ارشيف من : 2005-2008
أمر العمليات الأميركي لفريق السلطة : لا تسويات، وإنما خوض حروبٍ واشنطن المتنوعة
لبنان مقحم اليوم في أكثر من مشكلة، وينوء تحت وطأة أكثر من نزاع متفجر، أو قابل لأن ينفجر عند أدنى مناسبة أو فرصة:
أولاً: هناك الصراع السياسي الداخلي، المتمحور حول الخلاف على الخيارات السياسية والوطنية القصوى التي يجب أن يكون عليها لبنان. هذا الصراع يجد تعبيراته الأساسية في التنافس على مواقع السلطة، والقرار فيها، باعتبار أن من يمسك بمواقع القرار يصبح بإمكانة التحكم بالخيارات السياسية، من دون أن يعني ذلك استقامة الأمور له، ولا سيما أن التوازنات الشعبية، أو القاعدة الاجتماعية للسلطة، من شأنها أن تضع، أياً كانت بيده مواقع القرار، في مواجهة مباشرة مع قسم رئيسي من القوى الشعبية والسياسية، ما يعني ضمناً بقاء التوترات على ما هي عليه، واتخاذها أشكالاً أكثر حدة حيث يصبح التناقض المركزي: سلطة/ مجتمع، من هنا، فالتوافق على مستوى السلطة كما تطرحه المعارضة في لبنان لا يشمل مراكز القرار فحسب، وإنما سينسحب حكماً على المكونات الاجتماعية، وهذا هو الأهم، لأن في ذلك ضمان استقرار أكبر لعمل مؤسسات السلطة وأجهزتها، وإقفال قوي لمنافذ الاختراق على أنواعها.
ومن نافل القول هنا، إن الصراع السياسي الداخلي كونه صراعاً على الخيارات السياسية والوطنية الأساسية، فهو يقع في امتداد الصراع الدائر في المنطقة على هكذا خيارات. وإذا شئنا أن يكون توصيفنا أكثر دقة لقلنا إن المنطقة اليوم هي عرضة لهجمة استعمارية ـ عسكرية جديدة تقودها الولايات المتحدة، وذلك لفرض رؤيتها الاستراتيجية العامة عليها، ومن ضمنها رؤيتها السياسية، وهي رؤية تفتيتية ـ إلحاقية بكل ما في الكلمة من معنى.
في المقابل، هناك من يتصدى لهذه الهجمة إما مقاومة وإما صموداً وثباتاً وممانعة، وهناك من يستسهل الالتحاق، ويعلن استسلامه العام. بهذا المعنى يصبح الصراع دائراً بين من يريد رفع الراية للمشروع الأميركي، والإذعان له، ومن يريد مقاومته لتحقيق استقلال حقيقي، لا استقلال شكلي جوهره الاستتباع والاستلحاق بالسيد الأميركي.
إن من فرض ويفرض على لبنان الخوض مجدداً في صراع حول خيارات لبنان الأساسية هو من يتحمل مسؤولية الانقسام الحالي، وتحويل لبنان مجدداً إلى ساحة صراع من جملة ساحات الصراع في المنطقة.
ولو بقي لبنان على خياراته الأساسية لما اتخذ الصراع فيه، والتناقض بين قواه، هذا الطابع المركّب والمعقد والمتداخل الخيوط إلى أقصى الحدود، ما يجعل الصراع السياسي التقليدي حول السلطة فيه صراعاً معقداً لا يسهل حله.
ومن الواضح هنا، أن من لوازم الصراع الآنف هو إحداث جملة تحولات مركزية في التوجهات السياسية والوطنية للبنان:
ـ تسوية الصراع مع الكيان الاسرائيلي في مقابل جعل سوريا هي العدو، ما يعني ضمناً أو علناً تحويل لبنان إلى ساحة من ساحات الصراع الأميركي والإقليمي مع سوريا.
