ارشيف من : 2005-2008

الشهيد شمران: طلقت اللذائذ ثلاثاً وذهبت إلى جنوب لبنان حتى أعيش بين المحرومين والمستضعفين

الشهيد شمران: طلقت اللذائذ ثلاثاً وذهبت إلى جنوب لبنان حتى أعيش بين المحرومين والمستضعفين

في مثل هذا ليوم، سقط الدكتور مصطفى شمران شهيداً على ثغور الجمهورية الإسلامية الايرانية، محامياً ومدافعاً عن ترابها.. نعيد اليوم نشر سيرة مختصر لهذا الرجل الذي جاب جبهات العالم الاسلامي ليقدم نموذجاً للقائد الفذ الذي يسير قبل جنوده الى المعركة..




ولد الشهيد مصطفى شمران عام 1311هــ.ش (1933م) في مدينة قم، ثم ما لبث أن انتقلت عائلته إلى طهران للعيش فيها بعد عام واحد من مولده.. وبعد أن أنهى دراسته الابتدائية في مدرسة (انتصارية) بالقرب من (پامنار) انتقل إلى ثانوية دار الفنون، ثم قضى العامين الأخيرين في ثانوية (البرز) ، وكان تلميذاً ممتازاً على طوال هذه المرحلة.
وفي عام 1332هــ.ش التحق الشهيد شمران بالكلية الفنية في جامعة طهران وبدأ دراسته في قسم الهندسة الكهربائية، ولمّا كانت تلك الفترة متزامنة مع مرحلة الثورة فإنه اضطلع بالنشاط الواسع في النضال السياسي الشعبي والتظاهرات الخطيرة المناوئة لنظام الشاه.
الدراسة في أمريكا
وبعد حصوله على البكالاريوس عمل الشهيد شمران مدرساً في نفس الكلية التي تخرج منها، إلى أن حصل على منحة دراسية لإكمال دراسته في أمريكا حتى درجة الدكتوراة بصفته طالباً ممتازاً. وبحصوله على درجة الماجستير بتقدير ممتاز في الهندسة الكهربائية من جامعة تكساس الأمريكية، انتقل إلى جامعة بركلي للحصول على الدكتوراة، وخلال ثلاث سنوات حصل الشهيد شمران أيضاً على درجة الدكتوراة في الإلكترونيات والفيزياء الحيوية (هندسة الطاقة النووية) بامتياز من جامعة بركلي متفوقاً على زملائه من الطلبة القادمين من شتى أنحاء العالم وتحت إشراف أبرز الأساتذة في هذا الحقل. والمثير للدهشة أن الشهيد شمران أبرز تفوقه الدراسي والعلمي بينما كان منخرطاً في نفس الوقت في خضم النضال السياسي والعقائدي، وهو ما أثار دائماً إعجاب الأصدقاء والأعداء. وكان في تلك الفترة يعتمد في الحصول على نفقات حياته من عمله في التدريس والأبحاث، وذلك لأن السافاك كان قد حجب عنه منحته الدراسية بحجة نشاطه السياسي ضد نظام الشاه.  
نشاطه السياسي في أمريكا
ومن أبرز مآثر حياة الشهيد شمران السياسية والاجتماعية تأثيره ودوره المتفرد في تأسيس التجمعات الطلابية ضد نظام الشاه وخصوصاً الاتحاد الإسلامي للطلبة في أمريكا. وتعتبر السيطرة على اتحاد الطلبة الإيرانيين في أمريكا من أهم تحركاته السياسية هو ورفاقه في تلك الفترة حيث كان هو أحد أبرز مؤسسي اتحادات الطلبة الإيرانيين في أمريكا. وتقديراً لدوره الممتاز وكفاءاته العالية والفريدة فقد انتخبه اتحاد الطلبة الإيرانيين في أمريكا غيابياً كأول عضو فخري دائم فيه (عضو شرف) وذلك في اجتماعه التاسع عام 1962م. إصدار شهرية فكرية باسم (جبهة) ونشرة خبرية تحت عنوان (الجبهة الوطنية في أمريكا) بمساعدة عدد من زملائه. كما أن خطاباته في جموع الطلبة ومحافل الجبهة الوطنية والاتحاد الإسلامي وسواها، وكذلك كتابة المقالات المتعددة باسمه الأصلي أو باسم مستعار مثل مقالات (الثورة) و(حكومة علي) و(البيان الديمقراطي) تعد كلها من صور حضوره السياسي البارز والفعال في عرصات المواجهة السياسية.
