ارشيف من : 2005-2008

حلف الخاسرين

حلف الخاسرين

انتهى عدوان تموز على لبنان، خسر أولمرت المعركة، "اسرائيل" تبحث عن مستقبلها، تبرعت واشنطن بحبل النجاة، قدم العرب المعتدلون بطاقة دعوة لمن يرغب بإعادة ترميم أولمرت.
وأولمرت هذا لا يختلف عن شارون، يداه ملوثتان بدماء اللبنانيين، سفك بيوتهم وحقولهم وطرقاتهم وجسورهم، هجر مليوناً. أكثر من عشرة آلاف غارة على مدنيين، أي مجرم حرب بالجرم المشهود أولمرت هذا! قتل أكثر من 1200 لبناني في ثلاثين يوماً، أي بمعدل 40 قتيلاً يومياً، أعاق أكثر من ستة آلاف لبناني، أي بمعدل 200 معوق يومياً، خرّب حتى الجنون، جرّب القنابل العنقودية التي أباحت دماء الرجال والنساء والأطفال بعد انتهاء العمليات العسكرية، واستعمل القنابل الاميركية الذكية ودمر الضاحية، وكانت واشنطن تدفعه إلى المزيد من القتل والقتل حتى الثمالة.
أولمرت هذا دُعي إلى القاهرة، استقبل كزعيم دولة محبوبة، ابتسامات، بروتوكول، مصافحة، مطالب، رجاء، وعوّل القادة العرب الحاضرون والغائبون، على دعم "اسرائيل" معسكر "الاعتدال" العربي.
مجرم حرب بكامل الأوصاف القانونية والمعايير الدولية، ومع ذلك العرب أهل تسامح وغفران وبذل وعطاء، فليأخذ أولمرت ما يشاء، المهم أن لا يأخذ الأنظمة.
انتهت مرحلة المراوحة الدموية بين السلطة  الفلسطينية و"حماس"، خرجت الأخيرة من اللعبة الأميركية الاسرائيلية، قالت كفى، لم يعد مجدياًانتظار أمر الإخراج، فالإخراج حصل ذلك منذ استقلت الحكومة الفلسطينية عن النهج الأميركي، وعندها دعي أولمرت إلى وليمة فلسطين.
وأولمرت هذا في فلسطين أشد وطأة من شارون، تماماً كما كان بيريز أشد وطأة من رابين، فهو منفذ مجزرة قانا الأولى، والثانية كانت أشد فظاعة من الأولى.
دماء العرب مجانية
عادة نعتب على أوروبا والغرب عموماً لأنهم يتعاملون مع الدم اليهودي بطريقة فائقة الإنسانية وبالغة الاحتفال بالحزن والغضب، فيما يهملون الدم العربي الفلسطيني والعراقي اللبناني، ويهدرونه نسيانا وتأففاً، ويضعون اللوم على قياداته التي تقوده إلى السفك.
عادة كنا نلوم الغرب، أما الآن والدم اللبناني لم يبرد والدم الفلسطيني مشرع على قارعة القصف والاغتيال، فإننا لن نلوم الغرب، فأهل "العروبة" الساكتة أولى بالنكران والاستنكار.
قادة عرب وعلى مرأى من شعوبهم المتثانية سياسياً وثقافياً ودينياً، يدعون أولمرت هذا، لينضم اليهم ويصبح شريكاً في الحرب على المقاومة الفلسطينية واللبنانية والعراقية و.. هلم جرا..
لم يكتمل النصاب بعد، المطلوب انضمام لبنان إلى قافلة "الاعتدال" العربي التي تغفر "الاعتداء" الصهيوني وتجد له من المبررات الحسنة والمقبولة الكثير من الحجج.
انقلب الزمان العربي، والأصح انتهى الزمان العربي، ولعله بلا رجعة قريبة، ستتولى أميركا تعريب المنطقة اسرائيلياً، أي القبول بأسرلة العرب، وعليه فإن الفرز الحاصل هو التالي:
يضم الحلف الأميركي غير المعلن عدداً من أنظمة عربية معلنة انتحارها على الملأ، يضاف اليه  أنظمة عربية شبه معلنة، تمارس انتحارها في اللقاءات السرية مع "اسرائيل"، وأنظمة عربية تمارس الولاء خفية بانتظار اللحظة المناسبة.. ووظيفة هذا الملف اقناع "اسرائيل" بضرورة مساعدة أنظمة "الاعتدال" بالفتات من التنازلات للسلطة الفلسطينية مقابل الدعم العربي الكامل لها.
انقلب الزمان العربي.. بل انتهى. كانت المصافحة جريمة، صار العناق سياسة فضلى. كانت "اسرائيل" عدواً، فباتت حليفاً مرغوباً.. وإلا كيف نفسر الصمت العربي الثقيل على جريمة شرم الشيخ؟ كيف نفسر الدعم المطلوب من أولمرت إلى عباس؟ كيف نفسر الدعم الدائم لسلطة لبنانية تعيش على نقيض تام مع المقاومة ولا تحتمل انتصارها؟
كيف نفسر كل ذلك؟
تفسيره سهل وبسيط، عرب الاعتدال يتبنون سياسة الخسارة البناءة. أي، حذار الانتصار، الانتصار يهزمنا، الانتصار خسارتنا، التصدي يلغينا، الكرامة تذلنا، الاستقلال يمحونا، السيادة تقضي علينا، والحرية تلغينا.
المطلوب أن نخسر كي تلمنا واشنطن وتضعنا في الأحضان الإسرائيلية.
أما وقد انتصرنا في لبنان، والطريق إلى الانتصار سالكة في فلسطين والعراق، فإن على جميع المنضوين في حلف الاعتدال العربي أن يسفروا عن وجوههم المتطرفة، وخناجرهم المستورة ضد فلسطين ولبنان والعراق، ومن معهم من شعوب العالم.
أما وقد انتصرنا ضد "اسرائيل" تحديداً، فمن "حق" حلف الخاسرين من العرب أن يخاف.. ويجد في "اسرائيل" حامياً له.. فليراهنوا على الخسائر حتى النهاية.
نصري الصايغ
الانتقاد/ العدد1221 ـ 29 حزيران/يونيو2007

2007-06-29