الآخر بشكل كامل.
أحمد ياسين
الانتقاد/ العدد1220 ـ 22 حزيران/ يونيو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018