ففي تلك المسيرة التي نُظمت في عهد "كنيدي" من مدينة "بالتيمور" إلى "واشنطن" والتي امتدت على مسافة تسعين كيلو متراً كان هو أنشط المشاركين وكان يسير في المقدمة دائماً، والمدهش في ذلك أنه لم يكف عن أبحاثه وأحاديثه في العرفان والسير والسلوك الروحي على طوال الطريق.
كما كانت له مشاركة فعالة في الاضراب عن الطعام الذي نظم داخل مصلّى منظمة الأمم المتحدة احتجاجاً على اعتقال ومحاكمة آية الله الطالقاني وأصحابه، حيث كتب من هناك رسالة إلى شقيقه يقول فيها:
وإضافة إلى كل ذلك فقد كان له حضور مؤثر ومشاركة فعالة في التظاهرات الكبرى والواسعة التي نظمها الطلبة الإيرانيون في أمريكا في أعقاب مذبحة الخامس عشر من شهر خرداد. كما كان له دور مؤثر ومصيري في التظاهرات التي أقيمت أمام محل إقامة الشاه عند زيارته لأمريكا عام 1343هــ.ش، حيث اضطر نظام الشاه إلى إرسال عدد من عملاء السافاك ــ بلغ المئات ــ من إيران إلى أمريكا للهجوم على جموع المتظاهرين وتفريقهم بعد أن فشلت السفارة الإيرانية في خداع المتظاهرين.
التدريب العسكري في مصر
ولكن هذا الرجل صاحب الروح الشفافة والمرفرفة والعزم المتين والإرادة الصلبة أدار ظهره لكل المظاهر المادية بعد نهضة الخامس عشر من خرداد الدموية والاعتقاد بتراجع النضال القانوني والبرلماني، وتوجه إلى مصر مع عدد من أصدقائه المؤمنين والمخلصين لتعلم فنون القتال والاستعداد لخوض الحرب المسلحة ضد النظام البهلوي. وكان ذلك في نفس الوقت الذي بعثت فيه نهضة المقاومة الفلسطينية بكوادرها إلى مصر للتدريب أيضاً، حيث قضى الشهيد شمران عامين شارك فيهما بعدة دورات للتدريب العسكري وفنون النزال وجهاً لوجه وحرب العصابات والعمل الفدائي، ثم أخذ هو على عاتقه مسؤولية تدريب المقاتلين الإيرانيين على تعلم تلك الفنون.
الهجرة إلى لبنان




وفي عام 1346هــ.ش غادر الدكتور شمران مصر إلى أمريكا لفترة وجيزة بهدف الإعداد لهجرته الكبرى إلى لبنان. وطبقاً لدعوة من الإمام موسى الصدر، فإنه وصل إلى لبنان أواخر سنة 1349 وانضم إلى ذلك الجمع وأصبح من الأصدقاء المقربين للسيد موسى الصدر.
ولأن الدكتور شمران جاء إلى لبنان بنية إقامة قواعد للنضال، فإنه توجه منذ اللحظة الأولى إلى أقصى نقطة في الجنوب أي إلى مدينة "صور" بالقرب من حدود الكيان الصهيوني وأخذ على عاتقه إدارة المدرسة الصناعية في جبل عامل ــ البرج الشمالي على بعد خمسة كيلومترات من "صور" بجوار المخيمات الفلسطينية. وكان اليتامى من أبناء الجنوب اللبنانيين يدرسون في هذه المدرسة، وهم الذين صاروا فيما بعد الكوادر الأصلية للخط الأول في المقاومة ضد الكيان الصهيوني.
