ارشيف من : 2005-2008

آية الله فضل الله: الإدارة الأميركية تريد بقاء لبنان في حال من الفوضى لتحريك مشاريعها السياسية في الضغط على أكثر من موقع في المنطقة

آية الله فضل الله: الإدارة الأميركية تريد بقاء لبنان في حال من الفوضى لتحريك مشاريعها السياسية في الضغط على أكثر من موقع في المنطقة

"إن ثمة في لبنان من ينتظر نتائج المبادرة العربية التي قررها اجتماع وزراء الخارجية العرب في إطار محاولات الانفتاح على تحقيق حكومة الوحدة الوطنية، ولكننا نعتقد أن حظ هذه الحركة لا يختلف عن حظ تلك التي سبقتها، لأن الخطة الأميركية التي لا تريد الاستقرار السياسي للبنان، لاسيما من خلال التقاء فريق المعارضة مع فريق السلطة. لأن أميركا تعتقد أن ذلك قد يحقق نصرا سياسيا للمقاومة يضاف إلى نصرها العسكري على "إسرائيل". هذا، إلى جانب أن الإدارة الأميركية تريد بقاء لبنان ساحة متحركة في حال من الفوضى لتحريك مشاريعها السياسية في الضغط على أكثر من موقع في المنطقة".‏

اضاف:"إن مشكلة لبنان هي أنه لا يملك وضعا سياسيا في السلطة وفي الواقع السياسي يفكر في استقرار الشعب اللبناني على صعيد الأمن والاقتصاد والسياسة، لأن هؤلاء يفكرون في أن يشبعوا من المال والسلطة، ولا مشكلة عندهم في أن يبقى الشعب جائعا، فهم يريدون إشغاله عن مشاكله الحقيقية بالأزمات الخانقة وإشباعه بالعصبيات لحساب هذا الحزب أو ذاك، أو لهذا الزعيم أو ذاك، أو هذه الجهة أو تلك، ويريدون له أن ينغلق على نفسه وينفتح على الطائفيات والمذهبيات، في الوقت الذي لا يزال الوطن يعيش الاهتزاز الأمني في أكثر من موقع.إن البعض يعمل على أساس الوقت الضائع ليصل البلد إلى الاستحقاق الرئاسي الذي قد يواجه فيه الجميع الفراغ الدستوري أو التعدد الحكومي في نتائج كارثية يختلط فيها الحابل بالنابل". وقال سماحته "إن الشعب مدعو إلى أن يواجه مشاكله بطريقة واقعية من أجل المستقبل الذي يعمل الكثيرون على تهميشه وجعله مثخنا بالجراح".‏

وقال السيد فضل الله "في المشهد الفلسطيني ليس هناك من حل سياسي واقعي إزاء الانقسام الحاد أمام حكومتين لا تعترف إحداهما بالأخرى، وخصوصا وسط التظاهرة العربية الدولية ضد حكومة الوحدة الوطنية برئاسة حركة حماس والترحيب والتهليل لحكومة الطوارىء التي خططت لها الولايات المتحدة الأميركية وشجعتها إسرائيل وعملت لها أكثر من دولة عربية، ولاسيما اللجنة العربية الرباعية، ذلك أن وجود حماس في داخل الحكومة كان مرفوضا من الجميع الذين يريدون حكومة تعترف بإسرائيل من دون قيد أو شرط، وحتى من دون أن تحدد حدودها الدولية أو تعترف بحدود الدولة الفلسطينية، التي تحدث عنها الرئيس الأميركي، ومن دون أن توافق على إزالة المستوطنات والجدار الفاصل كما أنها ترفض حق العودة وعروبة القدس".‏

