ارشيف من : 2005-2008
قراءة في التفسيرات السياسية للاعتداء على القوات الدولية
كتب عماد مرمل
وقع ما كان متوقعا. القوات الدولية العاملة في الجنوب تتلقى ضربة موجعة قد تكون توطئة لغرقها في المستنقع اللبناني. الجميع استنكروا الاعتداء، لكن أحدا لم يتفاجأ به بعدما سبقته تهديدات «اصولية» من أيمن الظواهري الى «فتح الاسلام» وما بينهما.
لحظات بعد دوي الانفجار، راحت تتلاحق الاسئلة التي انقسمت الاجوبة حولها:
من المنفذ ومن المستفيد؟
هل ان الحادث يأتي على إيقاع الانفلات الامني في أمكنة متعددة ام انه منفصل ومعزول؟
هل تستطيع القوات الدولية الصمود إذا تكررت الضربات، ام انها ستوضب حقائبها وترحل؟
الى أي حد يساهم خيار التدويل المعتمد من السلطة في «إغواء» القاعدة وأخواتها واستقطابها لـ«العمل الجهادي» في لبنان بعدما ازدحم بجيوش متعددة الجنسيات؟
واين حزب الله مما يجري فوق ساحته؟
في قراءة حزب الله السياسية لانفجار سهل الخيام انه، معطوفا على حوادث أمنية أخرى، يعبر عن نجاح الادارة الاميركية في استخدام فريق السلطة من أجل فتح معركة لحساب الاميركيين ضد القاعدة من دون توفير المقدمات اللازمة لهذه المعركة، ويرى قيادي رفيع في الحزب ان لبنان يُستخدم الآن ساحة لتصفية حسابات بين تنظيم القاعدة من جهة وواشنطن واوروبا من جهة أخرى، وهو ما كان الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله قد حذر منه منذ فترة، في معرض مقاربته للوضع في مخيم نهر البارد، ويتساءل القيادي عما إذا كان لبنان مهيأ لمثل هذه المواجهة على مستوى الجيش والاجهزة الامنية وهل ان العمل يتم وفق خطة او استنادا الى ردود فعل.
والخطورة في أداء فريق السلطة ـ حسب القيادي ـ انه يغطي على حقيقة ان البلد تحول بسبب السياسة التي يتبعها الى ساحة صراع بين القاعدة والاميركيين، مصرا على الاستمرار في المكابرة العبثية وتوظيف ما يجري في سياق تصفية حساباته مع سوريا والمعارضة.
وبرغم إدراك حزب الله ان الاعتداء على القوة الاسبانية في قلب الشريط الحدودي يشكل خرقا لـ«عمقه الحيوي»، إلا ان ذلك لن يدفعه على ما يبدو الى خطوات متسرعة او مرتجلة، ويؤكد القيادي هنا ان أحدا لا يستطيع ان يحرضنا على الذهاب نحو أمن خاص او ذاتي في الجنوب، مشددا على ان الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل هما المسؤولان عن مناطق انتشارهما والحزب ليس سلطة أمنية موازية، لافتا الانتباه الى ان الجهاز الامني لدى الحزب يركز على ملاحقة التحركات والشبكات الاسرائيلية ويبذل أقصى الجهد على هذا الصعيد ولكنه ليس جهازا أمنيا داخليا.
وإذ يرى حزب الله ان حادثتي الجنوب الاخيرتين (إطلاق الصواريخ وتفجير الخيام) يجب ان تدفعا الى تعزيز التنسيق المعلوماتي والميداني بين المقاومة والجيش واليونيفيل، يعرب القيادي عن اعتقاده بان البيئة الشعبية في الجنوب ستقطع الطريق، مع شيء من الاجراءات المشددة على احتمال استخدام المنطقة الجنوبية في صراع لا علاقة لها به ومن شأنه ان يهدد امنها.
ويسخر القيادي من مقولة ان السلطة تقوم بخطوات وقائية من خلال استهداف «الخلايا النائمة» قبل ان تصحو لانها لو تُركت فان خطرها سيكون أكبر في المستقبل، معتبرا ان هذه الخلايا هي في حقيقة الامر مستيقظة في حين ان النائم هو الفريق الحاكم.
وفي «تتمة» لهذه القراءة، ترى اوساط سياسية مراقبة ان معرفة من هي الجهة صاحبة المصلحة في التعرض للقوات الدولية تتطلب أولا معرفة ما الذي يترتب على مثل هذا الاستهداف وفي أي خانة يصب. والاستنتاج يقود في هذه الحالة الى الافتراض بان الاعتداء الذي حصل على الوحدة الاسبانية ربما يُوظف، مع ما قد يليه، لتحقيق أمرين:
الاول، إعادة إثارة الملف الامني في لبنان بقوة وبالتالي إعطاء شحنة للمطالبين بنشر مراقبين دوليين على الحدود مع سوريا تحت شعار وجوب الاسراع في ضبط تهريب الاشخاص والسلاح.