وفي المدرسة الصناعية لجبل عامل كان التلاميذ يدرسون العلوم ويتعرفون تكنولوجيا العصر ويتدربون في الورشات المختلفة التي بناها الدكتور شمران بنفسه، كما يؤدون فيها بعض الأعمال لسد حاجتهم المالية، مما كان سبباً في نمو تجربتهم العلمية. وكان هؤلاء الشباب هم الذين قاوموا ببسالة الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان، ولاشك أن اسم هذه المدرسة وهؤلاء الشباب قد بات محفوراً على صفحات تاريخ الكفاح في لبنان كنموذج بارز للشجاعة والتضحية والإيمان.
ولأن هذه المدرسة كانت تقع بجوار المخيمات الفلسطينية مع وجود الأهداف المشتركة والشعور بالصداقة الحميمة من جانب الدكتور شمران، فإنها قدّمت خدمات جليلة لهذه المخيمات لدرجة أن منظمة الأمم المتحدة بعثت برسالة تقدير خاصة للدكتور شمران.
عمل الدكتور شمران على المحور الايديولوجي للشابا لمدة عامين، وهو النشاط الذي تفتق عن تأسيس "حركة المحرومين" فيما بعد. ويقول :"أي أن هؤلاء الشباب كانوا هم العمود الفقري لحركة المحرومين الكبرى. وقد نظمت حركة المحرومين عدة تظاهرات واسعة، ومنها تظاهرات بعلبك التي شارك فيها خمسة وسبعون ألف شاب مسلح، وكذلك تظاهرات مدينة صور التي شارك فيها مائة وخمسون ألف مسلح، وأقسم فيها الشيعة اللبنانيون على مواصلة طريق الجهاد من أجل إحقاق حقوقهم المسلوبة حتى آخر قطرة من دمائهم. وهذا هو أحد نماذج النشاط السياسي لحركة المحرومين. وعندما تفجر الصراع في لبنان، وامتلأت الساحة بالمسلمين من شتى الاتجاهات، ولم يكن بوسع أية طائفة سوى التسلح حفاظاً على البقاء، فإن حركة المحرومين أقدمت على تشكيل حركة عسكرية باسم "أمل" التي كانت في الواقع هي الفرع العسكري لحركة المحرومين. وكنّا قد انتقينا أعضاء حركة أمل من بين أفضل الأشخاص كفاءة وتديناً من المتخرجين في دورة إعداد الكوادر. واستطيع أن أقول حقاً بان شباب حركة أمل هم الذين تعرف معظمهم الإسلام الصحيح وانطلقوا في جهادهم على هذا الأساس".
بدء الصراعات الداخلية
ولم يكد يمضي سوى أربعة أعوام على بدء الدكتور شمران لنشاطاته حتى اشتعل أوار الصراع والحروب الداخلية في لبنان.
وفي الحقيقة فإن هذه الحروب كانت هي التي مهدت الطريق أمام (إسرائيل) لاجتياح لبنان، وكانت هي التي أضافت المزيد من الحرمان والفقر لأوضاع الشيعة؛ كما كانت هي التي حركت الكتائب ضد الشيعة من جهة، وأوقعت الصدامات بين الشيعة والعناصر اليسارية المأجورة للعراق أو للمنظمات اللبنانية والفلسطينية العميلة للقوى الدولية من جهة أخرى. ولقد ازدادت الأمور سوءًا فيما بعد، حيث اسفرت هذه المأساة عن خلافات وانشقاقات في الصف الإسلامي اللبناني المناوئ للصهاينة وحرف أنظار الإسلاميين عن الفتنة والاعتداءات الإسرائيلية، ولهذا فإن النهضة والانتفاضة الفلسطينية ــ اللبنانية ضد الصهيونية قد تحولت على الأثر إلى حركة شعبية بدون أدنى أثر للدور المؤثر والفعال للتنظيمات السياسية والعسكرية السابقة. وللاطلاع على المزيد من التفصيلات حول قضايا وأحداث تلك الفترة يمكن الرجوع إلى كتاب (لبنان) الذي ألفه الدكتور شمران. 