أضاف "لقد كان المطلوب، أميركيا وإسرائيليا وعربيا، الاعتراف بالدولة العبرية كأمر واقع لا بد للمنطقة كلها من احترامه، ولا بد للفلسطينيين من الخضوع له والاستسلام لشروط إسرائيل ومطالبها، ولاسيما أن اللهاث العربي خلفها للقبول بالمبادرة المرفوضة من قبلها عند إقرارها، لا يزال يشجع إسرائيل على احتقار الواقع السياسي العربي، لأنه في موقع الضعف وهي في موقع القوة، لأن أميركا المهيمنة على أكثر المسؤولين العرب تدعم الكيان الصهيوني في شكل مطلق وتمنع أي قرار لمجلس الأمن لإدانتها، وتدفع بدول الاعتدال العربي ـ بحسب تسمية وزيرة خارجيتها ـ إلى إيجاد علاقات اقتصادية تختزن في داخلها حظوظ العلاقات السياسية المنتطرة. وإذا كانت أميركا قد تحدثت عن الدولة الفلسطينية إلى جانب الدولة الإسرائيلية، فإنها لم تتقدم خطوة إلى الأمام بطريقة واقعية لتحقيقها، بل إنها وضعت الحواجز الأمنية التي تحول دون ذلك عندما اعتبرت الفصائل الفلسطينية المدافعة عن التحرير والاستقلال، منظمات إرهابية، واشترطت على الشعب الفلسطيني أن يمتنع عن المقاومة وأن يلقي السلاح من دون أن تشترط على إسرائيل الامتناع عن تدمير البنية التحتية للفلسطينيين من خلال اجتياحاتها الوحشية".‏

وتابع "وهكذا ضغطت أميركا على اللجنة الرباعية الدولية لكي تتبنى الشروط الأميركية والإسرائيلية حيال الفلسطينيين، ما أدى إلى جمود المفاوضات وتحول مشروع الدولة الفلسطينية إلى مشروع عقيم مشلول لا يملك أية واقعية سياسية.وهكذا لاحظنا أن الغرب من جهة، وأكثر العرب من جهة أخرى، حاصروا حكومة حماس المنتخبة ديموقراطيا، ثم تحركوا لمحاصرة حكومة الوحدة الوطنية التي دخلها بعض أعضاء هذه الحركة على أساس اتفاق مكة الذي لم ينظر إليه الأميركيون والإسرائيليون بإيجابية، لأن المطلوب أن يبقى الانقسام الفلسطيني الذي يريدونه دمويا يقتل الأخ فيه أخاه، ويدمر الحياة العامة ويؤدي إلى الفوضى السياسية والأمنية في خطة خبيثة شارك فيها بعض المسؤولين الفلسطينيين الذين يرتبطون ارتباطا عضويا بالإدارة الأميركية والإسرائيلية، ويتحركون مع اللجنة الرباعية العربية لإيجاد المناخ الذي يسقط الأوضاع في غزة لتنتهي الأمور إلى ما انتهت إليه من إقالة الحكومة الوطنية واستبدالها بحكومة طوارىء، الأمر الذي قوبِل بالترحاب الغربي والعربي والإسرائيلي، في حديث عن الشرعية القانونية لرئيس السلطة الفلسطينية، وانطلقت القرارات الدولية والعربية في رفع الحصار الاقتصادي عن حكومة الطوارىء تأييدا لعزل حركة حماس التي اتهمت بارتكاب جرائم ضد شعبها من إجراء تحقيقات قانونية أو ميدانية تؤكد ذلك. إن هذا الحماس الأميركي والأوروبي والعربي والإسرائيلي للحكومة الجديدة ولرئيس السلطة يثير الكثير من الشك حول الخلفيات الكامنة وراء الأحداث كلها بفعل التطورات المؤلمة التي أدت إلى هذا الواقع".‏

وقال "إننا لا نجد في قرارات الجامعة العربية أي حل للمشكلة، وسوف تترك الخطة الإسرائيلية للعب على هذا الوضع الانقسامي إمعانا في تضييق الحصار على الفلسطينيين في غزة ثأرا للسلطة الوطنية وفي إرباك الحالة الداخلية في الضفة الغربية التي قد تؤدي إلى فتنة معقدة ربما لا تصل إلى مستوى أحداث غزة، ولكنها تقترب منها. ولا ندري ماذا حصل في اجتماع أولمرت مع بوش في خلفيات الحديث عن التطورات الفلسطينية وما هي الخطة التي يضعانها لاستكمال تحقيق الاستراتيجية الإسرائيلية غير التوسعية الساعية إلى تجميد مشروع الدولة الفلسطينية وفي قضية ما يسمى السلام. فأميركا لا يمكن أن تضغط على إسرائيل لمصلحة الشعب الفلسطيني، لأن خططها الشيطانية لا تحمل أي خير لأي شعب غير الشعب اليهودي ولا تتحرك في أي موقع إلا لحساب مصالحها ومصالحه الاستراتيجية".‏