ـ ومن ضمنها أيضاً إعادة صياغة معنى الحدود تحت مسميات مختلفة وبذرائع شتى: المعنى الأصلي والرمزي لنشر قوات دولية على الحدود مع سوريا، هو أنها باتت دولة عدوة، ومنفذاً لسلاح المقاومة، أي منفذ للسلاح الموجه للمشروع الأميركي ـ الصهيوني في لبنان. في المقابل يتم التركيز على تعزيز اليونيفل في الجنوب لحماية الكيان الاسرائيلي، وتركيز الكلام حول ضرورة العودة إلى اتفاق الهدنة وسواها.
ـ إحداث تحويل في عقيدة الجيش القتالية، التي من لوازمها احداث تعديل في هيكليته، ووظائفه الأمنية.
ثانياً: هناك الصراع اليوم مع الحركات الإسلامية السلفية السنية التي تندرج تحت عنوان عام اسمه تنظيم "القاعدة".
من نافل القول، إن واشنطن تخوض حرباً عامة اليوم ضد هذه التنظيمات وسواها من تنظيمات جهادية سنية وشيعية، تسميها الحرب على الإرهاب.
وصحيح أيضاً، أن التكوين الديني والمذهبي للبنان، معطوفاً على أوضاع اجتماعية، ومضافاً اليه التوترات المذهبية العامة في المنطقة، واستسهال بعض الزعماء اللبنانيين من سياسيين ودينيين استغلال العصبيات المذهبية لأغراض سياسية.
صحيح، أن كل هذه العوامل تشكل بيئة ملائمة لتفريخ المنظمات والحركات السلفية على أنواعها، ألا أنه من الصحيح أيضاً، أن لبنان لم يكن ساحة صراع بالنسبة لهذه التنظيمات، بقدر ما كان ساحة نصرة.
إن المسؤول الأول على وضع لبنان على خط المواجهة مع هذه الحركات هو أمر العمليات الأميركي الذي أعطته رايس في أثناء ترؤسها للمنظومة الأمنية العربية المتشكلة من السعودية ومصر ودولة الإمارات العربية والأردن، اضافة إلى العضو غير المعلن المتمثل بالكيان الاسرائيلي، ومنذ ذلك الوقت جرى إقحام لبنان عموماً والجيش اللبناني في ما تسميه واشنطن الحرب على الإرهاب، وهي حرب لا تتحمل تبعاتها واشنطن نفسها.
ثالثاً: التوترات التي تسود المجتمعات الفلسطينية، وهي توترات متعددة العناوين والأبعاد:
أ ـ توترات لها صلة بالتداعيات الخاصة بما يحدث في مخيم نهر البارد.
ب ـ احتضان المخيمات للعديد من التنظيمات الأصولية والمتناقضة مع تنظيمات فلسطينية أساسية كحركة فتح.
ج ـ الانعكاسات المحتملة للصراع الفلسطيني ـ الفلسطيني الدائر في الضفة والقطاع بين حركتي حماس وفتح عموماً.
د ـ النيات المبيتة لفريق السلطة تجاه المخيمات، والخاصة بإجراء ما يلزم لتوطينهم.
إن تأملاً بسيطاً في هذه النزاعات يكشف أن السبب الرئيسي لإقحام لبنان فيها هو الولايات المتحدة وفريق السلطة، وهي تكشف بدورها، عن الطابع الوظائفي المطلوب أن يلعبه لبنان في هذه المرحلة لمصلحة المشروع الأميركي ـ الاسرائيلي في المنطقة.
إن واشنطن تريد إقحام لبنان في صراع على جبهات عدة، هي إلى ما تقدّم، وحتى لا ننسى، الصراع أيضاً مع المقاومة، خصوصاً بعد فشل العدوان الاسرائيلي.
فهل بعد ذلك يمكن الرهان على نجاح أي مسعى عربي أو غير عربي، ما دامت واشنطن في غير هذا الوارد، وما تتطلع اليه أمر آخر.
ولا يخفى أن المشكلة الرئيسية تبقى مع فريق السلطة، الذي آثر أن يبيع استقرار لبنان للشيطان الأميركي، موافقاً على إقحامه إقحاماً في دائرة النار الاميركية.
الانتقاد/ العدد1221 ـ 29 حزيران/يونيو2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018