ارشيف من : 2005-2008

"الشباطيون" يظهّرون "فتح الإسلام" لتدويل الأمن والتمهيد للتوطين والفتنة

"الشباطيون" يظهّرون "فتح الإسلام" لتدويل الأمن والتمهيد للتوطين والفتنة

مرّة جديدة يُمْنى مخطّط "الشباطيين" بالفشل الذريع في قيادة البلاد نحو هاوية سحيقة من دون قاع ولا قرار، بعدما حسموا خيارهم بالتراجع عن فرض الحسم العسكري على الجيش اللبناني في الدخول إلى مخيّم نهر البارد في شمال لبنان، والقضاء على ظاهرة مجموعة "فتح الإسلام" التي كان معظمهم من غلاة تكبيرها وتطويرها وتسليحها ودعمها بالمال.

فكبار "الشباطيين" تنادوا وبسرعة قياسية مذهلة، وبعد ساعات قليلة من اندلاع الاشتباكات بين الجيش اللبناني و"فتح الإسلام" في أحياء مدينة طرابلس ومخيّم نهر البارد، لزيارة بعضهم بعضاً، والزحف إلى شاشات التلفزة المحلّية والفضائية، ودعوة الجيش إلى دخول المخيّم وحسم هذه الموقعة الموجعة.

فكلّ اللبنانيين سمعوا النائب سعد الدين الحريري يقول وبالفم الملآن، إنّه "آن الأوان لقرار حاسم في هذا الشأن، ونحن سنكون مع الجيش وقيادته ومع القوى الأمنية في كلّ الخيارات"، وتبعه وليد جنبلاط وسمير جعجع بطلب الإسراع في تنفيذ مقصلة الحسم، وتبعتهم "عشيرة" الزجّالين من صغارهم وأقلامهم وإعلامهم.

كانوا يريدون إبادة المخيّمات، ومن ثمّ توطين من ينجو ويُكتب له عمرٌ جديد، وإيقاع الفتنة بين اللبنانيين ولا سيّما المسلمين، وتجهيز أنفسهم للتفرّغ بشكل كلّي، لسلاح المقاومة. هذا ما ظهر للوهلة الأولى، وهذا هو غاية مشروعهم تنفيذاً لتشريع منطوق مشروع "الشرق الأوسط الكبير".

ولكنْ بعدما رفضت قيادة الجيش في موقف حكيم، إدخالها في أتون المخيّمات، وبعدما تنبّه "الشباطيون" إلى موقف الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله الذي شدّد على أنّ المخيّم خطّ أحمر، آخذاً في الاعتبار مسائل جدّ مهمّة تدخل في مشروع إعادة ترسيم سياسة المنطقة وجغرافيتها، انكشفت فضيحتهم، وتبدّلت لهجتهم وصاروا من رافضي مهاجمة المخيّم.

وتكاثرت الأحداث الأمنية المفتعلة بين عبوّة هنا، وقنبلة هناك، وبلاغ كاذب هنالك، وسيّارات واتصالات مشبوهة عن أمر أمني مريب، لتأزيم الوضع وتصوير البلد على أنّه على حافة الانهيار والحرب.

وكعادتهم، ربط "الشباطيون" ما حدث على مرأى ومسمع من نظامهم الأمني الجديد الذي يقوده "فرع المعلومات"، بمسألة المحكمة ذات الطابع الدولي، وذلك بغية استكمال متاجرتهم بدماء الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

إنّ الربط بين هذه الأحداث الأمنية الخطيرة، وإقرار هذه المحكمة، واقع في غير محلّه السياسي والقانوني، وذلك لسبب بسيط وهو أنّ استجداء الحصول على المحكمة تحت الفصل السابع ومن دون المرور بالآلية الدستورية اللبنانية المعتمدة مثلما هو معمول في كلّ دول العالم التي تقدّر دستورها وتحافظ على هيبة دولتها وقدسية مقوّماتها ومكوّناتها، تحقّق بفضل الدعم الأميركي الفرنسي المشترك، وبالتالي فإنّ المعركة الوهمية والمجانية التي خاضتها القوى الشباطية تحت ستار هذه المحكمة، صارت من الماضي وخسرت ورقة مهمّة للاستغلال السياسي اليومي ملّ اللبنانيون سماعها على مدى عام ونيّف.

لكنّ هذه الأحداث هي الفصل الثاني من كتاب الاستثمار السياسي للقوى الشباطية التي وافقت من خلال جهازها الأمني "فرع المعلومات" على استعجال ارتكابها، بحسب إجماع غير طرف سياسي محلّي وإعلامي أجنبي، تمهيداً للبدء بتدويل الوضع الأمني وتعميم نظرية انتشار الإرهاب السلفي وقاعدته الأساسية تنظيم "القاعدة" في لبنان، بالتزامن مع ضعف الإمكانيات اللبنانية العسكرية للتصدّي لها ومواجهة هذا النوع من الإرهاب الدولي، ومنعه من التغلغل في بنيان الدولة، وتقديمه حجّة واهية للدول "الخائفة" على ديموقراطية لبنان من الضياع والزوال، وفي مقدّمتها الولايات المتحدة الأميركية، وذلك للمطالبة باستحضار قوّات أجنبية للقضاء على هذه الظاهرة الغريبة على غرار ما حصل في أفغانستان وتطوّر في العراق.