وتعتبر بعض حكايات كتاب "لبنان" التي عايشها الشهيد شمران بنفسه على قدر من الألم والشجاعة بحيث تصلح كل منها لإنتاج فيلم رائع ومؤثر حول الشهامة والشجاعة والحرمان والمظلومية التي تميز الشيعة اللبنانيين.
ومن ذلك قصة (النبعة) والحصار الذي فرضه عليها الكتائب لعدة أشهر، وذكريات الشهيد شمران حول تلك المنطقة ومسجدها وقاعدتها لإعداد الكوادر ومستشفاها، وكذلك قصة شارع أسعد الأسعد في منطقة الشياح وإقدامه على إنقاذ طفل وأمه في براثن الموت، وأيضاً ملحمة بنت جبيل.    اختفاء الإمام موسى الصدر
في يوم 31 من  آب/ أغسطس 1978م وقعت حادثة اختطاف الإمام موسى الصدر، على أعتاب انتصار الثورة الإسلامية المباركة في إيران.




لقد كان شمران دائماً ما يوجه الأنظار قدر استطاعته إلى مظلومية المستضعفين في لبنان، وينادي بعظم المسؤولية الإسلامية تجاه قضية الإمام موسى الصدر. ولهذا فإنه نظم عدداً من الاضرابات العامة والتظاهرات الواسعة في لبنان بهذا الصدد، كما نظم مسيرة كبرى من بيروت إلى دمشق لدى اجتماع عدد من قادة ورؤساء الدول الإسلامية في سوريا. ألاّ أن كافة هذه المحاولات والتحديات لم تسفر عن نتيجة واضحة، ومازال مصير هذا الزعيم الإسلامي مجهولاً.  
بداية انتصار الثورة الإسلامية في إيران
كانت الثورة الإسلامية في إيران تخطو كل يوم خطوة جديدة نحو النصر؛ فقد لاذ الطاغوت بالهرب من إيران وعاد الإمام الخميني إلى أرض الوطن بعد خمسة عشر عاماً من النفي والجهاد. ولأنه كان من المتوقع أنه لا مفر من وقوع صراعات دموية في المراحل الأخيرة من الانتصار بين المناضلين والمجاهدين من جهة وبين الماكينة العسكرية للنظام من جهة أخرى، فإن الدكتور شمران ومعه عدد من الشباب والإيرانيين الأقوياء الذين أنهوا تدريباتهم العسكرية في لبنان وسورية أخذوا يتأهبون للعودة إلى إيران. وكأن التاريخ كان يمر دفعة واحدة في تلك الأيام، حيث كان كل يوم يعادل عاماً كاملاً من الأحداث؛ فقد وقعت صدامات دموية في العشرين وحتى الثاني والعشرين من بهمن، وأعرب خمسمائة من الشباب اللبنانيين المتحمسين والمشتاقين عن رغبتهم في الانضمام إلى إخوانهم الإيرانيين.
وعاد الدكتور شمران فعُيّن وزيراً للدفاع باقتراح من مجلس الثورة وأمر من سماحة الإمام، وذلك بتاريخ 16/8/1358. وكان أول شخص غير عسكري يتولى هذا المنصب.
في مجلس الشورى ممثلاً عن أهالي طهران
ورشح الدكتور شمران نفسه بشكل مستقل في الدورة الأولى لانتخابات مجلس الشورى الإسلامي؛ و نجح في دخول المجلس ممثلاً عن طهران بعد أن منحه أهاليها الأوفياء أكثر من مليون صوت.