وعلى الشعب الفلسطيني ألا ينخدع بحكومة طوارىء وبحالة طوارىء خاضعة للخطة الأميركية والإسرائيلية وللعبة الأوروبية العربية، لأنهم لن يحصلوا على أية نتيجة حاسمة لمستقبلهم الكبير، وعليهم أن يبحثوا عن العناصر المخلصة التي يمكن أن تجنب الواقع كل الويلات التي مر بها الشعب كله، وكل المآسي التي لا يزال يعيشها الأيتام والفقراء والمحرومون في هذا الشعب.‏

اضاف "إن علينا أن نفتش عن تجربة جديدة لا ارتباط لها بالواقع الدولي والإسرائيلي، ولا خضوع لها للذاتيات الفئوية والحزبية، وأن تبقى المقاومة التي لا بد من أن توحد فصائلها في مواجهة العدو من أجل التحرير".‏

أما في المشهد الأميركي، فإن السياسات الأميركية في الشرق الأوسط أظهرت فشلها الواحدة تلو الأخرى، وقد مارست واشنطن في السنوات الماضية أسوأ سياساتها في المنطقة، ولذلك فإنها تعيش أزمة كبيرة، وذلك من خلال الوضع المتردي في الشرق الأوسط الذي بدأ يترك تأثيره على سياسة أميركا الداخلية، فيما هي لا تزال تصر على إبقاء خطوط تحركها السلبي على دول المنطقة. ذلك أن أميركا في الوقت الذي تضغط على إيران في ملفها النووي السلمي تمارس أكثر من حركة سلبية ضد سوريا، كما تعمل على إبقاء الأزمة اللبنانية تراوح مكانها أو تزيدها تعقيدا من خلال أكثر من مندوب أميركي يزور لبنان، إضافة إلى سفيرها الذي يتحرك لإثارة أكثر من مشكلة في اتصالاته ببعض الأفرقاء من السياسيين اللبنانيين الذين ينفتحون على السياسة الأميركية، وفي نفس السياق يندرج حديث بعض مسؤولي الاستخبارات التركية السابقين من أن واشنطن طلبت من رئاسة الأركان العامة للجيش التركي القيام بانقلاب عسكري لإطاحة حكومة رجب أردوغان، في أثناء فترة التحضير للانتخابات الرئاسية، في الوقت الذي تتحدث أميركا عن الديمقراطية في المنطقة والتي لا تتحرك فيها إلا بما يحقق مصالحها ويفسح في المجال لنفوذها الاستكباري.‏

وتطرق الى الوضع في العراق, وقال: " في المشهد العراقي، تعمل القوات الأميركية المحتلة لتسليح بعض القبائل من أجل إيجاد حال قلقة تطل على اهتزاز أمني واسع، الأمر الذي يؤسس لحال ميليشياوية تخلق فتنة مسلحة بين المذاهب... هذا إلى جانب عمليات الهجوم والاجتياح التي تقوم بها قوات الاحتلال الأميركي والبريطاني في الجنوب بحجة فرض الأمن، ما يؤدي إلى قتل المدنيين، ولا سيما من النساء والأطفال والشيوخ. إننا لا نزال نجدد دعوتنا لحركة تحريرية في مواجهة الاحتلال لإخراجه من البلاد، ولاسيما أننا نستمع من بعض قادة الحرب في العراق أن الجيش الأميركي يخطط للبقاء 10 اعوام على الأقل، الأمر الذي يعطل أية حركة للنمو وللتقدم وللحرية للشعب العراقي، الذي لا بد له من الأخذ بأسباب الوحدة الإسلامية والوطنية".‏

2007-06-22