وثمّة شواهد حيّة وملموسة في هذا المجال تؤكّد هذا الكلام، ومنها أنّه بعد ثلاثة أيّام على اندلاع هذه الاشتباكات المفتعلة وسقوط نحو ثلاثين شهيداً للجيش اللبناني في ما يشبه المجزرة، أعلن "البيت الأبيض" أنّ حكومة فؤاد السنيورة غير الشرعية تطلب مساعدات عسكرية.

وعلى الرغم من أنّ السنيورة، وكعادته في المهمّات الصعبة والمعقّدة، يكذّب ما يفعله بنفسه، أو يقوم به أحد من فريقه السياسي بالنيابة عنه وبعلمه أو من دون علمه وكأنّه "خيال صحراء" على حدّ تعبير القول المأثور، نفى هذه الواقعة الأميركية. ولم تمرّ 48 ساعة على التصريح الأميركي المباشر حتّى وصلت إلى مطار بيروت ستّ شحن عسكرية جوّية محمّلة بذخائر المدفعية الثقيلة لتقوية الجيش اللبناني (لم يعرف ما إذا كانت كلّها ذهبت إلى مستودعات الجيش وثكناته، أم تسرّب منها شيء للميليشيات الشباطية على ما ذكرت بعض التقارير الاعلامية).

وتولّت "جوقة المصفّقين" في القوى الشباطية، الترويج لكذبة ثانية عن أنّه كان من المفترض أن تصل هذه الإمدادات إلى لبنان قبل 12 يوما، ولكن حالت ظروف لم يكشفوها أو لم يسعفهم خيالهم الجامح في حبكها بالشكل المناسب، في وصولها في موعدها المحدّد مسبقاً، ثمّ عجّلت الاشتباكات في حصولها ووصولها.

وهكذا فجأة هبط وحي الخشية على الجيش اللبناني لدى "الشباطيين"، وبات قاتلو ضبّاطه وجنوده، ومرتكبو المجازر بحقّه لإضعافه وإبادته والحلول مكانه كأمر واقع، إبّان فترة الحرب، ولا سيّما وليد جنبلاط وسمير جعجع، من أشدّ الحريصين على سمعة الجيش ومنعته وهيبته وأهميّته، ومن أكثر المطالبين بدعمه بالأسلحة والذخائر والمعدّات العسكرية اللازمة، بينما هم أنفسهم لم يحرّكوا ساكناً، ولم يطلبوا أيّة قطعة سلاح من ولي نعمتهم الجديد "الكاوبوي" الأميركي، خلال الحرب الإسرائيلية الأميركية المشتركة على لبنان ومقاومته الباسلة في شهر تموز/ يوليو من العام 2006، حيث تعرّض الجيش اللبناني، وفي غير مكان وزمان، لقصف شرس وغارات جوّيّة ممنهجة أودت بحياة عدد من جنوده، ولم ينل "مظروفاًً خلّبياً" واحداً.

وباختصار مفيد، فإنّ الغدر بالجيش اللبناني وزجّه في مخطّط هذه الاشتباكات المرسومة في دهاليز بعض المخابرات العربية والغربية وبتواطؤ محلّي، كان خطوة أولى على طريق تدويل الأمن والعسكر، ولا يمكن الفصل بين هذه الاشتباكات وتوقيت وصول المساعدات العسكرية الأميركية، فوصولها وبهذه السرعة، يكشف النيّات المبيتة والأسباب الكامنة وراء اقتراف هذه الاشتباكات، وبالتالي فهما مترابطان ومتلازمان.

العفو المرتقب

نقطة أخيرة أطلقها السيّد حسن نصر الله و"وافق"عليها "الشباطيون" على مضض، وتتعلّق بعدم مسامحة قتلة العسكريين، لئلا يتكرّر قانون العفو الذي استصدروه عن مرتكبي الأحداث التي وقعت في جرود الضنية في شمال لبنان، ولئلا تستعاد الأحكام القضائية المخفّفة جدّاً عن أولئك الذين "اجتاحوا" محلّة التباريس في الأشرفية في 6 شباط/ فبراير من العام 2006 بفعل تدخّلات وزراء ونوّاب "شباطيين"، لأنّ هذا الفعل أعطى ما يشبه الحصانة والضمانة لكلّ من يلتقي مع أفكار هؤلاء مثل "فتح الإسلام" بأنّهم فوق القانون، وهذا مخالف لقيام الدولة العادلة والقادرة.

طبعاً، "الشباطيون" سيتدخّلون مرّة أخرى لمصلحة من أوقفه الجيش اللبناني والقوى الأمنية خلال هذه الاشتباكات، لأنّ الانتخابات النيابية قريبة، ولأنّ "السلفيين" ينتظرونهم لفضح ممارساتهم إذا ما أخلّوا بواجباتهم وعقودهم الشفهية معهم بما فيها مرتّباتهم. وبين هذين المشهدين لا أحد يتطلّع لوقف النزف الحاصل في جسد الجيش اللبناني، هذا الجيش الذي يناصره "الشباطيون" علناً وبالكلام المعسول، ويكيدون له سرّاً.

علي الموسوي

الانتقاد/العدد1217 ـ 1 حزيران/يونيو2007

2007-06-01