والثاني، الدفع في اتجاه البحث في إمكانية تطوير التفويض الممنوح للقوات الدولية بموجب القرار 1701 بما يتيح لها حماية أمنها، وهذا يفتح الباب امام احتمال رفع مستوى التفويض الى الفصل السابع.
إذا سار الوضع في هذا الاتجاه، سيكون هناك مستفيد أساسي هو تنظيم القاعدة الذي سيجد بيئة أفضل للتحرك وسيكتسب مشروعية أكبر لدوره في لبنان مع اتخاذ القوات الدولية المتواجدة فيه «الطابع الاحتلالي» من خلال الفصل السابع، والمستفيد الآخر ـ مرحليا ـ سيكون الجانب الاميركي الذي سيضيّق الخناق على سوريا عبر الضغط لفرض المراقبة الدولية على حدودها، ما يعني انه سيزج بلبنان في عمق مشروعه الهادف الى تطويع قوى الممانعة.
وترى الاوساط المراقبة ان مشروع القاعدة قد يغدو الرابح الاكبر على المدى الطويل، بعدما يستفيد من انزلاق الاميركيين الى مواجهة مفتوحة مع سوريا انطلاقا من لبنان، فتتسع مساحة حركته ويتمدد في الساحة أكثر فأكثر، في استنساخ لسيناريو آخر بدأ مع ضربة 11 أيلول وما تلاها من غزو أميركي للعراق أطلق العنان للفوضى وأوقع هذا البلد في قبضة القاعدة.
بموازاة هذا التحليل، لا يرى أصدقاء دمشق في لبنان ان هناك أي مصلحة لها من وراء عملية سهل الخيام، لافتين الانتباه الى ان علاقة دمشق بمدريد جيدة، حتى يصح القول بان إسبانيا هي الرئة الاوروبية لسوريا وقد سبق لوزير الخارجية الاسباني ميغيل أنخل موراتينوس ان قام بزيارة ناجحة الى دمشق قبل فترة من الزمن ويومها تعرض لتأنيب من وزيرة الخارجية الاميركية كونداليسا رايس والرئيس الفرنسي آنذاك جاك شيراك، ولعل أحد الاهداف المضمرة لعملية سهل الخيام هو الايحاء بان الضمانات المعطاة من سوريا وحزب الله لحماية القوات الدولية لا تكفي، وعليه فانه من غير المنطقي ان تكون سوريا وراء ضرب الاسبان في جنوب لبنان.
أما القول بان سوريا متواطئة مع القاعدة من خلال تسهيل مرور عناصرها وأسلحتها عبر الحدود، فلا يقنع اصدقاء دمشق الذين يلفتون الإنتباه الى ان السوريين يعرفون ان الهدف التالي للقاعدة بعد العراق ولبنان هو الشام التي لن تكتمل من دونها الامارة الاسلامية المنشودة، بل ان المشروع الحقيقي للقاعدة هو وضع اليد على سوريا كونها نقطة ارتكاز حيوية له، باعتبار ان الاغلبية السكانية فيها سنية بينما الاغلبية في العراق شيعية وفي لبنان تتعدد الاقليات.
لا يقنع هذا المنطق فريق 14 آذار الذي يبدو واثقا من وجود البصمات السورية على الرسالة السياسية لمتفجرة الخيام، ولو ان الادوات قد تكون «قاعدية». الرؤية بالنسبة الى هذا الفريق واضحة: دمشق تريد إشاعة الفوضى في لبنان المنتفض على وصايتها والداعم للمحكمة الدولية تحت الفصل السابع، وما التهديد المنسوب الى الرئيس بشار الاسد بحصول إضطرابات من بحر قزوين الى البحر المتوسط إلا الدليل على صحة الاتهام.
وأما أشكال هذه الفوضى فتتنوع ـ وفقا للموالاة ـ من الاغتيالات والتفجيرات الى معركة نهر البارد وصولا الى الصواريخ «اللقيطة» على شمال فلسطين المحتلة والاعتداء على القوات الدولية. بموازة هذا الارباك الامني تساهم سوريا من خلال حلفائها في تكريس واقع الانكشاف السياسي للبنان كما ظهر بعد تفشيل مهمة الامين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى وإجهاض فرصة الوصول الى تسوية برغم المرونة القصوى التي أبدتها الموالاة. باختصار، هناك قناعة لدى قوى 14آذار بان قائد الاوركسترا واحد وإن تعدد العازفون.
المصدر :صحيفة السفير اللبنانية
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018