يقول الدكتور شمران بهذا الصدد:
"إلهي، لقد غمرني الناس بحبهم الزائد وأغرقوني بلطفهم وعطفهم حتى جعلوني أشعر بالخجل وأحسب نفسي من الصغر بحيث لا أستطيع رد هذا الجميل. فامنحني يا إلهي الفرصة والمقدرة على أداء هذا الدين حتى أكون لائقاً بكل هذا العطف والمحة".  
في مجلس الدفاع الأعلى
وفي تاريخ 20/2/1359هــ.ش، ولدى تشكيل مجلس الدفاع الأعلى، عينه قائد الثورة الإسلامية الكبير ممثلاً ومستشاراً له في هذا المجلس. وهذا هو نص قرار التعيين: 
بسم الله الرحمن الرحيم
سيادة الأستاذ الدكتور مصطفى شمران أيّده الله تعالى؛ تشكيلاً لمجلس الدفاع القومي الأعلى استناداً إلى على المادة العاشرة بعد المائة من دستور الجمهورية الإسلامية في إيران، فقد تقرر تعيين سيادتكم مشاوراً لي في هذا المجلس. ونظراً لما نمرّ به من ظروف استثنائية فإن على سيادتكم القيام بالمتابعة التامة والدقيقة لكافة الأحداث الداخلية المتعلقة بدوائر الجيش المختلفة وإرسالها إليَّ كل أسبوع.
روح الله الموسوي الخميني
  وأما في الدورة الأولى من انتخابات رئاسة الجمهورية فقد ظل أصدقاؤه يلحّون عليه بإصرار من أجل ترشيح نفسه لرئاسة الجمهورية، ولكنه رفض بشدة.
يقول في مذكراته التي كتبها في أهواز:
"إنني مطلع بما فيه الكفاية على المشاكل الراهنة وأريد المساعدة في العمل على حلها. كما أنني لا أريد أن أزيد الطين بلّة، بل أريد أن أعمل في صمت وهدوء في سبيل الله وحسب، وأرغب في خدمة الإسلام والثورة والوطن بكل ما أستطيع، ولا أتوقع على ذلك جزاءً من أحد ولا شكوراً.
فرق العشرة آلاف مقاتل




إن الذي استخلصه الدكتور شمران من تجربته العملية المكثفة في النشاطات العسكرية هو أن مخلفات عهد الحكم الملكي البائد مازالت تثقل كاهل الجيش من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن التهديدات والممارسات الخيانية في أطراف البلاد (ولاسيما على الحدود الغربية) كانت من الخطورة بحيث لم يعد ثمة مجال سوى إبداع وابتكار مشروع جديد حتى لا تفقد القوات المسلحة اقتدارها وقوتها الدفاعية الدائمة. ولهذا فإن الدكتور شمران قدم قانوناً لمجلس الثورة الذي لم يلبث أن صادق عليه، وهو القانون الذي ينص على تشكيل فيالق يضم كل منها عشرة آلاف مقاتل من القوى الشعبية.
وبعد أزمة سقوط خرمشهر، قام المرحوم الشهيد الدكتور بهشتي بزيارة تفقديه لمناطق العمليات، فالتقى في أهواز بالمرحوم الشهيد الدكتور شمران. وعندها بادره بالقول: لقد أدركت الآن السبب في إصرارك على تشكيل فرق العشرة آلاف مقاتل، فلو كان هذا المشروع خرج إلى حيز التنفيذ لما فقدنا خرمشهر!
نحو مذبح العشق
استشهد إيرج رستمي قائد منطقة دهلاوية فجر الحادي والثلاثين من خرداد سنة 1360هــ.ش، فشعر الدكتور مصطفى بالألم المفجع جراء ذلك، ولكنه اختار قائداً آخر ليحل محل الشهيد رستمي في جبهة دهلاوية.
وكان الدكتور شمران قد وجه عدداً من الوصايا التي لا سابق لها إلى زملائه في آخر اجتماع لمقر الحروب غير المنظمة قبل رحيله إلى دهلاوية بليلة واحدة. ويقال إن الجميع كانوا يودّعونه لدى خروجه ثم شيعوه إلى مرمى البصر بعيون مغرورقة بالدموع.
وتحرك الدكتور شمران نحو سوسنكر، والتقى في الطريق بالمرحوم آية الله إشراقي والجنرال الشهيد فلاحي، فقبل أحدهم الآخر للمرة الأخيرة، ثم واصل طريقه حتى بلغ مذبح العشق. وكان كافة المقاتلين قد اجتمعوا في قناة خلف دهلاوية، فعزّاهم وبارك لهم استشهاد قائدهم إيرج رستمي، ثم قال لهم بصوت محزون ومختنق ونظرة عميقة سابحة في الضياء:
"لقد أحب الله رستمي فأخذه إليه، وسيأخذني إليه أيضاً إذا ما كان يحبني".  
الشهادة
انتهى كلامه، ثم ودع كافة المقاتلين وقبل ما بين أعينهم بعد أن قدم القائد الجديد لرفقاء الجهاد، ووقف على الخط الأمامي للجبهة عند أقرب نقطة للعدو خلف ساتر ترابي، وحذر المقاتلين بألاّ يتقدموا عن هذه النقطة لأن العدو يُرى بالعين المجردة، ولاشك أن العدو قد رآهم أيضاً. وانهمر سيل القذائف؛ وبينما كان يوجه إليهم أوامره بالتفرق وكان هو أيضاً متجهاً إلى أحد الملاجئ أصابته شظية في رأسه من الخلف، فارتفع صياح المحيطين به ممن شاهدوا ما حدث، وأوصلوه بسرعة إلى سيارة الاسعاف؛ وكان وجهه الملكوتي المبتسم بملامحه الواثقة والمخضب بالدم والتراب يتحدث إليهم بعمق، رغم أنّه لم ينبس ببنت شفة ولم ينظر إلى أحد. وفي مستشفى سوسنكرد، الذي سمي فيما بعد بمستفى الشهيد شمران، قدمت له الاسعافات الأولية ثم اتجهت سيارة الاسعاف نحو الأهواز. وللأسف فإن جسده فقط هو الذي وصل إلى أهواز، بينما كانت روحه تحلّق في الملكوت الأعلى بكفنه المدمّى، الذي كان لباسه في القتال، ملبيةً نداء ربها "ارجعي إلى ربك راضية مرضية".
واصدر قائد الثورة الإسلامية الكبير بياناً بمناسبة استشهاد الدكتور مصطفى شمران فيما يلي بعض سطوره:
"لقد اختتم شمران العزيز طريق الجهاد الذي شقّه لنفسه منذ بداية حياته بإيمان واثق بالهدف الإلهي العظيم وعقيدة طاهرة نقية بعيداً عن التلوث بالانتماء إلى الأجهزة والتنظيمات السياسية المختلفة؛ فلقد شقّ طريقه في الحياة مستضيئاً بنور المعرفة والزلفى إلى الله تعالى والجهاد في سبيله حتى ضحى بنفسه من أجل ذلك. لقد عاش عزيزاً مرفوع الرأس واستشهد شامخاً مرفوع الرأس فوصل إلى الحق تعالى.
إن العظمة تكمن في الجهاد في سبيل الله بعيداً عن الضجة والضوضاء السياسية والتظاهر الشيطاني، والتضحية بالنفس في سبيل هذا الهدف لا من أجل الأهواء النفسية؛ وهذه هي منقبة البشر الإلهيين.
لقد لحق بالرفيق الأعلى رافلاً في حلل العزة والكرامة، فرحمة الله عليه وجلّت ذكراه.
وأما نحن، فهل بوسعنا أن نتحلّى بمثل هذه الفضيلة؟ إن الله تعالى هو وحده الكفيل بالأخذ بأيدينا وإخراجنا من ظلمات الجهل وهوى الأنفس".


2007-06-21